سر بهجة الكتابة

أسامة كمال أبو زيد

 أسامة كمال أبو زيد

من قال إنني لا أتحدث عنك حين أتحدث عن نفسي؟ سؤال يبدو كأنه همسة عابرة، لكنه في حقيقته باب واسع ندخل منه إلى سر الكتابة ومعنى الفن. فربما لا يعرف الكاتب، وهو ينقب في أعماقه، أنه لا يبحث عن نفسه وحدها، بل يبحث عن الآخرين أيضا، وأن أكثر لحظاته خصوصية قد تكون أكثرها قدرة على ملامسة قلوب ال ناس.

أدرك فيكتور هوجو في واحدة من تأملاته الإنسانية أن النفس البشرية مهما اختلفت بيئاتها ولغاتها وألوانها، تحمل في أعماقها هموما متشابهة، وتتعثر بالصعوبات نفسها وتسعى إلى غاية واحدة هي أن تحيا.

نحن نختلف في الظروف والحظوظ، في درجات الشدة والرخاء، وفي تفاصيل الحياة التي تبدو أحيانا فاصلة بين إنسان وآخر، لكننا نتشابه في ذلك الخيط الخفي الذي يشد كل إنسان إلى الآخر. نشعر بالخوف والحب والفقد والحنين، ونحلم بالأمان والحرية والفرح، وإن اختلفت حكاياتنا وطرائق تعبيرنا عنها.

وما يميز الفنان عن غيره ليس أنه يمتلك أحاسيس لا يعرفها الآخرون، بل أنه يمتلك قدرة استثنائية على اكتشاف ما هو مشترك بيننا، والتعبير عنه بلغة تجعلنا نرى أنفسنا في مرآة لم نكن نعرف بوجودها. هنا يبدأ الفن، وهنا تكمن إحدى بهجات الكتابة.

ولعل توماس هوبز، حين تحدث عن اللذة والألم باعتبارهما من المحركات الأساسية للسلوك الإنساني، كان يضع أيدينا على جانب من هذه الطبيعة المشتركة. فالكائن الحي يسعى إلى ما يمنحه اللذة ويتجنب ما يلحق به الألم، غير أن الإنسان لا يظل أسير هذه الثنائية في صورتها الغريزية. إذ تتسع لديه دوائر اللذة لتشمل المعرفة والثقافة والجمال، كما يتجاوز مفهوم الأمان مجرد النجاة من الألم إلى مقاومة القهر والظلم والاستعباد. وقد يبلغ به الوعي أن يضحي بحياته من أجل الحرية والعدالة، فيصبح المعنى أحيانا أسمى من مجرد البقاء.

ومن هنا تتسع مساحة الفن، لأنه لا يكتفي بتسجيل ما يحدث للإنسان، بل يذهب إلى ما يحدث في داخله. إنه يحاول الإمساك بتلك اللحظات التي تعجز الحياة اليومية عن منحنا الوقت الكافي لفهمها، ويعيد تقديمها لنا في صورة أكثر صفاء وعمقا.

لكن إذا كانت الأحاسيس مشتركة بين البشر، فما سر البهجة التي يمنحها الفن؟ لماذا نشعر، ونحن نقرأ قصيدة أو رواية، أو نستمع إلى لحن، أننا نلتقي بأنفسنا من جديد؟ ولماذا قد تهزنا حكاية إنسان لم نعرفه قط، كأنها تحكي شيئا دفينا من حياتنا؟

ربما تكمن الإجابة في المسافة بين ما نقوله وما نريد أن نقوله. فاللغة المباشرة تستطيع أن تنقل المعنى، لكنها لا تستطيع دائما أن تنقل ظلاله وما يختبئ خلفه من مشاعر. وقد لفت رولان بارت الانتباه إلى هذه المسافة في حديثه عن الكتابة ودرجاتها، فاللغة الأدبية لا تكتفي بأداء وظيفة التواصل، وإنما تمنح الكلمات حياة أخرى، وتجعلها قادرة على الإيحاء بما يتجاوز معناها المباشر. فالفن لا يقول كل شيء، بل يترك لنا مساحة لنكتشفه، ولا يشرح الإحساس بقدر ما يوقظه في داخلنا.

وهنا ربما نستعيد تعريف تولستوي للفن بوصفه وسيلة لانتقال المشاعر من إنسان إلى آخر. فالفنان لا ينقل إلينا فكرة مجردة، وإنما يجعلنا نعيش إحساسا لم نكن طرفا في تجربته الأولى. وحين تنجح الكتابة في ذلك، لا يعود النص ملكا لصاحبه وحده، بل يصبح مساحة مشتركة بين من كتبه ومن يقرؤه.

وهذا ما يقترب منه تفسير عالم النفس مصطفى سويف للفن باعتباره سعيا للأنا إلى استعادة نحن. فالإبداع والتلقي، في جوهرهما، محاولة لاستعادة الوحدة الإنسانية التي تبددها الحياة وتفرقها المسافات والظروف. الكاتب حين يكتب، والقارئ حين يقرأ، يلتقيان في مساحة لا تحتاج إلى معرفة سابقة أو قرابة أو اتفاق، إذ يكفي أن يكون هناك إحساس صادق يستطيع أحدهما أن يوقظه في الآخر. وهكذا تتراجع العزلة، ولو للحظات، ويكتشف الإنسان أنه ليس وحده في هذا العالم.

لكن بهجة الكتابة لا تتوقف عند هذا اللقاء الإنساني، فثمة سر آخر ربما يكون أكثر خفاء يتعلق بعلاقة الفن بالزمن والذاكرة.

في حياتنا اليومية يمضي الزمن متتابعا، تتساقط أيامه من أعمارنا، ونظن أن ما مضى قد انتهى إلى الأبد. غير أن الذاكرة تحتفظ بما لا نستطيع الاحتفاظ به في الواقع، وتخبئ في أعماقنا أزمنة كاملة لا نعرف أنها ما زالت حية حتى تستدعيها رائحة عابرة أو مذاق قديم أو مشهد يشبه شيئا من ماضينا.

هنا يطل مارسيل بروست، الذي جعل من الذاكرة اللاإرادية أحد أهم مفاتيح عالمه الروائي. ففي روايته الشهيرة «البحث عن الزمن المفقود» لم يكن مذاق قطعة الحلوى المغموسة في الشاي مجرد تفصيل عابر، بل كان مفتاحا أعاد إليه عالما كاملا من الطفولة، بكل ما فيه من أماكن وأشخاص ومشاعر. لم يكن يستعيد ذكرى بعينها فحسب، بل كان يستعيد زمنا كاملا ظن أنه انقضى.

ولعل هذا هو ما يفعله الفن أيضا، لكنه يفعله عن وعي وحرفية. يعيد تركيب مفردات الحياة، وينقب في طبقات الذاكرة، ويستخرج من التفاصيل الصغيرة ما عجزنا عن رؤيته حين كنا نعيشها. فالفنان لا ينقل إلينا الزمن كما مر، بل كما استقر في الروح، ولا يرسم الأشياء كما تبدو للعين، بل كما تركت أثرها في النفس.

ومن هنا تصبح الكتابة نوعا من التنقيب في الزمن، ومحاولة لاستعادة ما ظننا أنه ضاع. وقد لا يكون الكاتب بصدد استعادة طفولته أو مكان بعيد أو إنسان غائب، لكنه حين يكتب عن هذه الأشياء يمنحها حياة أخرى، ويحررها من حدود اللحظة العابرة. كأنه يكتشف أن الحياة لا تتكون مما نعيشه فقط، بل مما يبقى فينا بعد أن ينتهي.

ولذلك تمنحنا القراءة بهجة خاصة، لأنها تتيح لنا أن نعيش أكثر من حياة، وأن نعبر أمكنة لم نزرها، ونلتقي أشخاصا لم نعرفهم، ونرى العالم من زوايا لم تخطر لنا من قبل. إنها توسع حدود وجودنا، وتمنح أعمارنا القصيرة مساحات إضافية من التجربة والشعور. وربما لهذا قال بورخيس إن القراءة من أشكال السعادة، فالكتاب الجيد لا يضيف إلى معرفتنا بالعالم فحسب، بل يضيف إلى قدرتنا على الحياة.

غير أن كل ذلك لا يتحقق بمجرد الكتابة، فليس كل ما يلمع ذهبا، وليس كل كلام أدبا، كما أن كثرة الكلمات لا تعني بالضرورة حضور الحياة في النص. ثمة كتابة تستهلك الكلمات دون أن تترك أثرا، وأخرى تقتصد فيها لكنها تفتح في أرواحنا نوافذ واسعة. الفارق ليس في الموضوع وحده، وإنما في صدق التجربة، وفي قدرة الكاتب على تجاوز ذاته الضيقة إلى تلك المنطقة المشتركة التي يسكنها الآخرون.

فالكتابة الحقيقية ليست استعراضا للمعرفة، ولا مجرد مهارة في ترتيب الكلمات، إنها محاولة لاكتشاف المعنى وسط فوضى الحياة، والإمساك بما يتسرب منا دون أن ننتبه. وربما كانت بهجتها الكبرى في أنها تمنحنا فرصة ثانية لنرى ما عشناه، ونفهم ما لم نفهمه، ونقول ما عجزنا عن قوله في وقته.

لهذا لا أظن أن الكاتب يكتب لأنه يمتلك إجابات نهائية، بل لأنه لا يكف عن البحث. يكتب ليقترب من نفسه، فيكتشف الآخرين، ويكتب ليستعيد زمنا مضى، فيكتشف أن بعضه لا يزال حيا في داخله. وكلما ظن أنه انتهى من حكاية، وجد وراءها حكاية أخرى، وكأن الكتابة لا تمنحنا الحياة مرة ثانية فحسب، بل تجعلنا أكثر انتباها للحياة الأولى.

وهنا نعود إلى السؤال الأول: من قال إنني لا أتحدث عنك حين أتحدث عن نفسي؟ …ربما كان هذا هو سر بهجة الكتابة. أن نبدأ من ذواتنا فنصل إلى الآخرين، وأن نكتب عن لحظة تخصنا فيجد فيها قارئ بعيد شيئا من حكايته، وأن نحاول إنقاذ ذكرى صغيرة من النسيان فنكتشف أننا أنقذنا جزءا من الذاكرة الإنسانية.

فالكتابة، في جوهرها، ليست مجرد حديث عن الذات، بل محاولة لاستعادة الإنسان من عزلته، والزمن من ضياعه، والحياة من عاديتها. وحين يحدث ذلك، لا يعود النص كلمات مكتوبة على الورق، بل يصبح حياة أخرى نعيشها معا.

……………………………

* نقلا عن جريدة القاهرة المصرية

 

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع