بولص آدم
ضوء صغير لا يُنسى.
كان لي شرف المراسلة مع القاص والروائي العراقي الراحل طامي هراطة عباس. في أواخر عام 2007، أرسل إليّ قصته القصيرة “الأشياء الناقصة”، مصحوبة برسالة مشحونة بالألم: معاناته من آلام مزمنة في ظهره وساقه اليسرى، التي عزاها إلى سنوات خدمته الطويلة كمضمد في وحدات الميدان الطبية أثناء حرب الثمان سنوات بين العراق وإيران، ملمحًا في الوقت ذاته إلى غياب الاهتمام النقدي بنصوصه. وبعد أيام قليلة، نُشِر نص قصير أهديته له بعنوان “انشطار”.
ثم، بعد ثلاث سنوات، في حزيران 2011، وصلتني من كربلاء نسخة من مجموعته القصصية الرائعة “الأشياء الناقصة”، مختومة بتوقيعه، وكأنها رسالة صامتة من الزمن إلى الزمن. لم يكن طامي كاتبًا عابرًا؛ كان روحًا تتلمس الكلمات بأناة، وتصمت بأناة أكبر، رجلًا من الظل يبتعد عن الأضواء، لكنه يحملها في داخله، مشتعلة بصمت.
وعندما بلغ حزيران 2025 يومه الخامس، رحل بهدوء في كربلاء.. تاركًا خلفه نصوصًا ظلّ صداها يتردد في نفوس كل من أحبوه وقرأوه، كأن أثره الأدبي كان دومًا حاضرًا، حتى حين غاب هو عن الأنظار. ومن بين قصصه التي تلمع تحت الغبار وتتنفس داخل الصمت، جاءت “قطار الشرق الأسود” وكأنها آخر ما نطق به قلبه، دون أن يتكلّم. قصة لا تشرح شيئًا، لكنها تقول كل شيء. قصيرة، مكتومة، تتأرجح بين الخنق والانفتاح، بين الظلمة والرجاء، وتنتهي بجملة تشبه التنهيدة الأخيرة قبل الغياب:
“تطلع إلى ضوء من أي مجرة”.
قطار لا يصل: ملخص القصة
رجل يجلس في عربة قطار تمضي في ليل كثيف. لا أحد يتحدث. الوجوه خاملة، الركّاب يشخرون، الهواء شبه معدوم، والنافذة مغلقة. يبرز في السرد تفتيش ثقيل، وكحول يتجرّعه السارد لا للسكر، بل لتهدئة فزع داخلي لا يُسمّى. لا حوار، لا حدث ظاهر، بل حركة داخل سكون خانق. حتى تصل القصة إلى ذروتها غير الحدثية، حين يرفع بطلها نظره إلى الأعلى، باحثًا عن ضوء… من أي مجرة.
الواقعية الرمزية الحالمة: خنق بلغة صامتة
تتحرك القصة ضمن ما يمكن تسميته بـ “الواقعية الرمزية الحالمة”. وهي تقنية سردية لا تهتم بتسلسل الحدث، بل بتكثيف الشعور. لا شيء جوهري يحدث في الظاهر، لكن كل شيء يتكثف في الداخل: القطار، الذي يمثل في الظاهر وسيلة نقل، يتحول هنا إلى استعارة عن “العبور في حياة منغلقة على نفسها”، أو حتى “المضي داخل العجز”.
لا أحد يتكلم، والسكوت هنا ليس راحة، بل عنف خفي. وهذا يتطابق مع رؤية والتر بنيامين في كتابه “الزمن والمدينة”، حيث يرى أن:
“السكوت في المدينة الحديثة لا يعني الهدوء، بل الغياب العنيف للكلام تحت ضغط البنية”.
تبدو الشخصيات كأنها مختومة بالخضوع، والرجل وحده يحمل توترًا داخليًا يفيض عبر الكحول، والتطلع، والانتباه للحواس. عناصر القصة — الهواء، النافذة، الصمت، الشخير، التفتيش — تُعاد توظيفها لتكوين لوحة خانقة، لكنها ليست بلا أمل. النهاية تفتح الباب لا على حل، بل على استعارة مفتوحة: المجرة. الضوء، حتى لو لم يكن من الأرض، يظل ضوءًا.
الحلم كخلاص رمزي
رغم غياب الحلم بوصفه مشهدًا تقليديًا، إلا أن بنية القصة تنزلق تدريجيًا إلى طبقة حلمية رمزية. الزمن ساكن، الحوار محذوف، كل شيء معلّق، كأن القصة نفسها تعيش على حافة الغيبوبة. ومع الجملة الأخيرة: “تطلع إلى ضوء من أي مجرة”, يتحول النص إلى استعارة صافية للنجاة أو الرجاء أو الخلاص. الضوء هنا ليس مشهدًا، بل نداء داخلي.
كأن الكاتب يقول: “إن كان لا بد من الهلاك، فليكن النظر إلى الأعلى”.
قطار الشرق الأسود: عنوان يُضيء في العتمة
العنوان نفسه — قطار الشرق الأسود — ينطوي على كثافة رمزية واضحة. الشرق، الذي غالبًا ما ارتبط بالدفء، هنا يُظلم. القطار، كرمز للتقدم أو الحركة، يصبح قيدًا في ظلام دامس. الأسود هنا ليس لونًا فحسب، بل مناخًا كاملًا يخيّم على الذات. العنوان يفي بالنص، لا بل يختصره، ويضيف عليه لمحة أسطورية أو تراجيدية لا تخفى.
القصة التي كتبت وداع صاحبها
حين نعيد قراءة هذه القصة اليوم، بعد غياب طامي هراطة عباس، نسمع فيها صوتًا داخليًا أقرب إلى أنين أخير. ليست قصة احتجاج، ولا حتى يأس، هي نوع من التضرع المتأخر، الحزين، المنضبط، النبيل. كأنها رسالة رمزية كتبها القاص لنفسه ولمن تبقّى من أصدقائه القرّاء:
“قد لا أقدر على التنفس، قد لا أصل، لكنني ما زلت أرى الضوء — ولو من مجرة غريبة”.
“قطار الشرق الأسود” قصة قصيرة بإحكام فني، لحظة وداع مكتوبة بلغة مغمورة بالرمز والحلم والاختناق. تُلخص سيرة كاتب ظلّ في الظلّ، لا لأنه لم يعرف الضوء، بل لأنه اختار أن يرى الضوء من مكان آخر.
رحل طامي هراطة عباس، لكن كلماته، كقطار لا يتوقف، ما تزال تعبر فوق السكة، تبحث عن نافذة مفتوحة، عن قارئ يتأمل، عن مجرة ما، لا تزال تُضيء.
انشطار
بولص آدم
إلى/ طامي هراطة عباس
منذ متى؟!
مذ احتوت الغرباء حلقات الدمع
الأشياء تنتصف المرايا
مراياي، التي أتذيل في هوامشها،
وفي روحي ظلال التيه غيابها
ساق يسرى…
كتب على وهنها أسماء:
البثور، الندوب، الحفر، الأخاديد…
السائل الكلي للذاكرة، للرمان،
الصامت، المعتق، المحترف انتظاراً… هو هو!
للأعالي المتجعدة، للأعالي المتدلية،
انطفاء على الساق اليسرى
هي…
الأشياء الناقصة
هل كل؟ أتمّ كلّ ما هو ممكن؟
يتبع محاء جدران المودة… هي! أو هو…
لويحات كالأفعى المجنحة،
تأتي لتأخذنا بعيداً،
تلك المتيسرة على أنصاف العتق الأزلي
تلك…
الأشياء الناقصة!
2007.11.29





















