سامح قاسم
كان رجلاً وحيداً.
لا أحد يعرف من أين جاء،
ولا لماذا بقي.
ظهر فجأة كظلٍّ خفيف،
وجلس على مقعدٍ قديم في حديقةٍ لا يزورها العشّاق.
لم يكن يتحدّث،
لكنه كان يستمع إلى كل شيء:
إلى دمعةِ ورقةٍ تسقط من الشجرة،
إلى ألمِ الغيم حين لا يجد سماءً تليق به،
وإلى أنينِ المقعد الذي اعتاد جسده الهشّ.
كان يحمل كتاباً دائماً،
لكن عينيه لا تتابعان السطور.
لأنه أعمى.
هكذا قالوا له في صباه المبكر،
وعَيَّره أحدهم بذلك بقسوةٍ مفرطة
أمام العالم.
كان يرسم، لا ليهزم البياض،
كان يرسم ليربّت على قلبه
الذي لم يعتد الألم بعد.
كان يحمل كتاباً دائماً،
كأنه ينتظر أن تخرج شخصيةٌ من الصفحة فتحدّثه،
أو أن تبتسم له جملةٌ
وتقول له:
“أنا كُتبتُ لأجلك.”
كان الناس يمرّون قربه
كما يمرّ المرء قرب ظلٍّ هائل،
بخوفٍ لا يعرف سببه،
وبفضولٍ لا يجرؤ على الاعتراف به.
وفي مساءٍ منسيّ،
لم يعد إلى مقعده.
لكن الغرباء الذين جلسوا بعده
كانوا يشعرون بوخزٍ غريبٍ في صدورهم،
كأن أحداً ترك هناك حزنه
مطويّاً بدقّة،
ينتظر من يعيد قراءته.









