سقطة أخيرة

تشكيل

آسر أيمن

رفعت أمينة عينيها عن ذلك الكتاب العتيق، الذي كانت تقرأه، بعدما سمعت صوتًا مألوفًا يأتيها مِن عند باب منزل جدِّها. عرفَتْ أمينة، مِن هذا الصوت الطفوليِّ، الذي كان يصرخ مناديًا باسمها، أن فرح، ابنةَ خالِها، قد عادت إلى منزل جدها بعدَ سفرٍ وغيابٍ طويلٍ، كما جرت عادةُ الأعيادِ.

 سقطَ الكتاب من يديّ أمينة وهي تحضن فرح. كان ترحيبًا بسيطًا مليئًا بالفرح الحقيقي للُقياهم بعد غيابٍ طويلٍ.

   وفي إحدى الليالي المعدودة الهادئة، التي يتسامران فيها بعدما ينام جميع أهل البيت، ذكّرت فرح أمينة بالوعد الذي قطعته أمينة على نفسها قديمًا بتعليمها قيادة الدراجة. كان وعدًا قديم الأجل، حتى ظنت فرح أن أمينة قد نسته.

   لم تحنث أمينة بوعدها وتهرب من فرح كما توقعت، وإنما أجلستها بجوارها وأخذا يضعان منهجًا للتعليم على مدار اليومين الباقيين قبل رحيل فرح وأهلها.

   جهّزت أمينة دراجتها الصغيرة، تأكدت أنها مناسبة للتعليم والتدريب، وتأكدت أن الحديقة الخلفية كذلك. وحملت فرح فوقها، تاركةً كتابها على الأرض ليتلوّث بوحلها، علّمتها كيفية تحريك الدراجة، وإيقافها بالمكابح، وتحويل مسارها باليد الطويلة، وقرع الجرس تفاديًا للحوادث. كان تعليمًا نظريًا مملًا في نظر فرح.

   وبعد ساعتين من التلقين والتحفيظ، تحرّكت فرح، وأمينة تمارس عليها دور المعلم. كادت الفتاة تتعثّر في مناطقٍ عدة بالحديقة، ولكن كانت أمينة تنقذها، قبل أن تنزلق فرح بالدراجة مصطدمةً بالكتاب الذي حملته أمينة، حتى سقطت على وجهها.

   بكت فرح مرةً تلو الأخرى، حتَّى غلب عليها النوم الظاهري المتولّد عن اليأس الباطني. أما أمينة، بعدما هدَّأتها، جلست تكمل الكتاب الذي حملته. وقد قرأت فيه جملةً جذبت انتباهها. أخذت تهزُّ فرح النائمة لترى تلك الجملة، استيقظت فرح مفزوعةً، لتجد أن قريبتها أشارت لها نحو سطرٍ تبيّنته بوضوحٍ رغم مغيبِ الشمس. كانت جملةً رمزية لكن الفتاتين أخذوها مأخذًا جدِّيًا. كُتِب – حسبما طالعوا – أنه لكي تتقن مهارةً يجب أن تفشل فيها ٥٠٠ مرةً!

   فهمت فرح في التو أن هذه الجملة شرارة تأسيسِ منهجٍ جديدٍ للتعليمِ. لكن أمينة قالت بيأسٍ:

   – هنلحق إمتى نفشل خُمسوميت مرة وأنتوا ماشيين بعد بكرة؟ دة رقم كبير جدًا!

   كان سؤالًا محبطًا لقرينتها، التي شعرت باليأسِ هي الأخرى للحظاتٍ، قبل أن تقول فجأةً:

   – يبقى لازم النهاردة وبكرة أفشل ميتين وخمسين مرة.

   ليس بالرقم الهيِّن، لكن قلب أمينة لم يطاوعها على الرفض، فوافقت، وبدأا معًا رحلة الألف ميل!

   جعلت الفتاة تتعثر كثيرًا في المائة الأولى، وأقل في الثانية. حتى جاء اليوم التالي، فقلّ معدل الخطأ عند المئوية الثالثة والرابعة، حتى أوشك الخطأ ينعدم قبيل الانتهاء من المئوية الخامسة.

   كانا يتبادلا الابتسامات المشرقة والنظرات المتلهفة كلما دنا من الرقم المطلوبِ، لا حبًا في الرقمِ ذاته، وإنما إيمانًا منهما أن التعثُّر سينتهي حينها. وأن التعليم لن يُتمَّم إلا حينها أيضًا.

   وصلت فرح إلى المحاولة التي تسبق الأخيرة، فسقطت مبكرًا، مُعْزيةً ذلك إلى أن الدواء الشافي في المرة التالية، كأنها تأخذ من أنصبة باقي المحاولات لتستدنيَ الأخيرَ.

   أخذت الفتاة تعدُّ العدة قبل تلك المرة الأخيرة بمعاونة قريبتها ومدربتها. كانت على أقصى درجاتِ الاستعداد، كأن الأمر بات بالنسبة لهما أكبر من مجرد مهارة، وإنما إيمانٌ كاملٌ بأن إتقان أيِّ شيءٍ ممكن.. وقد كان: في المحاولة رقم خمسمائة، ظلت فرح تسير بالعجلة لدقائقٍ متواصلة وهي تلوح لأمينة التي أخذت تتراقص في جذلٍ طفوليٍّ مدهش. إذن فقد أثبتت النظرية صحتها!

   وانتهى اليومُ، أتقنت فرح ركوب الدراجة، وفرحت أمينة أنها معلمتها، وجاء يوم الرحيل. بكت الفتاتان بكاءً يفطر القلب، ولكنها سُنّة الحياةِ، وسبحان من لا يتغيّر. تعانقا، وأهدت أمينة فرح الكتاب الذي حمل النصيحة الذهبية، التي أصبحت تمثِّل لهما كلَّ شيءٍ، ثم ودَّعتها لترحل.

   في أثناء خروج فرح من المنزل، سقط منها الكتاب في الوحل الذي يحيط بالمنزل، شعرت بالحرج. جرت إليه أمينة سريعًا. أخذت تجففه بطرفِ فستانها، وفرح قد جرت هي الأخرى لتساعدها، نظرا إلى الجملة التي حفظاها عن ظهر قلبٍ؛ لأنها أهمُّ ما في الكتابِ: لكي تتقن مهارةً يجب أن تفشل فيها ٥٠٠ مرةً.. لم تبرح الجملة مكانها، رغم تشوُّه الورقة من الاصفرار والبهتان لعتاقته، والطين لسقوطه.

   وجدت أمينة أن الصفحة تلَّطخت جدًا، فجلبت منشفة من الداخل، وأصوات صياح أسرة فرح يُطوِّقها. مسحت الصفحة، فإذا بنقطةٍ من على اليمينِ تزول. ظنَّت في البداية أنها تتوهّم. لكن  خمسينًا! كانت الخمسون تكفي إذن، ولكن.. كيف لم تتقن فرح قيادة الدراجة سوى عند الخمسمائة بالظبط؟

   نظرت أمينة لفرح، التي لم تفهم لِمَ تسمّرت أمينة فجأةً، ولِمَ أغرقت في الضحك هكذا.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع