د. سمير مندي
أهمية الكتاب:
صدر مؤخرًا عن دار «مجموعة كلمات» الإماراتية كتاب «عبد الرزاق قُرنح: إطلالة على عالمه ورواية ما بعد الاستعمار»2026م للدكتور صبري حافظ. والكتاب الذي يقع فيما يناهز الثلاثمائة صفحة يسلط الضوء، ربما للمرة الأولى في المكتبة العربية، على عبد الرزاق قُرنح وأدبه الحاصل على جائزة نوبل عام 2022م.
تعود أهمية الكتاب إلى عدة أسباب:
أولاها: ندرة المكتوب عن قُرنح بالعربية. فلا تكاد تكون هناك حتى الآن كتابات تقدم قُرنح للقارئ العربي. علاوة على أن أعماله لم يُترجم منها إلا القليل حتى الآن. ناهيك عن أن هذه الترجمات قد صدرت منذ وقت ليس ببعيد. وبالتالي لم تتح الفرصة بعد للقارئ العربي ليتعرف على هذا الكاتب ذي الأصول العربية حق المعرفة. فما بالنا لو تصدى كاتب في قيمة وقامة صبري حافظ للكتابة عن قُرنح وتقديمه للقارئ العربي، مستوفيًا جانبًا كبيرًا من سيرته وأعماله مقرونة بتحليلٍ وافٍ مستفيض يُشبع وزيادة فضول القراء.
وثانيها: ترجمة حافظ لأجزاء كبيرة من أعمال قُرنح لاسيما عمليه المُهمين «الفردوس» و«حيوات تالية»، وذلك بما يفتح الباب على مصراعيه أمام القارئ العربي لامتلاك عوالم قُرنح والخبرة بها.
ثالثها: الرؤية ما بعد الاستعمارية التي قرأ من خلالها صبري قُرنح، واصلاً أعماله وسيرته ومشاغله، هو المنحدر من أب وأم يمنيين، المهاجر من جزيرة زنجبار التابعة، آنذاك، لسلطنة عمان، بالظروف السياسية والأدبية التي مر بها العالم العربي. وبالتالي أتاح لنا صبري نافذة جديدة نطل من خلالها على ظروف استعمارية شبيهة بالظروف التي عايشها عالمنا العربي قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها. والشيء بالشيء يُذكر. وإن كانت بلاد قُرنح قد عانت من استعمار غريب بعض الشيء عن الاستعمار الذي عانته البلاد العربية. وأعني به الاستعمار الألماني.
الأدب والسياسة:
والبداية من السياسة التي تسكن الأدب، والأدب الذي يتنفس سياسة. يصدق هذا القول على الأعمال الأدبية، مثلما يصدق على المؤتمرات العلمية التي تُعقد حوله، والتقسيمات الجغرافية التي تُقسم الخيال حسب المناطق والدول التي تنتجه، وملء هذه التقسيمات بالمقاصد والمصالح.
يقودنا ذلك إلى المصادفة التي كانت قد جمعت ناقدنا صبري حافظ بقُرنح أواخر الثمانينات من القرن الماضي في لقاء هو الأول من نوعه. وذلك في مؤتمر أدبي عُقد في بودابست في يونيو من عام 1989م يستضيف على هامشه الأدبين العربي والأفريقي. يقول حافظ: «سرعان ما اكتشفنا أن وراء المؤتمر…أجندة سياسية ماكرة». والأجندة المقصودة، بحسب حافظ، أجندة صهيونية تستهدف تطبيعًا أدبيًا، إن صح هذا التعبير.
ومناسبة السياسة التي تسكن الأدب، والأدب الذي لا يخلو من المصالح يثير سؤالاً ماكرًا في سياق الحديث عن فوز قُرنح الإفريقي من أصول عربية بجائزة نوبل. فلابد وأننا نعلم أنَّ الجدارة الأدبية ليست السبب الوحيد الذي يفوز من أجله فائز بجائزة نوبل، وإلا لأصبحنا أمام قائمة طويلة من الأفارقة والعرب الذين يستحقونها عن جدارة. صحيح أن نوبل سوَّغت منحها «قرنح» جائزتها بتوثيقه تبعات الاستعمار. غير أن التسويغ مكر بنا من مُسْتَعمِر يمنح جائزته لمُسْتَعمَر يقاوم استعماره.
ربما تكون الإجابة قد جاءت على لسان قُرنح نفسه في واقعة أتى على ذكرها حافظ في كتابه. يقول قُرنح حول ظروف هجرته إلى إنجلترا بتأشيرة سياحية لا تسمح له لا بالإقامة ولا الدراسة، وكيف تحولت بقدرة قادر إلى تأشيرة دراسية:
»قد تسألين الآن وكيف تحولت التأشيرة السياحية إلى تأشيرة للدراسة؟ فأقول لك إنَّ تلك الأيام كانت أرحم بالنسبة للمهاجرين. لم يسألوا عما إذا كانت لدينا تأشيرة للدراسة أم لا، وإنما قيدونا في صفوفهم وواصلنا الدرس… لهذا فقد انخرطنا في الدراسة، وبعد قبولنا بها تقدمنا للحصول على تأشيرة دراسية، وكانت سلطات الهجرة في ذلك الوقت راضية عن ذلك بعد قليل من التوسل والتمثيل والبكاء «
إنَّ «التوسل والتمثيل والبكاء» يؤكد، في نهاية المطاف، العلاقة الهيراركية التي يتخيلها الغرب في علاقته بالشعوب الإفريقية: علاقة الأعلى بالأدنى. علاقة السيد بالعبد. السيد الذي قد يعطف على عبده بين الحين والآخر فيتحسس بذلك إنسانيته، ويرضي ضميره الميت، دون أن تتغير القاعدة، أو تنقلب الهيراركية.
بين استعمار النفوس واستعمار الشعوب:
وهذي العلاقة، علاقة السيد بالعبد، هي نفسها العلاقة التي تفضحها في مهدها روايات قُرنح كما تكشف تحليلات صبري لعملين من أهم أعماله هما: «الفردوس» و«حيوات تالية».
تبدأ رواية «الفردوس»، على سبيل المثال، باستعباد الطفل «يوسف» بطل الرواية على يد التاجر عزيز. وذلك في مقايضة يتم من خلالها استعباد يوسف مقابل سداد دَيِن أبيه. وكذلك «عافية» بطلة رواية «حيوات تالية» التي تستعبدها إحدى الأسر مقابل إيواءها.
فوق هذا وذاك هناك «استعباد» القوى الكبرى للشعوب الضعيفة باستعمارها ونهب خيراتها، ودق مسمار الهزيمة في عقول ونفوس أبنائها.
وبين استعمار النفوس باستعبادها وقهرها من أصحاب المال والجاه، واستعباد الشعوب واستعمارها من أصحاب القوة والهيمنة من الدول الكبرى يظل هناك سؤال يتردد:
هل استعباد النفوس، واستعمار الشعوب شر أصيل من شرور النفس الإنسانية؟ هل القهر والتسلط سمتان لازمتان من لوازم القوة والسلطة؟
أعتقد أن أدب قُرنح يتأرجح في هذه المسافة البينية التي تجمع الشرين وتربط بينهما.
فهو لا يدين الاستعمار بقدر ما يدين التسلط. بقدر ما يريد الإمساك بجذر الشر الرابض بين جوانحنا. على الرغم مما يحمله هذا الفرض من مغامرة «تطبيع» الشر، ومن ثمَّ الاستعمار أو ما سواه من سبل استعباد الإنسان لأخيه الإنسان في هذا الكون الذي خُلق فيه الإنسان حرًا دون أن يمارس هذه الحرية بالضرورة.
هناك شخصيات في أعمال قرنح تتبنى هذا الشر أو ذاك، شر العبودية وشر الاستعمار، بإرادتها الحرة، وأخرى لا ترى أن هناك ممكنًا سواهما. «إلياس» الكبير، على سبيل المثال، في رواية «حيوات تالية» يتطوع في المعسكر الألماني الاستعماري، ويهاجر إلى ألمانيا بعد ذلك مغيرًا لقبه، ومتنازلاً عن هويته السواحلية متبنيًا في خطوة نهائية وأخيرة الهوية الألمانية بطموحاتها الاستعمارية. أيضًا «خليل» والعجوز «حمداني» اللذان يتقبلان العبودية عن طيب خاطر، ويرفضان طواعية التحرر من أسرها. «يوسف»، بطل رواية «الفردوس»، يقرر في نهاية الرواية الانضمام إلى المعسكر الألماني هربًا من قصة حب فاشلة.
تساؤل:
كيف يمكن، إذن، أن نقرأ روايات قُرنح؟ هل هي حقًا روايات ما بعد استعمار تدين استعمار الشعوب القوية للشعوب الضعيفة كما أشارت لجنة نوبل في تسويغ منحه جائزتها، وكما كشفت تحليلات صبري حافظ بحق؟ أم هي روايات تفضح أي استعمار وكل استعمار مهما قل شأنه، ومهما كان اسمه أو شكله، طالما كان عقبة أمام تحقيق ذات لذاتها.
ولو كان لي أن أقترح قراءة أخرى جنبًا إلى جنب قراءة حافظ الثاقبة، فأظن أن أعمال قُرنح تسعى جاهدة لتسمية ما قد يصعب تسميته من كل ما يحول بين الإنسان وذاته، ويقطع عليها الطريق أمام التحقق سواء أكانت ذاتًا فردية أو جمعية.
وبقدر ما يثير كتاب صبري حافظ الجدل، بقدر ما يحفر مكانته، عميقًا، في ثقافتنا العربية الحالية


















