شرائط ماجد سنّارة، وحكاية جيل أربكه الوجود

maged sennara

باهر بدوي

«تُنْسى كأنَّك لم تكُنْ»

تطلّ علينا كلمات محمود درويش بين حين وحين، في نصّ الأديب ماجد سنّارة، لتصف حال «الريّس برايز» – راوي العمل، وإحدى الشخصيات المحورية في فيلم «فيلم ثقافي»، إنتاج سنة ۲۰۰۰، وتأليف وإخراج محمد أمين.

يلتقط ماجد سنّارة آخر خيوط الفيلم، وينسج منها نصًّا روائيًّا، بطله الريّس برايز، زعيم مملكة الـبورنو، ومرآة صدمة جيل منتصف السبعينيات والثمانينات، الذي وجد نفسه بين ليلة وضحاها يحاول استيعاب ما آل إليه الوضع بعد يناير ۲۰۱۱، من تدحدر اجتماعي اقتصادي، وصعود نجم التكنولوجيا على نحو لا يزال غير قادر على استيعابه أو مواكبته.

«الوضع اتغيَّر يا برايز»

 العبارة الخالدة التي ختمت «فيلم ثقافي»، وعبرت منه إلى جسرٍ زمني ممتد بين عاميّ ۲۰۰٦ و۲۰۲٤. برايز الذي وجد في الأفلام الثقافية (الإباحية) مخرجًا لنفسه ولأصحابه من عبثية الحياة وقسوتها، يشغّلون الفيلم ويحيون حالة من الانفصال عن الواقع، وتخدير للحواسّ من جحيم العبث الجاري خارج أحلام يقظتهم –  (في منتصف التسعينيات، بزغ نجم الأفلام الإباحية وكانت بمثابة قنبلة في هذه الفترة الزمنية، لا يزال أبناء جيلي يتذكّرونها). مشاهد اجتماع الشباب لأجل مشاهدة الأفلام الثقافية تتخلّلها الاشتراكية الفطرية، والعدالة الاجتماعية، التي حلم بها جيل يناير.

يتحرك ماجد بين السنين، يحكي مأساة وملهاة هذا الجيل من خلال برايز وأصحابه، الذين لاقوا مصائرًا تروي صدمات جيلهم. مات علاء في العبّارة السلام ۹۸ في ۲۰۰٦، ومات عفّت مختنقًا في الأسانسير في ۲۰۲۳، ميتة عبثية تليق بمرحلة “تخفيف الأعباء”، ودرويش – صديق برايز وأبوه الروحي سقطت به الشرفة.. صبحي وبرايز انتهيا في مقر الأمن الوطني بعد محاولة يائسة منهما للعودة للحياة عبر صفحات التواصل الاجتماعي؛ جروب بريء كان هدفه الوحيد تتويج بسيط لبرايز، وزعامة صغيرة لمجموعة صغيرة من محبّي الأفلام “الثقافية”، تعطيه دفعة أمل وهمي في غدٍّ لا يأتي. مات صبحي بحسرته في المعتقل، وبقيت الذكرى مع برايز.

سلّط ماجد الضوء على الحال قبل يناير ۲۰۱۱ (كله عائش في ماء البطيخ، والأيام كلها تشبه بعضها، استنساخ كأنه يوم ممتد في لللاشيء)، طعَّم النصّ بالكثير من متاعب الجيل، ولو بسطر صغير؛ نهايته كعاطل ينام (تحت إحدى الكباري الجديدة) – إحدى سمات العصر وإشارة بليغة (للحال الذي تغير يا ريّس برايز)، ثورة الهواتف الذكية التي دمرت مملكته الإباحية، التي راعى جيدًا أن يرسى فيها مبادئ استخدام آمن، لا يطول من هم دون ۱۸، إصراره أن يجعل من مشاهدة الأفلام، طقسًا راقيًا، وتلمُّس الجانب الفني في الفيلم، في إشارة واضحة لموت الإحساس، وذبول المشاعر، بعد هجوم عصر السرعة، ووجبات التكنولوجيا السريعة:

(ذهبت البركة عن الأفلام، صارت مقاطع، ولا أحد عنده صبر ليعرف القصة، يريدون رؤية فعل الجنس فقط – المداعبة أساس العلاقة، لا تعاملها كبهيمة، امنحها التقدير، عبر عن مشاعرك وإعجابك).

 النصّ لا يخلو من هجوم قاسٍ على التشوّه الفكري الذي توارثه المجتمع؛ أبوه المسيطر في بيته والضعيف خارجه، شقيقته المكسورة الخانعة لزوجها، أمه التي عالجت خضوعها وصمتها بخيانة لبيتها، في إشارة لدورة الكبت الدائرة في المجتمع- جاء مشهد إمساكه بها بين أحضان غريب، صدمة وعذابًا للقارئ:

(آه يا أمي، يا كعبتي المدنّسة، يا محرابي المهدّم، يا قدس أقداسي المحتل، كيف هُنت عليكِ يا أمي، كيف عكّرتِ نقاءك يا صفيّة..)

برايز لم يحلم كثيرًا. لم يرد سوى خلق عالم يحيا فيه زعيمًا للإباحة، يثور فيه مع أتباعه، يضعون دستورهم، يهتفون باسم (الثقافة)، لكن حتى هذه الأماني الصغيرة جزّتها آلة الرأسمالية (تمثّلت الرأسمالية في عشيقته التي أرادت تحويل نشاطه الثقافي إلى تجارة تتربّح منها)، وافتراس التكنولوجيا للمجتمع، وضياع حلم يناير الحاضر بقوة في النصّ:

(لبسنا الخازوق يا صبحي – بجملة الخوازيق يا ريّس)

لجأ ماجد للغة بسيطة، استطاع بشطارة حقيقية، أن يماهي بين العامية والفصحى. يصعب وصف النص بأنه صيغ بالعامية، لكن روح لغة الشارع حاضرة بقوة بين الحروف، والألفاظ على جرأتها وقسوتها، جاءت متناغمة مع الشخصيات، والفكرة المحورية من العمل.

«شرائط مؤدّبة جدًا» رواية تحكي قصة صدمات جيل كامل، وتحوّلات اجتماعية وتكنولوجية لم يستطع مواكبة سرعتها.

……………………
*الرواية صادرة عن دار المحرر للنشر 2025

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع