أسامة كمال أبو زيد
صوتٌ بحجم الأسطورة، ووداعةُ ماءِ الوضوء، وورعُ القناديل الخضراءِ عند الفجر؛ يخرج من بهجةِ الرضا ويصعد بنا إلى سماءٍ شفافةٍ مغلَّفةٍ بالإيمان. كأنَّ الله أراد أن يطمئنَّ عباده بصوت، فجعل في روحِ سيد النقشبندي وحنجرته نداءَ محبةٍ لا يفرّق بين أحد.
لم يكن صوته مجرّدَ حنجرةٍ تبتهل في فضاءِ المساجد، بل كان سرًّا يتسرّب من شقوق القلب حين يضيق، ونسمةً خفيّةً تعبر ليلَ الروح فتوقظ فيها صفائها وشفافيتها. لم يكن صوتًا يُسمَع فحسب، بل ماءً نورانيًّا يزيح الهموم عن الأرواح، حتى يشعر المرء أن السماء انحنت قليلًا لتصغي معه. كان إذا ابتهل ارتعشت الحروف كأنها خارجةٌ للتوّ من مقام العرش، وإذا بكى في دعائه بكى الحجرُ قبل البشر؛ لا لأن النبرة عالية، بل لأن القلب كان أصدق من الصوت. هكذا لم يكن إنشادُه أداءً، بل عبورًا؛ ولم يكن دعاؤه كلماتٍ تُقال، بل بابًا يُفتح بين عبدٍ ضعيفٍ وربٍّ رحيم.
وُلد عام 1920 في قريةِ دميرة بمحافظة الدقهلية، ثم حملته الأقدار صغيرًا إلى طهطا في صعيد مصر، حيث حفظ القرآن قبل أن يبلغ الثامنة على يد الشيخ أحمد خليل، ونشأ في بيتٍ يمتد نسبه الروحي إلى الطريقة النقشبندية المنسوبة إلى الشيخ بهاء الدين نقشبند؛ وكأن اسمه كان قدرًا مكتوبًا: أن يُنقَش حبُّ الله على القلب نقشًا لا يُمحى. في حلقات الذكر، وبين قصائد البوصيري وابن الفارض، تشكّلت حنجرته كما يتشكّل النور في عتمةٍ طويلة، وتعلّم أن الصوت إذا لم يخرج من القلب فلن يبلغ السماء. وحين استقرّ في طنطا عام 1955، جوار مقام السيد البدوي، لم يكن يسعى إلى شهرة، بل إلى صفاء؛ غير أن الصفاء نفسه كان طريقًا إلى قلوب الناس. فذاعت شهرته في مصر والعالم العربي، وسافر منشِدًا إلى الشام والحجاز وآسيا وأفريقيا، وأدّى الحج خمس مرات؛ كأن صوته كلما ارتفع في الدنيا ازداد تواضعًا أمام البيت العتيق.
في مسجد الإمام الحسين بالقاهرة عام 1966 التقى بالإذاعي أحمد فراج، فدخل الإذاعة عام 1967، وصار صوته رفيق المغيب في رمضان، يعبر الأثير بعد الأذان، فيصالح القلوب مع ضعفها، ويجعل الدموع عبادةً خفيّة. حتى قال عنه الدكتور مصطفى محمود إنه نورٌ كريمٌ فريد لم يصل إليه أحد. وأجمع أهل الموسيقى أن صوته، بطبقاته الثماني التي تتأرجح بين الميزو-سوبرانو والسوبرانو، كان معجزةً بشريةً نادرة؛ لكنه ظل يرى نفسه عبدًا يدعو، لا مؤدّيًا يستعرض قدراته.
ثم جاءت لحظةٌ بدت عابرة، لكنها كانت قدرًا آخر من أقدار الله معه؛ حين شاء الرئيس محمد أنور السادات أن يجمعه بالموسيقار بليغ حمدي. تردّد الشيخ أول الأمر، خشي أن تفقد هيبة الابتهال بزخرف اللحن؛ لكنه جلس، وانطلقت «مولاي إني ببابك»، فإذا بالروح تتعرّف إلى شقيقتها في النغمة، وإذا به يقول: «هذا ما سيبقى من تراثي». ومن ذلك اللقاء خرجت أعمالٌ خالدة، لحّن بعضها أيضًا محمود الشريف وسيد مكاوي وأحمد صدقي؛ لكن صوته ظل الخيط الذهبي الذي يجمعها جميعًا، حتى صار واحدًا من أبرز من ابتهلوا في القرن العشرين، وصار رمضان لا يُتصوَّر بلا نبرته التي تشبه الهلال وهو يولد من رحم العتمة.
لم يكن يملك من الدنيا إلا ما يكفي ليعطيه للفقراء، وكان يقول: «الله أكرمنا كي نُكرم خلقه». وحين فاضت روحه في 14 فبراير 1976 إثر نوبةٍ قلبية، لم يترك مالًا ولا أرضًا، بل ترك وصيةً بسيطة: أن يُدفن جوار أمّه، وألّا يُقام له مأتم، وأن تُرعى أسرته. رحل كما عاش، خفيفًا من أثقال الدنيا، ثقيلًا بميزان المحبة. كُرِّم بعد وفاته، وأُطلق اسمه على أحد أكبر شوارع طنطا؛ غير أن التكريم الحقيقي ظل في تلك اللحظة اليومية، حين يعلو صوته في بيتٍ بسيط، في قريةٍ بعيدة، في مدينةٍ مزدحمة، فينصت الناس وكأن السماء اقتربت قليلًا.
اليوم، في زمنٍ اختلط فيه صوت الدين بضجيج الغضب، نحتاج أن نتذكّر النقشبندي لا حنينًا إلى ماضٍ جميلٍ فحسب، بل معيارًا نقيس به نقاء الطريق؛ فقد علّمنا أن الوصول إلى الله ليس بالبارود، بل بالدمعة، وليس بالصراخ، بل بالخشوع، وأن الإيمان إن لم يكن حبًّا للإنسان والحياة صار قسوةً لا تشبه السماء. هكذا بقي صوته، لا مجرّد تسجيلاتٍ في أرشيف الإذاعة، بل نقشًا مضيئًا على جدار القلب البعيد؛ كلما أرهقه العالم عاد إليه، فاستردَّ نوره البعيد.













