عودة “ش”

mahmoud emad

محمود عماد

في منامي بالأمس

عادت الفتاة “ش”

بعد هروب دام ليالٍ،

جاءت مثل ضوءٍ ساطعٍ

اخترق ظلامي.

 

عندما أتت…

لم أعرفها أول الحلم،

وبعد لحظاتٍ من التيه

علمت أنها هي الفتاة،

هي الحرف الذي

ضج مضجعي،

هي الطيف الذي

هزم جميع حبيباتي السريات.

هي صديقتي التي ضاعت مني

في فلاة،

تنتهي عند أرض الكرب والبلاء.

 

هنا الماء لا يروي،

والشمس لا تترك رأس إنسانٍ أو حيوانٍ،

حتى الطير في السماء يتساقط

من قيظ الحر في الجوف الملتهب

بنيران التيه والوحدة.

 

هنا مثل الإمام كنت

وحيدًا، عطشانًا، مغدورًا، مكروبًا،

أصابتني سنون الحياة

بكل عبثيتها،

مثلما أصابته سنون الظلم.

 

وصف فيلسوفٌ عابثٌ،

في عصرٍ آخر، حياتي،

قال إن الإنسان يدحرج

أيامه فوق الجبل،

ولا تنتهي عبثيتها أبدًا،

فلا القدر يقتله،

ولا الانتظار ينتهي.

 

وحدي…

رحت أبحث عن حرفي،

حاولت كتابته فانمحى،

في كل مرة خط قلمي شكله.

 

اخترعت الأساطير،

ونسجت خيوط البطل،

وأصبته بمسٍّ من جنون،

أردت حكايةً تشفي

صدرًا يتوق حبًّا لحرف فتاة.

 

أصابتني اللعنة،

خرج الجنون من بين الحروف،

تمثل على شكل ضلالات،

صنعت لجاما أمسك عقلي،

سبني بطل قصيدتي،

وقال: عليك اللعنة.

أتظن فيك قبسًا من إله؟

كلا، ما أنت إلا تراب.

 

كان آدم طامعًا مثلي،

بحث عن الألوهية،

سمع وسوسات النفس،

وقضم من تفاحة الخلود،

أراد أن ينتزع مكانه الصانع.

 

أنا مثله،

شُبِّه لي أن الكلمة

يمكن أن تُلقى لأي عبد،

دون أن ترتبط بالصلاح،

ظننتني قادرًا على الخلق،

ورحت أعرف

أن المصنوعين لا يخلقون

إلا شقاءهم.

 

في الحلم…

لم تكلمني “ش”،

أبعدت عيونها الزجاجية

عن عينيّ الجاحظتين،

عبرت بجواري،

دون أن تنعم عليَّ

بقبسٍ من الجنة،

رحلت كأنها لم ترَ روحي،

وأنا بقيت أرسم الكلمات

في محاولةٍ للإمساك

بالحرف الهارب.

محمود عماد

32 مقال
كاتب وروائي مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع