أحمد حامد
وعدٌ مزيف أم وصولٌ متأخر؟
يفتتح فيلم “دخل الربيع يضحك” بلقطة مقربة لورقة شجر ذابلة، تعلن عن ربيعٍ قد فات أوانه. وتبدأ أولى حكايات قصتنا، وهي حكاية «يونيو»، قبل يومين بالتحديد من ذكرى ميلاد عبد الحليم حافظ، الموافق لذكرى ميلاد الصيف. ننتظر متشوقين في داخل الحكاية كيف يمكن للربيع أن يطلق ضحكاته الأخيرة قبل عودة الصيف من جديد، وفي داخل الحكاية نفاجأ بأن الضحك لم يكن هو المنشود؛ فالربيع، في هدوء نسماته، لا يخلو من التقلبات التي تعصف بالجميع.
القصة تحكي ببساطة عن رجلٍ مسن وابنه يذهبان لزيارة جارتهم لإرجاع قطتها التي فقدتها، ولحسن الحظ أو لسوئه تحضر ابنتها هذه الزيارة. تمر الزيارة بهدوء، يتبادلون الشكر ويتحدثون عن زمنٍ قد انقضى بين عبد الحليم وليلى مراد وصلاح جاهين. وفيما عدا الانتقادات الموجهة لشخصية الابنة، عندما يعاتبها الابن لتحدثها مع أولادها بالإنجليزية، والانتقاد الضمني من أمها عندما تحاول إشعال سيجارة أمام الضيوف، كانت الزيارة تمر بهدوء؛ هدوء كنسمات الربيع المنعشة. وفي لحظة، ينفجر كل شيء عندما يطلب الابن يد جارتهم لأبيه. تهب عاصفة لم تكن متوقعة، ويأخذ الأمر في التصاعد حتى لا يخرج أحد سليمًا من تلك العاصفة.
«لم أنجذب أبدًا إلى الصورة السطحية للربيع كفصل مبهج؛ بالنسبة لي، الربيع هو موسم مليء بالتناقضات الصارخة، والعواصف الرملية المفاجئة، والطقس غير المتوقع». هكذا تحدثت مخرجة الفيلم نهى عادل عن فصل الربيع. هذه الكلمات تظهر بوضوح في طريقة سردها للحكايات الأربعة داخل الفيلم. تأتي لحظات الانفجار كعاصفة؛ لا أحد يتوقعها، تتزعزع الشخصيات من مكانها، تهتز دواخلهم، ويحاولون بكل جهدهم النجاة من تلك العاصفة.
وما بين حكاية تدور أحداثها في شهر يونيو، في غير موعد الربيع الذي تعودناه، وما بين سرد يتحول إلى عاصفة ربيعية لا يكون الضحك نتاجًا لها، بل تتركنا أمام صدمة تجعلنا نحاول الاختباء تمامًا كما تفعل الشخصيات بالفيلم.
قد يبدو إذن عنوان الفيلم مضللًا، إذا ما قسنا عليه الحكاية الأولى، ولكن إذا ما اعتبرنا الكتابة اتفاقًا ضمنيًا بين الصانع والمتلقي يضمن حقوق كل منهما؛ فالمتلقي ينتظر ما وعده الكاتب به، والكاتب يدرك أن المتلقي لن يقول كلمته قبل انتهاء الحكاية. فحتى لو بدت الحكاية الأولى على غير مظاهر الربيع والضحك، فالسبب في ذلك هو الوصول المتأخر. فحكايتنا الأولى تدور في يونيو؛ نحن إذًا نسبق الأحداث، ولعل في العودة للوراء حكاية تفي لنا بما كنا نتوقعه.
تعود بنا المخرجة نهى عادل في رحلة للخلف، بالتحديد في شهر مايو. نقترب من الربيع أكثر، وعسانا في الاقتراب من الربيع أن نجد ضالتنا في الضحك. الحكاية تدور في مكانٍ عام هذه المرة؛ مجموعة من السيدات يحضرن عيد ميلاد واحدة منهن «عزة». لا يظهر الرجل في الحكاية، لكنه يظل مسار الحديث أحيانًا. وفي غياب الرجل تظهر شخصية «رشا» كندٍّ لـ«عزة»، تستشعر عزة ذلك بوضوح من اللحظة الأولى. يبدو التوتر فيما بينهما ظاهرًا للجميع، ويستمر هذا التوتر في البناء حتى تأتي لحظة العاصفة التي لم تكن مقصودة ولا متوقعة. لا تقوى عزة على الاحتمال، وهذا يوم ميلادها المميز. تعرّي العاصفةُ عزة أمام نفسها، وتقرر هي تعرية نفسها أمام الآخرين بدلًا من الانتظار لرؤيتها هكذا أمامهم. وفي حين لا تقف عزة عند ذلك، تقرر هي الأخرى شن عاصفة مباغتة تسفر عن لحظة المواجهة والانهيار، حتى تكتشف عزة أن العاصفة لم تكن موجهة لها من الأساس.
في كل حكايات نهى تحدث هذه المواجهة؛ مواجهة كاشفة أكثر من اللازم، ولكنها تبدو ضرورية لمرور العاصفة والعودة لهدوء الأجواء من جديد. تبدو المواجهة التي تحدث في الحكاية الثالثة مختلفة عن سابقتيها. لا تحدث لحظة الانفجار هنا بطريقة مباشرة؛ وعلى الرغم من الهدوء الذي يستبعد وجود أي تقلبات، فقد تعودنا على مدار الحكايات السابقة أن هدوء الربيع ونسماته الخفيفة لا يعني غياب العاصفة. ما يغير المواجهة في هذه الحكاية هو أنها لم تكن متكافئة؛ تبدو موازين القوى مختلفة. الانفجار يدوّي في المكان، والعاصفة أقوى من كل الحاضرين في الكوافير. في النهاية، تضطر السيدة للرضوخ بعد أن تفشل محاولتها للمقاومة. تظهر بصورة معزولة في مشهد منفرد داخل غرفة مظلمة؛ مشهد يبدو مختلفًا عن عالم الفيلم المكتظ دائمًا بالشخصيات والمضاء باستمرار. واستكمالًا لكسر قواعد العالم التي وضعتها نهى لفيلمها، نرى في المشهد التالي كسرًا لقاعدة المكان الواحد بخروج السيدة إلى الشارع. بدت السيدة المعزولة الشخص الوحيد الذي نجا من هذه العاصفة؛ ففيما انتظر الجميع داخل الكوافير المفتاح، قامت هي بفتح الباب والخروج إلى الشارع، تاركةً إياهم للاستمرار في مواجهة عاصفتهم، ومضت في طريقها نحو انتهاء الربيع والبدء في فصل جديد.
جيل الربيع ما بين الازدهار والذبول
تبدو الحكاية الرابعة هي المنشودة؛ فحيث تبدأ مع بدايات الربيع، تفتح أبوابها أمامه ليضحك. وتدور الأحداث في حفل زفاف لي لي، فلا يمكن أن يوجد ما يثير العاصفة هنا. فحتى إذا ما أثار القلق والتوتر بعض المناوشات، كالتي تحدث بين لي لي وأمها، يبقى الوضع هادئًا. لم تكن هذه المناوشات لتحدث إذا ما عكسنا الأدوار بين أم لي لي وخالتها؛ فكما يظهر الاختلاف بينهما في كل موقف، فهما يظلان من نفس الجيل الذي عاصر الربيع وشهد ميلاد عبد الحليم في بدايات الصيف، حتى عاود الربيع الظهور في حياتهم بعواصفه التي أسفرت عن كل شخصية منهما. ومن هنا يأتي الانفجار هذه المرة: من كلمة أطلقتها الأم لم تكن لتقولها أختها، ومن رد فعل استمر بتصعيد الأمور بدلًا من احتواء الموقف. ما يبدو مختلفًا هذه المرة هو أن آثار المواجهة والانفجار تنعكس على طرف ثالث؛ «لي لي» التي لم تكن طرفًا، تجد نفسها أمام عاصفتها الخاصة. فحين تخبرها كوثر بخيانة خطيبها لها مع صديقتها، لا يكون من «لي لي» سوى الاعتراف بعدم حبها لخطيبها وعدم الرغبة في الزواج منه. في لحظة انهيارها، لا تجد «لي لي» أمامها سوى خيارين: إما الرضوخ للعاصفة وإتمام الزواج، أو الوقوف أمام العاصفة، لا تدري هل يعود الربيع مرة أخرى أم ينتهي أمرها هنا.
خريف اليوم، ربيع المستقبل
في مشهد النهاية، يلتقي الرجل والسيدة من الحكاية الأولى. تجمعهما الصدفة مرة أخرى، لكنها تحدث هذه المرة في سبتمبر. لا وجود للعاصفة هنا؛ نحن أبعد ما يمكن عن الربيع، الذي وإن طال الظن ببهجته وجماله، فلا بد من انتظار عواصفه كذلك.
تدعوه السيدة لحفل بدار الأوبرا للفنان فريد الأطرش، وبالرغم من تعبيره عن عدم محبته له، إلا أنهما يجلسان معًا، ويغنيان أغنية الربيع لفريد الأطرش:
«وأقول يمكن هيرحمني… ويبعت في الربيع طيفه».
تبدو هذه اللحظة كلحظة عابرة من عالم الفيلم، تمر بصفاء مستمر لا ينقطع. فما بين ربيعٍ مضى بينهما لم يكن بالهادئ، وما بين ربيعٍ آتٍ لا يدري أحدهما ماذا يحمل، تبدو هذه اللحظة كهدوءٍ بين عاصفتين.
ولعله في تلك اللحظة ينتظر الربيع مرة أخرى، للمحاولة من جديد، أملًا في أن ينجوا من العاصفة هذه المرة؛ لأن الربيع آتٍ لا محالة، مهما تعاقبت عليه الفصول.











