طرح القراءة في الكتابة المصرية

محمد عبد الحافظ ناصف

محمد عبد الحافظ ناصف

لكل عمل إبداعي رؤيته المستقلة الفنية الخاصة به التي تميزه عن باقي الأعمال الإبداعية الأخرى، وإلا كان الجميع صورًا كربونية مكررة، والسؤال الذي يراودني منذ زمن بعيد وأجد نفسي أكرره دائمًا هو:

هل تصلح أي نظرية لنقد عمل ما قسرًا رغمًا عن أنفه؟

وإذا كان الأمر كذلك فما هذه النظرية النقدية التي تصلح لأي عمل أدبي؟

أشعر بالحيرة كلما تناولت عملًا أدبيًّا في القصة أو المسرح أو الرواية أو الشعر أو أدب الطفل حتى الترجمة، فأجدني أدخل إليه من مداخل مختلفة، هذه المداخل تكون دائمًا بعيدة عن تدثري بنظريات نقدية، وأجدني متسلحًا بمناهج محددة للبحث أو الدراسة، وأرى أن قراءة العمل بعين الناقد الانطباعي البريء من كل نظرية؛ القارئ للعمل بشهية مفتوحة للقراءة هي التي تفرز دائمًا نظرية نقدها ومنهجها وأسلوب التعامل معها، وتجبر القارئ الناقد أن ينحاز إلى نظرية ما أو مناهج بحث تميزه عن الأعمال الأخرى، وتلك مسألة أراها تميزًا للعمل الأدبي، فكل عمل أدبي أو فني له شفرات محددة تأخذنا حتمًا لطرق التفكير له.

يؤكد دكتور مصطفى ناصف في كتابه النقد العربي نحو نظرية ثانية ص 7 أن الاقتراحات الجديدة تستحق المعاناة، وصبر التأمل؛ فيقول: “كنت وما زلت أحلم بأن تشق الدراسات الأدبية طريقا غير الطريق، وكنت أجمح فيخيل إليّ أننا نتحدث أحيانًا فيما لا ينفعنا، ونسكت عما ينفعنا.

 أريد أن أكون صديقًا للقارئ. إنني كتبت هذه الملاحظات بقلب مخلص يشتاق إلى التغيير، وتقديم صورة غير الصورة المتداولة. أريد أن أغرس نبتة أخرى من التساؤلات، وأرجو أن يستقبلها القارئ عاطفًا عليها، أو مندهشًا يؤجل حكمه حتى يتم قراءة الكتاب كله”.

تلك مقدمة لا بد منها قبل أية قراءة نقدية لي لأي عمل أدبي خاصة الرواية التي هي الآن بالفعل ديوان العرب بصرف النظر عن تصنيف تلك الأعمال التي صارت فعلًا مقدسًا يجب أن يرتكبه كل مَن يمارس فعل الكتابة في العالم العربي بصرف النظر عن معيار الجودة الذي صار من الأحلام التي يبحث عنها محبو هذا الفن الراقي الذي يحتاج بالطبع لجهد كبير وخبرة كتابة وحياة كبيرتين.

 وبتصفح ما كتبته نقديًّا عن العديد من الأعمال الروائية المصرية لأجيال مختلفة أجدني سالكًا لهذا المسلك النقدي قبل قراءة أي عمل أدبي مهما كان حتى لو اختلف فرعه؛ فجميع الأعمال تتساوى عندي رغم أن هناك بعض الفروع تتطلب أدوات مختلفة بالطبع، ولكني أتحدث هنا عن الرؤية الكلية الشاملة لدخول أي عمل أدبي؛ لذا لا أراني متسلحًا بنظرية معينة تكون معي حين البدء في الشروع لنقد أي عمل أدبي، ربما كان ذلك لعدة أسباب؛ منها أنني كاتب أنتمي لفصيلة المبدعين في المقام الأول؛ تلك الفصيلة التي ترتكز في المقام الأول على فكرة المتعة التي يجب أن تحققها القراءة، ثم تأتي بعد ذلك كل الأشياء التي يتطلبها هدف القراءة ذاته، ربما الدخول لقراءة العمل الأدبي من هذا الطريق يأخذنا نحو فكرة المتعة المختلفة للقراءة من حيث الموضوع واللغة والفكرة التي يطرحها العمل والتأثير الذي يتركه فعل القراءة بالطبع بعد الانتهاء من العمل الأدبي.

الأمر هنا يذكرنا بفكرة الصياد الماهر الذي يطرح شبكته في البحر وينتظر ما سوف تأتي له هذه الشباك من خير وما يجود عليه هذا البحر من خير كثير؛ الأمر نفسه كالقراءة العامة لأي عمل وما سوف تسفر عنه بعد تمامها من متعة أو ملل أو حتى ضيق أو تفاعل وتأثير بدرجات ما.

هنا نجد أنفسنا أمام ثلاث مراحل مهمة يجب أن تمر بها فكرة أو نظرية ما تطرحه القراءة كي تأتي لنا بما هو جيد ومفيد، وتجعلنا نتناول أي عمل برؤية موضوعية ثاقبة وعميقة في آن واحد؛ هذه المراحل يجب أن تكون منفصلة ومتصلة في الوقت ذاته، ويفضل أن تتشابك ولا تبتعد عن بعضها زمنيًّا حتى يكون لنا رؤية شاملة للعمل الذي نقرأه.

إن فكرة النظرية بطبيعتها كما يقول الدكتور مصطفى ناصف في كتابه النقد العربي نحو نظرية ثانية ص 17: “النظرية بطبيعتها حوار بين ماض وحاضر. النظرية تعتمد على باطن النصوص” وأعتقد أن القراءة المتعمقة في مستوياتها المختلفة هي التي سوف تأتي لنا بلب أفكار تلك الروايات وأرى أن ذلك سوف يأتي بعد قراءة تلك الروايات غير متسلحين برؤى نظرية جاهزة.

أولا: مرحلة ما قبل القراءة

هي المرحلة التي تتميز باختيار الكتاب الذي ينتمي إلى الفرع الأدبي الذي يود الناقد أو القارئ المجد أن يبدأ به عملية القراءة، ويحدد ذلك مجموعة من العوامل التي تساعد القارئ/الناقد في عملية الاختيار كالعنوان الجديد الذي يجذبه ويعتبر عتبة الاقتناء نفسها ويأتي بعد ذلك اسم الكاتب الذي يعتبر حاسمًا في اقتناء الكتاب أو تجاهله، وربما يأتي بعد ذلك حاجة القارئ/الناقد لهذا الكتاب لحاجة ما يريدها ربما لموضوع يبحث عنه وطريقة جديدة في الكتابة يريد أن يبحث عن أسباب كتابتها التي يتخذها ربما طريقة له في قادم الأيام.                                              

ثانيًا: مرحلة القراءة

هي المرحلة الأكثر تركيزًا ومتعة أو مللًا وضيقًا، وهنا يجب على القارئ/الناقد المجد أن يكون مركزًا في الكتاب الذي بين يديه وأن يواصل قراءته، ولا يجعل شيئًا يشغله عنه حتى ينتهي من قراءته من خلال خطة قراءة يومية حتى يصل إلى ختامه بأمان وهو مستوعب لموضوعه العام وتفاصيله التي تربط بين كل أجزائه حتى يستطيع في النهاية أن يكوِّن فكرة نهائية عن هذا الكتاب؛ وخلال تلك المرحلة يستطيع القارئ/الناقد أن يفكك ويعيد ترتيب الأفكار التي تبرز، وعليه يبدأ في اختيار المنهج الذي من الممكن أن يتعامل معه كي يحدد له طريقة كتابه المقال أو الدراسة التي يود أن يعبر بها عن مدى فهمه واستيعابه لأفكاره.

ثالثًا: مرحلة ما بعد القراءة

هي مرحلة تجميع الأفكار حول هذه الرواية والبدء في عملية حوار الذات حتى الوقوف على اختيار ما يجب أن يكتبه عنها. هل سيكون الموضوع هو البطل الذي سيشكل المقال أم طريقة الكتابة لهذه الرواية؟ فأحيانًا تكون الحبكة هي الدافع للكتابة، وربما الصراع الجيد للعمل واحتمال بناء الشخصيات، وربما تأثير المكان والزمان والظرف التاريخي الذي تمر بها حالة الكتابة وعلاقة ذلك بتاريخ قديم أو حديث أو معاصر وأحيانًا كل تلك الأشياء أو بعض منها يكون مكونًا للكتابة ومحددًا للمنهج النقدي الذي سأستخدمه في تناول هذه الرواية أو تلك؛ وقد حدث معي كل تلك الأشياء فتناولت بعض الموضوعات أو الأفكار التي تطرحها الرواية بشكل كلي أو جزئي، وربما كان تكنيك الكتابة وشكلها هو المحرك الأساسي لكتابة المقال لأن الرواية كانت مكتوبة بطريقة جديدة تجبرك على تناول ذلك بشكل أو آخر.

رابعًا: نماذج تطبيقية

 تأتي تلك المرحلة بعد القراءة وتسفر عن الموضوعات والطرق التي سوف تأخذنا كي نبدأ تناولنا للعمل الأدبي طبقًا لما قدمته فكرة طرح القراءة للعديد من الروايات المصرية التي كتبها عدد من الكتاب وذلك أثناء قراءة عدد من الروايات للعديد من الروائيين في أجيال مختلفة للكتابة الروائية المصرية.

 وبعد القراءة وجدتني أضع يدي على العديد من النقاط التي تدفعني للكتابة عنها دفعًا أثناء القراءة لتميزها وتفردها من خلال قراءة متأنية ومركزة لتلك الروايات ذات الاختلاف وكذا في طريقة كتاباتها، ومن الموضوعات المهمة التي لفتت نظري أثناء القراءة وحدث لي حالة من الاستقرار عليها وكانت موضوعات لافتة وملحة عليّ كي أتناولها في مقالاتي النقدية المختلفة والمتنوعة عبر سنوات طويلة من القراءة والكتابة النقدية وقد تم نشر العديد منها في عدد من المجلات والدوريات المتخصصة.

والأمر لم يقتصر بالطبع على الرواية فقط لكنه صار بالنسبة لي منهج قراءة وتحليل ونقد لكل الفروع الأدبية؛ في الرواية والقصة والنصوص المسرحية والشعر وأدب الطفل وحتى الدراسات الأدبية، وختاما فأنا لا أتعرض بالنقد إلا للأعمال التي أحبها في المقام الأول أما الأعمال التي لا تحقق لي المتعة الفنية ولو قدر ما، فيكفيها وقت القراءة والتجربة التي لم تكن إيجابية والخبرة التي حصلت عليها كي أتوقف في الوقت المناسب عن قراءة هذا العمل!!

 

كاتب مسرحي وقاص وناقد ومترجم مصري من أعماله: أولاً: المسرح 1. طلوع النهار أول الليل – مسرحية – هيئة الكتاب…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع