مروة مجدي
في عام 2016 جلست أمام عشرات القصائد التي كتبتها، شاعرةً بأن شيئًا ما ناقص. رأى من حولي أنها جميلة، أما أنا فلم أستطع التصديق. قرأت الشعر بنهم، وتنقلت بين أشكاله المختلفة، لكن معرفتي توقفت عند القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة. أغرمت بأمل دنقل، ومحمد عفيفي مطر، ومحمود درويش، ونجيب سرور، كما فتنتني قصائد المتنبي وشوقي. وانغمست في دراسة العروض، أتعلم الوزن والقافية، ثم أعود لأدس القصائد في الأدراج وأغلق عليها. لم يسعفني آنذاك وعي شعري يفسر ما أشعر به، لكن يقينًا غامضًا ظل يرافقني: هذا ليس الشكل الذي أريده لنفسي.
وفي الوقت نفسه راودني إحساس حقيقي بالجنون. كيف أرغب في كتابة الشعر بلا وزن؟ كيف أقبل أن يُقال عني شاعرة وأنا أكتب خارج الأشكال التي تعلمتها؟ تخيلت النقاد وهم يسلخون جلدي، وتخيلت شهادة وفاة شعرية تُكتب قبل شهادة الميلاد. لكن صوتًا آخر داخلي ظل يقاوم. لم أرد أن أكتب شعرًا موزونًا.
أنا إنسانة تحلم بالطيران، فكيف أحبس نفسي داخل شكل؟
لم تسمح لي شخصيتي بذلك. كنت أُحَدث نفسي: حتى إن فشلت سأفشل وأنا أمارس حريتي. ثم يرتفع صوت آخر معترضًا: لا، الشعر له قواعد. فيرد الأول: بل إن الفن الحقيقي يبدأ أحيانًا من التمرد على القواعد. هكذا دار الصراع داخلي.
إلى أن سألني أحد الأصدقاء يومًا:
ـ هل قرأتِ لعماد أبو صالح؟
قلت: من؟
فأرسل إليّ أعماله كاملة في ملف PDF.
أذكر جيدًا ذلك الإحساس الذي أصابني وأنا أقرأه للمرة الأولى. لم أشعر أنني أكتشف شاعرًا جديدًا فقط، بل شعرت أنني أعثر أخيرًا على شيء بحثت عنه سنوات طويلة دون أن أعرف اسمه. أمام تلك النصوص أدركت أنني وجدت القصيدة التي أحلم بها، من دون أن أتخيل يومًا أن لها وجودًا فعليًا. ولم يتعلق الأمر بالشكل وحده، بل بالمفارقة والدهشة واللغة التي تتجدد رغم بساطتها. لغة لا تتعالى على قارئها، لكنها تفاجئه في كل سطر. شعرت أن القصيدة تتنفس بحرية، وأن صاحبها يترك لها أن تذهب حيث تشاء، لا حيث تفرض القواعد.
واصلت قراءته بشغف. ثم فتحت ملفًا جديدًا على برنامج “وورد”، وكتبت أول قصيدة نثر عام 2017، بعد سنوات من كتابة القصائد الموزونة. والحمد لله أن تلك القصائد ظلت في الأدراج. قصيدة نثر أولى، ثم ثانية، ثم ثالثة، ثم فجأة اكتمل الديوان في أواخر العام نفسه، وخرج إلى النور في معرض الكتاب عام 2018. ومنذ ذلك اليوم لم أتوقف عن كتابة قصيدة النثر.
لم يمنحني عماد الجرأة على كتابة قصيدة النثر فقط، بل أطلق تلك العصفورة الصغيرة التي سكنت داخلي طويلًا وأصرت على الطيران، مهما أخبرها الآخرون أن الطيران مستحيل من دون أجنحة. ومن خلاله تعرفت إلى بودلير ورامبو وسركون بولص وغيرهم. وبدأت أقترب من قصيدة النثر العربية والعالمية، وأفهم أن لها عالمها الخاص، حتى لو لم تستند إلى القواعد الصارمة التي تربينا عليها.
في العام نفسه ارتبطت بشخص أراد أن يفاجئني ذات مرة، فأهداني ديوانًا لعماد أبو صالح. ومن يعرف عماد يعرف أن دواوينه لم تصل إلى القراء بسهولة. إذ يطبعها على نفقته الخاصة في نسخ محدودة، ثم يوزعها على أصدقاء يختارهم بعناية. لذلك بدا وصول ديوانه “كان نائمًا حين قامت الثورة” أشبه بمعجزة. وزادت المفاجأة حين اكتشفت أن الديوان يحمل إهداءً خاصًا لي بخط يده.
لكن الديوان لم يصلني وقتها. افترقت الطرق بيني وبين صاحب الهدية، وانقطعت أخبارنا لأكثر من عامين، فتحول الديوان إلى شيء ضاع قبل أن يصل. ثم حدث ما لم أتوقعه. بعد سنوات التقيت بالشخص نفسه مصادفة، ووضع الديوان أخيرًا بين يدي: كان نائمًا حين قامت الثورة. قرأت الأعمال الكاملة بصيغة PDF، وحفظت بعض النصوص عن ظهر قلب، لكن الورق شيء آخر. والإهداء شيء آخر أيضًا.
يا لسعدكِ يا مروة.
بعدها تواصلت مع عماد عبر البريد الإلكتروني، ثم عبر الهاتف على فترات. وأسعدني أكثر أن يقرأ ديوانيّ اللذين أرسلتهما إليه: زهرة محاربة وربع قرن لاقتناص تنهيدة. وأذكر أنني سألته يومًا: هل أتطور شعريًا؟
فأجابني بجملة لم تغادر ذاكرتي: “لا تسألي إن كنتِ تتطورين شعريًا، فالشعر ليس جهازًا محمولًا ننتظر تحديثه. اسألي نفسك: هل تتطورين إنسانيًا؟ لأن التطور الإنساني سينعكس تلقائيًا على القصيدة.”
أعجبتني الجملة لحظتها، لكن معناها العميق تشكل على مهل. بعد سنوات بدأ كل شيء يتضح. كل تجربة إنسانية عشتها، كل خسارة، كل حب، كل خيبة، كل معرفة جديدة بالنفس، وجدت طريقها إلى الكتابة بطريقة أو بأخرى. لم تتطور القصيدة وحدها؛ الإنسانة التي تكتبها هي التي تغيرت. ومنذ ذلك اليوم أحمل هذه العبارة معي أينما ذهبت.
لا يدرك عماد أبو صالح أنه فعل كل ذلك. ربما يكتب قصائده وحسب. لكن بعض الشعراء لا يكتبون القصائد فقط؛ بعضهم يفتح نافذة في روح شخص آخر، ثم يمضي دون أن ينتبه إلى أن أحدًا صار يرى العالم بطريقة مختلفة بسببه.
كل هذه الثرثرة لأخبره أن العصفورة التي أطلقها ذات يوم ما زالت تطير. ولأسأله: كيف تجرأ العالم وأفزعك؟
……………………….
*نقلا عن “أخبار الأدب”










