“سمير عبد الباقي” آخر فرسان الوفاء للكلمة والأرض

sameer abd albaky

عبد السلام فاروق

لا أدري إن كانت المصادفة وحدها، أم أن ثمة يدًا خفية تحكم توقيت الغياب كما يحكم كاتب محنك دراما المشهد الأخير، فتخطف قاماتنا الكبيرة في اللحظة التي نكون فيها في أشد الحاجة إليهم، كأنما أرادت الأقدار أن تقول لنا بكل قسوة: انظروا ماذا كنتم تملكون ولم تقدروا قيمته، انظروا ماذا خسرتم الآن.

هكذا وجدتني أتلقى خبر رحيل الشاعر المصري الكبير سمير عبد الباقي، أحد أركان الجيل الثاني في قصيدة العامية المصرية، الجيل الذي نهض وعلى كتفيه مهمة مستحيلة؛ أن يمضي في ركاب العمالقة دون أن يسقط في فخ الاستنساخ، وأن يضيف إلى مجرى النهر دون أن يعكر صفوه، وأن يظل وفيًّا للأرض والإنسان والكلمة، في زمن بدأنا فيه نكتشف أن هذه المعاني النبيلة باتت مجرد بضاعة تباع وتشترى في السوق الثقافية الجديدة .

لا أقصد كتابة تأبين تقليدي، ولا أن أسوق نعيًا بالجملة، فأنا على يقين من أن سمير عبد الباقي، الذي عاش حياته كلها منفلتًا من القوالب الجاهزة، يستحق منا أكثر من كلمات مجاملة نلقيها سريعًا ثم نمضي إلى أعمالنا. إنه يستحق منا أن نتوقف، ولو برهة، أمام ما كان يمثله، وأمام معنى رحيله الآن، في لحظتنا العربية الصعبة حيث تتراجع قيمة الشعر والثقافة والضمير، لتتصدر المشهد قيم لا تمت للإنسان بصلة من قريب أو بعيد. فاسمحوا لي بشيء من القسوة، فالحب الحقيقي لا يختزل في الدموع وحدها، بل في مواجهة أنفسنا بالحقيقة التي طالما حاول سمير عبد الباقي أن يهمس بها في قصائده.

ينتمي سمير عبد الباقي إلى ما يمكن تسميته بـ”جيل الواقفين على أكتاف العمالقة”، وهو جيل لم يأخذ حظه من الإنصاف قط، لأنه ببساطة أطل على الدنيا والأضواء كلها مصوبة صوب الرواد الكبار: صلاح جاهين، وفؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وسيد حجاب، أولئك الذين صنعوا مجد قصيدة العامية المصرية وحولوها من مجرد زجل شعبي إلى فن رفيع قادر على حمل هموم أمة بأسرها. كان على هذا الجيل الثاني أن يواجه تحديًا مستحيلًا كيف يكتب شعرًا لا يكون نسخة مكررة من الأبنودي؟ كيف يجد صوته الخاص وسط زحام هذه الأصوات العملاقة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس؟ كيف يجرؤ على قول “أنا” دون أن تبدو هذه الـ”أنا” باهتة أمام “أناهم” المتوهجة؟ الإجابة، كما أثبت عبد الباقي طوال مسيرته، تكمن في الصدق. الصدق وحده. ذاك الذي يجعل الشاعر لا يكتب ما يتوقع الناس سماعه، بل ما يمليه عليه وجدانه وضميره، حتى لو كان مخالفًا للسائد، حتى لو كان غير مريح، حتى لو بدا للبعض “غير شعري”.

المتأمل في مسيرة الراحل، التي لم تقتصر على الدواوين الشعرية إنما امتدت لتشمل أدب الطفل والمسرح والعمل الصحفي والثقافي المؤسسي، سيكتشف أنه كان يؤمن إيمانًا جازمًا بأن الشاعر لا يمكن أن يكون مجرد صانع كلمات جميلة. الشاعر، في تصوره، هو مثقف عضوي بكل ما تحمله العبارة من عمق جرامشي، هو شخص يدرك أن قضيته ليست مجرد قصيدة يكتبها في برجه العاجي ثم يلقيها على الجمهور من علُ، بل هي قضية أمة وشعب وأرض وهوية. ولهذا رأيناه يكتب للطفل، لأنه يعرف أن البذرة الحقيقية للتغيير تزرع في العقول الغضة قبل أن تفسدها قنوات التلفزيون ومناهج التعليم العقيمة. ورأيناه يشتغل في المسرح، لأنه يؤمن بأن الكلمة تحتاج إلى الجسد، إلى الصوت الحي، إلى اللحظة الآنية التي تلتقي فيها الروح بالروح في قاعة مظلمة، بعيدًا عن شاشات الهواتف الذكية التي حولتنا إلى جزر معزولة. ورأيناه يؤسس ويحرر المجلات والجرائد الأدبية، لأنه كان يعلم أن المعركة الثقافية لا يخوضها فرد واحد مهما كان عبقريًا، بل تحتاج إلى مؤسسات، إلى منابر، إلى فضاءات عامة حقيقية يلتقي فيها المبدعون ويتحاورون ويتصارعون.

هنا، اسمحوا لي أن أفتح قوسًا قد يبدو للبعض خارج السياق، لكنه في صلب الموضوع. ما معنى أن يفقد المشهد الثقافي العربي الآن رجلًا مثل سمير عبد الباقي؟ معناه بكل بساطة أننا نفقد نموذجًا للمثقف الذي لم يساوم، في زمن كثرت فيه المساومات. في زمن صار فيه الشعراء يكتبون الأغاني الهابطة ليتصدروا “الترند”، ويتحولوا إلى نجوم على مواقع التواصل الاجتماعي بدل أن يكونوا ضمائر حية في وجدان الأمة. في زمن صار فيه المثقف الحقيقي متهَمًا دائمًا؛ متهَمًا بأنه قديم، متهَمًا بأنه غير قادر على مواكبة العصر، متهَمًا بأنه يكتب للنخبة فقط، وكأن الكتابة للنخبة صارت تهمة يعاقب عليها القانون، في حين أن الكتابة للغوغاء صارت فضيلة تمنح صاحبها الملايين من “الإعجابات” و”المشاركات”. في هذا الزمن الرديء، كان سمير عبد الباقي واحدًا من القلائل الذين ظلوا ممسكين بجمرة القصيدة دون أن تحرق أيديهم أو يلقوا بها في وجه أحد، كان يحافظ على ذلك التوازن السحري الصعب بين البساطة والعمق، بين جمال الصورة وصدق المعنى، بين خصوصية اللهجة المصرية وعمق الإحساس الإنساني.

لقد كان شاعر الإنسان حقًا، الإنسان الذي لا تختزله بطاقة تحقيق شخصية، الإنسان الذي لا يهم إن كان من هنا أو من هناك، المهم أنه يتألم ويحب ويحلم ويخاف ويقاوم. لم يكن شعره موجهًا لفئة بعينها، بل كان يكتب للفلاح الذي يحفر في الطين بحثًا عن لقمة العيش، ويكتب للموظف الذي تسحق جسده مواصلات القاهرة كل صباح، ويكتب للعاشق الذي يرتجف قلبه تحت شرفة الحبيبة، ويكتب للثائر الذي يرفع صوته في وجه الطغيان ثم يسقط وحده ولا أحد يدري به. بهذا المعنى، كان شعره ديمقراطيًا حتى النخاع، لا يميز بين الناس على أساس ثقافي أو طبقي، بل يفتح صدره للجميع، لأن الجمال الحقيقي، كما كان يؤمن، لا يمكن احتكاره.

وهنا أعود إلى تلك الأبيات التي كتبها في إحدى قصائده المبكرة، والتي أعتبرها “وصيته” الشعرية التي ينبغي أن تكتب بماء الذهب على جدران كل بيت ثقافي في هذا الوطن العربي الكبير:

“مش مهم تعيش

المهم تفضل جدع

تزرع ولو حتى في الخراب سنبلة

تحلم ببكرة لو حتى في الوداع

تكتب على جدران ليل الوجع

وتسيب علامة للولاد ع النور

لو ضلوا تايهين يرجعوا”

تأملوا معي هذه الكلمات، من فضلكم، لا كقراءة عابرة، بل كتأمل عميق في معنى الحياة والموت والرسالة. إنه يقلب كل مقاييسنا رأسًا على عقب. نحن الذين نلهث وراء فكرة النجاح كما يُعرّفها عصر الاستهلاك، يأتي هذا الشاعر ليقول لنا إن الأهم من أن تعيش هو أن “تفضل جدع”. الجدعنة هنا ليست مجرد كلمة دارجة في الشارع المصري، هي فلسفة حياة كاملة، هي الشرف، هي الصلابة، هي القدرة على مواجهة الرداءة دون أن تصاب بعدواها. ثم يقول: “تزرع ولو حتى في الخراب سنبلة”، وهنا تكمن العبقرية. إنه لا يعدك بجنائن معلقة، ولا بأرض خصبة، ولا بحصاد وفير، بل يطلب منك أن تزرع حتى لو كنت تعرف مسبقًا أن ما حولك خراب. هذه هي ذروة الإيمان بالإنسان، أن تفعل الخير لا لأنك تنتظر مقابلاً، لأن فعل الخير في ذاته هو المقابل. ثم يأتي السطر الأكثر ألمًا ووجعًا: “تحلم ببكرة لو حتى في الوداع”. أي إنسان هذا الذي يحلم بالمستقبل وهو في لحظته الأخيرة؟ إنه الإنسان الذي يأبى الهزيمة حتى وهو مهزوم، الذي يصر على الأمل حتى وهو يفقد كل شيء. وفي النهاية، يصل إلى مربطه الفارق: “وتسيب علامة للولاد ع النور”. إنه لا يطلب الخلود لنفسه، لا يطلب أن يذكر اسمه، بل يطلب أن يترك علامة، إشارة، بصمة صغيرة تضيء الطريق لمن يأتون بعده، “لو ضلوا تايهين يرجعوا”.

أليس هذا هو بالضبط ما فعله سمير عبد الباقي طوال حياته؟ ألم يترك لنا علامات على النور، في قصائده، في مسرحياته، في مجلاته، في كتبه للأطفال، في مواقفه، في صمته حتى؟ الفرق بينه وبين كثيرين غيره، هو أن علاماته كانت نبضًا حيًا، كانت ضميرًا يمشي على الأرض، كانت “سنبلة” خضراء في صحراء ثقافتنا العربية المعاصرة التي اجتاحها التصحر المضاعف، تصحر الروح وتصحر الذائقة.

رحيل سمير عبد الباقي ليس خسارة للشعر فقط، ولا للثقافة المصرية فقط، بل هو خسارة لفكرة أن الإنسان يمكن أن يكون نبيلاً، شريفًا، مخلصًا، في زمن صارت فيه هذه الكلمات مستهلكة ورخيصة. إنه خسارة لفكرة أن الكلمة لها قيمة، وأن الشاعر له دور، وأن الفن ليس مجرد سلعة تلقى في السوق. وفي وداعه، لا أملك إلا أن أقول كان الرجل جدعًا كما أحب أن يكون، زرع في خرابنا سنابل كثيرة، وحلم ببكرة حتى وهو بين أيدينا يودعنا، وترك لنا علامات لا تحصى على النور. المأساة ليست في رحيله، فنحن كلنا راحلون.. المأساة الحقيقية فينا نحن، في قدرتنا العجيبة على أن نضل الطريق رغم كل هذه العلامات التي تركها، وأن نتركها تنطفئ الواحدة تلو الأخرى دون أن يحرك ذلك فينا ساكنًا. المهمة الآن، أيها السادة، أن نكف عن كوننا “تايهين”، ونبدأ في الاهتداء بتلك العلامات، قبل أن يأتي يوم لا نجد فيه علامة تهدينا، فنضل إلى الأبد.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع