«صوت هند رجب».. صرخة الطفولة ضد الاحتلال

hend ragab

فاطمة الزهراء بدوي

شاهدت فيلم «صوت هند رجب» وأنا أحمل في داخلي معرفة ضئيلة بما جرى في حي تل الهوى بقطاع غزة في التاسع والعشرين من يناير 2024، يوم أُجبرت العائلات على الإخلاء تحت أوامر الجيش الإسرائيلي.. وفي ذلك اليوم الحزين، حوصرت سيارة تقل ستة من أفراد عائلة حمادة برفقة طفلتهم ذات الأعوام الستة هند رجب، لتُفتح عليهم النيران فيُقتل خمسة منهم على الفور، وتُترك هند وحدها في السيارة محاطة بأجساد عائلتها.

الفيلم لا يكتفي بسرد المأساة، حيث يعيد تركيب لحظة إنسانية كاملة تجعل من الصوت والارتجاف وثيقة حية، ولغة تخاطب الضمير العالمي الذي صمت طويلاً.. يضع العمل المشاهد داخل الزمن نفسه، داخل الانتظار القاتل، وداخل الخوف الذي لا يمكن وصفه بكلمات بشرية عادية.. يصبح الهاتف في يد الطفلة نافذة على روح تقف وحيدة تمامًا أمام آلة موت لا ترحم ولا تفرق بين طفل ومقاتل.. في تجسيد سينمائي للحظة العارية التي تحولت فيها حياة طفلة واحدة إلى مرآة تعكس حياة ومأساة شعب كامل تحت الحصار.. فهند كانت صوتًا يصارع العدم ويتمسك بخيط واهٍ من الأمل وسط بحر من الدماء والجثث.. والمخرجة كوثر بن هنية استطاعت ببراعة أن تجعلنا نشعر ببرودة المعدن في السيارة وحرارة الخوف في صدر هند وهي تنادي المنقذين.

كوثر بن هنية: مشروع سينمائي ينحاز للإنسان
المخرجة كوثر بن هنية التي سبق أن رُشحت أعمالها للأوسكار مثل فيلم “الرجل الذي باع ظهره”، ويحكي عن سام، شاب سوري هرب من الحرب إلى لبنان وهو يحمل حلمًا بسيطًا بالوصول إلى حبيبته التي تعيش في باريس، لكنه يكتشف أن الحدود المغلقة والورق المفقود أقسى من الرصاص، فيقع في فخ صفقة غريبة مع فنان عالمي يحول ظهره إلى لوحة فنية بشرية، فيصير جسده جواز سفر معلق على جدار، ويصبح هو نفسه قطعة معروضة للبيع، وكلما اقترب من حلمه ابتعد عن نفسه، حتى يجد أنه عبر العالم كله ولم يعبر داخله خطوة واحدة، فيكتشف أن الحرية ليست طريقًا يُسافر فيه وإنما روحًا قد تضيع وأنت تمشي.
بدت تجربتها الجديدة امتدادًا طبيعيًا لمشروعها السينمائي الذي ينحاز إلى الإنسان أولاً، ويحاول استعادة التاريخ الفلسطيني من منظور أهله.. بن هنية، المعروفة بقدرتها على مزج الوثائقي بالروائي كما في فيلم “بنات ألفة”، والذي يروي حكاية أم تونسية لأربع فتيات، تهرب ابنتاها الكبيرتان في سن المراهقة للالتحاق بتنظيم داعش بعد سنوات من العنف الأسري والقمع والخوف، فتقرر المخرجة إعادة بناء القصة داخل فضاء سينمائي تمزج فيه الواقع بالتمثيل، حيث تحضر ألفة وبناتها الحقيقيات إلى جانب ممثلات يجسدن الغائبتين، لتتحول الكاميرا إلى مساحة اعتراف ومواجهة، تنكشف فيها جذور القهر والسيطرة على أجساد النساء، ويتضح كيف يتوارث العنف من جيل إلى جيل، لينتهي الفيلم كسؤال مفتوح عن الحرية، والأمومة، والمسؤولية، وإمكانية كسر الدائرة قبل أن تبتلع المزيد من البنات.
ورجوعًا إلى فيلمنا «صوت هند رجب»، اختارت هنا بن هنية أن تستند إلى المكالمات الحقيقية بين هند وموظفي الهلال الأحمر.. الفيلم عُرض لأول مرة في مهرجان فينيسيا الدولي في دورته الثانية والثمانين، وحصد الجائزة الكبرى للجنة التحكيم بجدارة واستحقاق.. حيث أثبتت المخرجة التونسية مرة أخرى سيطرتها القوية على الشكل التقني، المشبع دائمًا بمخزون عميق من التعاطف الإنساني تجاه الضحايا.. وأرادت أن تجعل صوت هند يتردد في كل مكان في العالم ليفضح الجناة، كما تواصلت مع وسام والدة هند، وحصلت على مباركتها لصنع هذا العمل الذي يهدف إلى تحقيق العدالة.. ورؤيتها الإخراجية حولت صرخة الطفلة إلى فعل مقاومة سينمائي يتصدى لمحاولات محو الذاكرة الفلسطينية وطمس الحقائق التاريخية.

هند رجب: الطفلة التي أصبحت رمزًا عالميًا
لاحظت من خلال الفيلم كيف لم تكن هند قد تجاوزت الخامسة من عمرها حين حاصرها القدر مع أسرتها في أتون العدوان.. بعد ثلاثة أشهر من اندلاع الحرب المدمرة، تعرضت العائلة للقصف أثناء محاولتها الفرار من مدينة غزة بحثاً عن الأمان المفقود.. ووجدت هند نفسها عالقة داخل سيارة محاطة بجثامين أفراد أسرتها، ومن داخل هذا الجحيم، اتصلت بالهلال الأحمر الفلسطيني طلبًا للنجدة.. تحولت تلك المكالمة التي وثقت مقتلها لاحقًا على يد جيش الاحتلال إلى رمز عالمي يجسد حجم الفاجعة الإنسانية.. وقصتها أحدثت صدى واسعًا وصل إلى حد أن طلاب جامعة كولومبيا أعادوا تسمية أحد مبانيها باسمها تخليدًا لذكراها.. والفيلم يجعلنا ندرك أن هند تعد شاهدة على عصر يسوده الصمت والعجز أمام الجرائم الممنهجة.. صرختها لا تزال تتردد في أروقة المحافل الدولية، وهي شهادة دامغة على فاجعة مستمرة وذاكرة لا يمكن لأي قوة محوها.

الأرشفة كفعل مقاومة في وجه الطمس
يشتغل الفيلم على مفهوم الأرشفة بوصفه فعل مقاومة حقيقي ضد محاولات الطمس الإسرائيلية المستمرة.. ويستند إلى الذاكرة الشفوية والمستندات الصوتية والمصورة التي تحولت مع الزمن إلى وثائق بقاء لا تقبل الجدل أو التأويل.. هنا يصبح الصوت ذاته أرشيفًا حيًا، وتتحول مكالمات هند المرتجفة إلى سجل تاريخي لا يمكن محوه من ذاكرة الإنسانية.. السينما في هذا العمل تعتبر درع يحفظ الوجوه والأصوات والذكريات داخل كادر الصورة الحية، مما ينزع عن الفيلم صفة الخيال البحت ويجعله وثيقة إدانة جنائية.. فحفظ هذه التسجيلات وتقديمها في قالب درامي يضمن بقاءها وتداولها على أوسع نطاق ممكن لمواجهة الروايات المضللة، في “مقاومة ناعمة” ضد الفقدان الممنهج الذي تمارسه القوى الاستعمارية ضد أرشيفات الشعوب المقهورة.

وفي صدد ذلك، فقد ذكرت المخرجة في حوارها مع Letterboxd أن للسينما قدرة هائلة وهي التعاطف.. أن تضع نفسك مكان الشخصية.. فهم يريدون في الفيلم إنقاذ حياة هند لكنهم لا يستطيعون، فيعيشون إحساس العجز ذاته الذي نشعر به في كل أنحاء العالم تجاه ما يحدث في غزة.. لكنه ليس فيلمًا عن العجز فقط؛ ولكن عن المحاولة حتى النهاية ودفع ثمن باهظ، وعن أبطال العمل الإنساني الذين يفعلون كل ما بوسعهم لإنقاذ الأرواح.. وأنها اختارت هذه القصة تحديدًا بينما هناك العديد من القصص؛ لأنها سمعت صوتها.. كان الأمر بهذه البساطة، فلم تستطع أن تنساه.. قائلة: «عندما تشعر بالعجز تسأل نفسك دائمًا ماذا يمكنك أن تفعل، وهناك دائمًا شيء يمكن فعله.. أنا صانعة أفلام، أعرف كيف أصنع الأفلام، فقررت أن أصنع فيلمًا بدلًا من الاكتئاب والعجز».

وأول ما فعلته كان الاتصال بوالدة هند، لأنها من دون موافقتها واهتمامها لا يمكنها صنع هذا الفيلم.. كانت في غزة آنذاك وفي حالة حزن شديدة، تريد فقط العدالة لابنتها.. ثم تحدثت كثيرًا مع أبطال الهلال الأحمر الحقيقيين: عمر ورنا ومهدي ونسرين.. أخبروها بكل ما جرى في ذلك اليوم.. كانوا شركاء حقيقيين في هذا الفيلم، وأرسلت لهم السيناريو لأخذ ملاحظاتهم، وكل قراراتها كانت صعبة لأنها تتحدث عن طفلة حقيقية وصوتها يتوسل للحياة، وكانت الفكرة الأساسية منذ البداية هي كيفية تكريم صوتها.. وتدرب الممثلون على تسجيلات الشخصيات الحقيقية، وخلال التصوير كان مهندس الصوت يرسل ردود هند إلى سماعاتهم ليكون تفاعلهم آنيًا وحقيقيًا.

فضح العنف الإداري وبيروقراطية القتل
يكشف الفيلم ما يُعرف بـ “العنف الإداري”، ذلك العنف غير المرئي الذي يمارَس عبر الإجراءات والبروتوكولات.. بينما كانت السيارة التي علقت فيها هند تبعد ثماني دقائق فقط عن أقرب سيارة إسعاف، استغرقت إجراءات التنسيق ثلاث ساعات.. ومع كل دقيقة تمر، كانت حياة الطفلة تتآكل ببطء تحت ثقل الورق والتواقيع والاتصالات التي تتطلب موافقات المرور الآمن.. لا يفضح الفيلم فقط وحشية القصف، بل يفضح أيضًا عبثية الأنظمة القمعية التي لا تمنح الضحية فرصة عادلة للنجاة.. فالمشرف مهدي في مركز الهلال الأحمر يصطدم بشبكة معقدة من الإجراءات والتصاريح التي يفرضها الاحتلال لعرقلة أي جهد إنساني.. يتحول الأمل إلى شعور طاغٍ بالعجز، ويجد الفريق نفسه محاصرًا بين الرغبة في الإنقاذ والخوف من استهداف المسعفين.. هذا التأخير المتعمد هو أداة قتل بدم بارد تُستخدم لإنهاء حياة من نجوا من الرصاص.. والفيلم يضعنا أمام الحقيقة المرة: أن القوانين والبروتوكولات قد تصبح في يد الجلاد أسلحة فتاكة تفوق في دقتها القذائف.

جماليات الإخراج: الصوت كجسد مرئي
«صوت هند رجب» مصوَّر بإطار عريض جدًا يسمح للصوت بأن يحتل الشاشة كما لو كان جسدًا مرئيًا.. تظهر ذبذبات الصوت في هيئة طيف بصري يحتضن صوت الطفلة الصغير الهش، مما يضاعف من تأثير كلماتها على المشاهد.. يتيح الكادر في الوقت ذاته لطاقم الهلال الأحمر أن يظهروا معًا داخل المشهد الواحد وهم ينسقون خطوات الإنقاذ المتعثرة.. كما يعتمد الإخراج على لقطات قريبة لملامح الممثلين وهم يحاولون الحفاظ على رباطة جأشهم في مواجهة تعقيدات إدارية خانقة وقاتلة.. يتحول الفيلم إلى دراما غرفة مغلقة، لا نرى فيها العنف مباشرة، بل نسمعه عبر الهاتف فقط، فتتضاعف وطأة الانتظار.. والصمت في الفيلم يصبح مشهدًا بحد ذاته، يحمل في طياته صرخات مكتومة وتساؤلات حول معنى الإنسانية في هذا العالم.. استخدمت بن هنية الكاميرا المحمولة والفجوات الزمنية لخلق إحساس بالإلحاح عبر الاختناق المكاني والدراما الآنية التي تحبس الأنفاس.. كما أن دمج التسجيلات الصوتية الحقيقية مع أداء الممثلين جعل من العمل تجربة “دوكيودراما” فريدة من نوعها في السينما العربية المعاصرة.

مأزق المسعفين وذروة القسوة

يكشف الفيلم بدقة عن مأزق العاملين في الهلال الأحمر الفلسطيني وصراعاتهم الأخلاقية الداخلية العنيفة.. الأمر لا يتعلق بمجرد إرسال سيارة إسعاف، ولكن بمخاطرة حقيقية في ظل استهداف الاحتلال المتعمد والمتكرر لفرق الإنقاذ.. يجد المتطوعون أنفسهم أمام خيار مستحيل: محاولة إنقاذ طفلة مستغيثة أو حماية حياة زملائهم المسعفين من القتل المؤكد.. تعكس هذه المشاهد حجم الضغط النفسي والرعب الذي يعيشه طاقم الطوارئ الذين يعملون بلا توقف لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. عمر ورنا ونسرين يحاولون بث الطمأنينة في قلب هند، وتقمص دور العائلة البديلة لها عبر الهاتف في لحظات يأسها الأخيرة.

ويبلغ العمل ذروة قسوته وتأثيره حين تظهر الحقيقة المأساوية الكاملة.. دبابة إسرائيلية أطلقت مئات الطلقات على السيارة التي كانت هند وأسرتها بداخلها.. والأكثر بشاعة هو استهداف سيارة الإسعاف التي حاولت الوصول إليها بعد ثلاث ساعات من “التنسيق”، مما أدى لمقتل المسعفين.. بينما كان المنقذون يحاولون بث الطمأنينة في قلب الطفلة، كانت أصوات القذائف تزداد حضورًا وقهرًا حتى غطت على كل شيء.. ينتهي الفيلم بصدمة أن القاتل لم يترك فرصة واحدة للنجاة، لا للطفلة ولا لمن حاولوا مساعدتها.. في خرق لكل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية التي يدعي العالم حمايتها.

أيقنت بعد مشاهدتي أن هذا العمل سيظل محفورًا في ذاكرة السينما العالمية، كما أن فوزه بالجائزة الكبرى في فينيسيا وتقييماته المرتفعة على منصات مثل Letterboxd تدل على حاجة العالم لهذه القصص.. حيث يغمر الجمهور في الوضع المأساوي، ليواجههم بالخطر الحقيقي الذي يهدد الوجود الفلسطيني.. الأصوات على الهاتف ستبقى تلاحق كل من شاهده، مذكرة إيانا بأن هند كانت تستحق الحياة والمستقبل.. حين انتهى الفيلم بالسينما وعندما انطفأت الشاشة، ظل هناك ثقل إنساني يربض على الصدور يمنعنا من النطق.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع