شيءٌ مني في الماء

poles adam

بولص آدم

في أول لقاء مع البحر

بعد الأربعين

صرتُ أتعرف إلى الأشياء

بمقدار ما تخيفني

 

دخلتُ البحر

لأعرف من أكون

حين لا تعود قدماي تملكان رأيًا

 

للبحر صوتٌ خافت

عند اقترابي من قلبه

يتنفس من مكان أعمق مني

ولي صوت آخر

لا أسمعه إلا حين أخاف

 

أتحسس القاع بأصابع قدمي

كما يتحسس الأعمى وجه شخص يحبه

 

اختفت الأرض من تحتي

ولم يحدث شيء

 

صار جسدي أخف

وصار البحر أثقل

ولم أعرف أيّنا كان يطفو

 

البحر لم يقل لي شيئًا

وهذا ما أحببته فيه

 

لونه يتغير كلما دخلت أكثر

حتى خُيّل إليّ

أنني أدخل لونًا

بعد لون

 

لم يسألني لماذا تأخرت

ولا ماذا فعلت بالأربعين سنة

 

فتح لي مكانًا بقدر جسدي

ثم تركني

 

كأن الصداقة الحقيقية

ليست أن يمسك بك أحد

أن يمنحك مكانًا

تسقط فيه دون أن تسقط

 

أنا أخاف البحر

ولا أحب الاعتراف بذلك

 

كلمة الخوف

تفسد شيئًا من كرامة العلاقة

 

فهو صديق قادر

 

حين لا تلامس قدماي القاع

تتغير هيئتي كلها

كأن البحر محا من جسدي

فكرة الوقوف

 

وهو لا يفعل شيئًا

 

يحملني

بذلك الصمت الذي يشبه القوة

ولا يحتاج إلى إثباتها

 

أخرج منه أحيانًا سعيدًا

وأحيانًا جائعًا

وأحيانًا متململًا

وأحيانًا مكتفيًا إلى درجة

أنني لا أرغب في الكلام

 

البحر لا يهتم

 

يبقى هناك

بهيئته التي لا تتعب

وصوته الذي لا يطلب شيئًا

ولونه الذي لا يستقر

 

كأنه يعرف

أن المحبة لا تحتاج إلى حسن السلوك

 

ومنذ ذلك اليوم

أفكر في الأربعين

كتدريب طويل على فقدان القاع

 

الوجوه

البيوت

الخطط

وذلك الشخص الذي ظننت أنني سأبقى عليه إلى الأبد

كلها ابتعدت قليلًا

 

حتى أنا

ابتعدت عني

دون أن أنتبه

 

ثم جاء البحر

 

لم يقل شيئًا

 

حملني

 

وفي هذا الصيف

بعد الستين

قرصني كائن بحري صغير

 

أوهمني بلغمٍ تحت الماء

 

آه منك أيها الجار

ماذا فعلت بنا

 

لطمني البحر

بأمواج الضحك

 

كنت طفلًا

أسأل نفسي

لماذا لا تصطف البلدان كلها على البحر

 

كنت أظنه طريقًا

 

أما الآن

فأعرف أنه اتساع

 

ماء ومسافة

وشيء في الأشياء

 

ولهذا أفهمه الآن

 

بعض الأشياء

نعرف عمقها

حين يغيب القاع تحتنا

ولا يبقى لنا

إلا أن نطفو

 

حين أراه الآن

لا أقول ما أجمله

ولا ما أخطره

 

أقول

 

ها هو صديقي

الذي لا أثق به تمامًا

 

ثم أدخل

 

وأترك الأرض

تتدبر أمر غيابي

 

وأخرج

وفي جسدي شيء من مائه

وفي الماء شيء مني

 

ولا أعرف

أيّنا ترك الآخر

وأيّنا عاد

بولص آدم

85 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع