عبد الرحمن أقريش
توقفت سيارة (الفاركونيت) في زقاق منزو ومظلم.
أمسكوه بقوة وأنزلوه من السيارة، للحظات بقي مشدودا ومعلقا في الفراغ، وعندما لامست قدماه أرضية الزقاق الحجرية، أزالوا كيس الخيش من على وجهه وانسحبت أيديهم إلى الداخل في حركة آلية.
خاطبه من يبدو أنه رئيسهم بصوت هادئ، صوت أراده حاسما ومهددا.
– هنا تنتهي رحلتك…يجب أن تعتبر نفسك محظوظا.
يسأل نفسه.
– ما معنى ذلك؟
أتمم بقية الحوار بداخله.
من يدري؟ كان من الممكن أن يحدث الأسوأ…كان من الممكن أن يغتصبوه أو يقتلوه أو يدفنوه حيا فيختفي إلى الأبد، الحدود الفاصلة بين الممكن والمستحيل مجرد خيوط واهية، أوهى من بيت العنكبوت…
غادرت السيارة، ابتلعها الظلام.
بقي هو في مكانه واقفا جامدا ومشلولا للحظات طويلة، كان يلزمه بعض الوقت لكي تهدأ الأصوات التي ظل صداها يتردد بداخله لساعات، صوت العجلات على الإسفلت، هدير المحرك الضاغط، صوت الأشجار وهي تمضي، أصوات كثيرة ممزوجة بالصمت والخوف…
تلوح خيوط ضوء في الأفق.
قدر أن الليل ما يزال طويلا، أحس بجرعة من التفاؤل، انتبه أنه بدأ يسترجع تدريجيا حواسه المعطلة منذ شهور بفعل المرض والإنهاك والعتمة، بدأ يسترجع بالخصوص حاسة الشم التي دمرتها روائح الرطوبة والقذارة ومحلول (الكريزيل) وهواء الزنزانة الموبوء.
مشى بشكل غريزي، مشى منقادا وكأنما يستجيب لنداء داخلي غامض، تهب نسمات خفيفة من جهة البحر تحمل معها رائحة ما…
بدت المدينة مهجورة وفارغة تماما، انحرف يمينا، ثم لف يسارا، ثم يسارا، يخرج من زقاق وينخرط في آخر، ومع كل خطوة كانت تلك الرائحة تقترب وتصبح أقوى، توقف أخيرا أمام فرن بلدي، محل صغير تنبعث منه رائحة خبز شهية، رائحة دافئة يمتزج فيها عبق الكيف والشاي بدخان الخشب المحروق…
فكر أنه لن يخطئ أبدا عندما يتعلق الأمر باسترجاع روائح الماضي، فتلك الروائح نسمة من روحه، تسكنه، يحملها بداخله.
…
وقفا صامتين، ينظران إلى بعضهما بصمت.
تعرف (بابا الطيب) على ولده بصعوبة، استقبله بالأحضان والقبلات، عانقه، ضمه إليه بقوة وهو يغالب دموعه وعواطفه.
– اجلس يا بني، سنشرب معا كأس شاي أعرف أنك لم تذقه منذ مدة، بعدها سنذهب إلى البيت، وهناك ستأكل طعاما نظيفا من يدي والدتك وتنام قليلا لتستريح.
…
في البيت، جلس (المعطي) في البهو الصغير الذي تستعمله العائلة كفضاء للأكل والجلوس، جلس يفكر ويتأمل تفاصيل المكان.
– لم يتغير الشيء الكثير…
ككل البيوت المغربية البسيطة، هناك أشياء لا تتغير أبدا، سدادر خشبية، فراش ومساند من الحلفاء، أثاث وستائر من زمن مضى، تحف وأيقونات من الخزف وخشب العرعار مبثوثة بعناية على النوافذ، صور من زمن الأبيض والأسود لجيل الآباء والأجداد، وأخرى ملونة للأبناء والحفدة، صور تلخص مآلات حياة المغاربة عبر الزمن، صور يبدو فيها الآباء مطمئنين ومستسلمين، ترتسم على وجوههم تعابير تمتزج فيها جدية العمل وأمل الحياة والخوف من المستقبل، وصور أخرى يبدو فيها الأبناء أقل جدية وأكثر تفاؤلا.
يرفع (المعطي) بصره يتأمل تفاصيل المكان، يتوقف عند صورتين علقتا متقابلتين.
صورة (جمال عبد الناصر) بوجهه الفرعوني القاسي، وأخرى يطل منها (محمد الخامس) بملامحه الهادئة وجلبابه المغربي الأنيق…
بجانب صندوق التلفزة ووسط أواني الزينة وضعت بطاقة كرطونية تخص اكتتاب المساهمة في بناء مسجد (الحسن الثاني).
الصورتان معا، من التراث السياسي لوالده، وضعتا هناك منذ زمن بعيد، يتأملهما ويقدر أنهما أقدم منه، أكبر منه سنا…
لم يكن والده (بابا الطيب) شخصا مثقفا ولكنه يتمتع بحس سياسي حاد، في المرات القليلة التي يدور فيها نقاش سياسي في العائلة، يشرح الرجل موقفه بكثير من البساطة والوضوح.
– هذا السيد راجل ونص، يحب الفلاحين والفقراء بحالي…
يقصد (جمال عبد الناصر)
يرسم لحظة صمت، ويواصل.
– وهذاك سلطان البلاد، إنسان طيب ما يتعدى، ما يظلم…
لا يتقاسم (المعطي) مع والده نظرته لكثير من أمور الدين والسياسة والحياة، فالكتب والجامعة وتجربة الاعتقال والملاحقات البوليسية شيدت بينهما جدارا من الصمت والصمم، ولكنه وقف دوما عند حدود اللياقة والأدب التي تفرضها التربية التقليدية، احتفظ بمعتقداته لنفسه، وحرص ألا يجهر أبدا بأمور يعتبرها إشكالية وصادمة، أشياء يعرف يقينا أن الجدال حولها لا يشفي ولا يجدي.
ينظر إلى صورتي الرجلين بحياد عاطفي عجيب، يستعيد بداخله المرات العديدة التي فكر أن ينزعهما من مكانهما والتخلص منهما بشكل نهائي، فهو شيوعي متمرد واشتراكية (عبد الناصر) لا تعني له شيئا كثيرا، أما (محمد الخامس) فأمره معقد فعلا، فالرجل يشبه ضيف العائلة، هو في الحقيقة ضيف والده، فهو من علق الصورة هناك، وهو وحده من يقرر مصيرها، والجميع في البيت ملزمون باحترام الضيف واحترام المضيف.
يستعيد (المعطي) صورا بعيدة من طفولته الأولى، ترتسم على وجهه الخطوط الأولى لتعبير غامض، نصف ابتسامة، هذا النوع من التعبير الذي لا ندرك أبدا معناه، يتذكر كيف كان يتصور وهو طفل صغير أن هذا الرجل الوسيم، الحليق، المجلبب، الأنيق على الطريقة المغربية القديمة هو فرد من العائلة، وأنه لسنوات طويلة لم يستطع التخلص من هذا الشعور الغامض الذي ينتابه في كل مرة يقف أمام صورته، شعور هو مزيج من الألفة والدفء والحاجة إلى الحماية…
شيء يشبه الأبوة.
ثم يتوقف عند بطاقة المسجد، يتأملها، يقرأها، تنمحي ابتسامته، ويحل محلها تعبير قاس هو خليط من الامتعاض والغضب.
يمضغ هواجسه.
ينخرط في لحظة بياض قوية، يستعيد شريط حياته في صور سريعة ومتلاحقة، القامرة، حي الشباب، مدينة العرفان، شارع النصر، باب الرواح، كلية الآداب، طالبات وطلبة بوجوه باسمة ومشرقة، تسريحات وملابس بوهيمية ومهملة، سجائر سوداء وشقراء والكثير من الكتب، مناشير، أغاني الشيخ إمام، الحي الجامعي تحاصره الكلاب والشرطة، البوليس السياسي يراقب ويترصد هناك في العتمة حيث تربض سيارة (بريد المغرب) على سبيل التمويه…
استعاد تفاصيل ليلة الاختطاف، الأقبية، السراديب، صرير المفاتيح والأبواب الحديدية…استيقظت أوجاعه ومخاوفه، أوقف شريط الصور، كانت تلك طريقته ليقطع خيط الألم بداخله، ألم الخيبات والانكسارات، يفكر في الذهاب إلى البحر، في السفر، في التيه والهروب بعيدا…
…
تنظر إليه والدته بعينين حزينتين، تكتم مشاعرها، تبكي وتحاول أن تبدو قوية…ينظر هو إلى والده، يتأمل ملامحه التي تلاعب بها الزمن.
يخاطبه ويخاطب نفسه بصمت.
– أيها الرجل العجوز، أنت تستحق كل التقدير والاحترام…
يستحضر حجم المعاناة التي تحملها والده من أجل تربية أبناءه وتعليمهم، وتوفير أساسيات تحفظ لهم صحتهم وكرامتهم من أكل ولباس وترفيه كلما سمحت الظروف…
اشتغل (بابا الطيب) لعقود من الزمن أجيرا مياوما، في البادية اشتغل (رباعا) و(خماسا) في حقول الآخرين، وعندما هاجر إلى المدينة اشتغل في أوراش البناء، ثم في الأفران ومخابز الآخرين، يكسب عيشه بعرق جبينه، في المساء يعود إلى البيت حاملا أجرة يوم عمل طويل شاق ومتعب، أجرة في غاية الغرابة، إناء معدني من الجمر المشتعل يستعمل للتدفئة وإعداد الطعام، رغيفين، وبضعة دراهم…
في البيت، يتناول الرجل ما تيسر من طعام، يعد شايه بنفسه، يدير أزرار المذياع، يضبطه على موجته المفضلة، يخرج علبة معدنية من تحت السرير، يستخرج منها عدة الكيف، حزمة كيف، أوراق طابا، لوح خشبي، سكين، سبسي، وجيب جلدي مزخرف…
ويبدأ سهرته.
في حركات بطيئة وهادئة، يشتغل بصبر وأناة وشغف، يمزج، يعدل، يضيف الكيف وأوراق طابا بالمقدار المطلوب، وفي كل مرة يتذوق الخليط، وعندما يقدر أنه قد استوى يبتسم، يتنفس الصعداء. يشعل عود كبريت، يتحدث عن العمل والحياة وشقاء البشر، يسخر من أشياء كثيرة لا تعجبه، يسخر بالخصوص من نشرة الأخبار، يحترق عود الكبريت، تقترب الحرارة من أنامله، يحرك العود في حركة لاشعورية ثم ينفخ فيه، يطفئه بهدوء ويشعل عودا آخر، يشعل السبسي، يمتص الدخان بعمق، يحبسه للحظات ثم يحرره، يرسله بعيدا على شكل أعمدة قوية ومتلاحقة.
فيبدو مطمئنا وسعيدا.
ثم في حركة ذات معنى ينظر إلى الزمن في الساعة الحائطية، يتأكد بعدها بالنظر إلى الساعة في معصمه الأيسر ويلتفت إلى الأبناء، يخاطبهم، يقدم نصيحته في جملة مسكوكة لا تتغير أبدا، يقدمها بنفس الصيغة، بنفس الصوت، بنفس النبرة التي تمتزج فيها الصرامة والهدوء بالسخرية السوداء.
– هذا وقت النعاس الشباب، قوموا إلى فراشكم، وتذكروا جيدا فالمدرسة هي فرصتكم الوحيدة في هذه البلاد الكحلاء…
…
ينظر إليه (المعطي)، يتأمل وجهه الذي لفتحه النار والحرارة، ينظر إلى يديه القويتين اللتين نحتهما الفقر والعمل القاسي.
يستعيد بداخله علاقتهما المتوترة، يشعر بالندم على الماضي المشحون بسوء الفهم والصمت والصمم، علاقة صدامية أججتها عواصف المراهقة والشباب وصراع الأجيال وجرثومة الكتب.
(المعطي) واحد من جيل الشقاء والتمرد، جيل يرفض سلطة الله في السماء ولكنه لم ينجح أبدا في التحرر من سلطة الآباء في الأرض.
ومع ذلك يشعر (المعطي) ببعض العزاء، فهو يحب والده، أحبه دوما.
ود لو يكلمه، لو يخاطبه بصوت مسموع، لو يقول شيئا يردم بعضا من الهوة التي تفصل بينهما، ولكنه فضل الصمت والإنصات لهواجسه.
– أنت أيها الرجل العجوز مناضل حقيقي، أنت المناضل ولست أنا…أنت المناضل وليس أولاد ال… هؤلاء الذين يسكنون التلفزة والبرلمان وتعج بهم مقرات الأحزاب والنقابات والجمعيات…
يعود إلى نفسه، ينتبه، ينظر إلى كفيه، يبسطهما، يتأملهما ظاهرا وباطنا، يتوقف عند الندوب والخطوط الرمادية التي رسمتها القيود في معصميه، يتملكه شعور غامض ومؤلم، أحس أن جزءا من حياته ضاع وانفلت من بين يديه، ذهب أدراج الرياح…
أحس أنه لم يعد نفس الشخص، أحس وكأن روحا جديدة تقمصته من الداخل وأنه لن يعود أبدا إلى شخصيته القديمة…
يخاطب نفسه.
– السجون متاهات، نخرج منها ونترك أرواحنا هناك إلى الأبد، وأسوأ السجون تلك التي بلا جدران…
نظر إلى كأسه، فكر أن يشعل سيجارة، ولكنه قدر أن الزمن والمكان غير مناسبين، استأذن والده في همهمة خفيضة تكاد لا تسمع.
– سأخرج قليلا…
…
في المدينة أشرق يوم جديد، يوم ربيعي جميل ودافئ.
تعمد أن يمشي في اتجاه الشمس، تخترق أشعتها نسيج سترته وتنفد إلى تفاصيل جسده، عب الهواء ملء رئتيه، تنفس عميقا، أطلق العنان لهواجسه، أشعل سيجارة ومضى.
في الخلفية بعيدا يسمع صوت البحر…