عبد الهادي عبد المطلب
تقديم..
بصراحة جارحة، نفتح لأسئلة التّغيير قلبا صاحٍ، وفكرا يقظ، لأنّها تحمل في طياتها مزيج من الخوف والتّردّد والصّراحة التي لا تخاف لومة لائمن لأنّها، غالباً، ما تُطرح بوصفها خياراً بسيطاً، بل نأخذها، هنا، بوصفها مغامرة وجودية تمسُّ الهوية والانتماء والكينونة والاستمرار، والعربي يقف منها وفي داخله أخلاط من الخوف والحنين والأمل والانتظار.
فالخوف ليس دائما خوفاً من التّغيير والجديد بقدر ما هو خوف من فقدان المألوف والمتعارف عليه الذي تطلّب سنوات من العمل والقبض عليه جمْراً ابتغاء للأمان وتجنب المجهول. وليس التّغيير في الوعي العربي مجرّد انتقال من حال إلى حال، بل هو عبور صعب، يجب أن تُحسب عواقبه بدقّة، فإن لم يمنحه الطّمأنينة والسكينة والأمان، فإنه سيُنظر إليه كعدوّ، لذلك حين يُطرح سؤال التّغيير، فإنّه لا يُستقبل بحماسة خالصة، ولا يُرفض مطلقا، بل يقف بينهما العربي حائراً يتجاذبه الخوف والتّردّد والرّجاء والانتظار، خوفُ الفقدان لا خوف التّحوّل، ومن ثمّ فإنّه يوثر البقاء في نطاق تجاربه ومكاسبه المضمونة النتائج، ويأمن غوائل المجهول وصدمات المغامرة.
السؤال بداية الوعي..
سؤال باتّساع المدى، يكبُر في أعيننا، ويتّسعُ ويتشعّبُ حدّ الخوف والدّهشة والوقوف حيارى أمامه خُرسٌ بُكمٌ، لا ندري ما الجواب المقْنِع، وما العمل الذي يزرع فينا حب المواجهة والمغامرة والتغيير؟
هل نخاف من السؤال؟ هل نخاف الفشل أم نخاف أن يكتشف الآخر حقيقتنا المرة والمخبوءة وراء عجزنا وأنانيتنا الفارغة، أم نخاف من مواجهة ذواتنا المتشظية؟
تتناسل الأسئلة كلّما تعمّقنا في النّظر إلى ذواتنا المهزومة والمهزوزة، وإلى الأسباب التي أوْرَثَتْنا هذه الحالات المعقّدة التي أصبحت جزءاً منّا، تُميِّزنا عن باقي الشعوب، منها التّاريخي والثقافي والنّفسي والاجتماعي، كلها، مجتمعة، تكالبت على الإنسان العربي، حيث وجدت مرتعاً خصباً للنّمو والدّفع به إلى الحضيض، لتخلق منه النّموذج الذي عليه اليوم، يسمع أكثر ممّا يتكلم، يستهلك أكثر ممّا يُنتج، ينتظر أكثر ممّا يُبادر ويطمئنّ أكثر ممّا يسأل.
السؤال بداية الوعي، ودخول حالة التّأمّل والنّظر، والسؤال المقلق لا ينتظر جواباً قاطعاً، بل يأنس للحظات التّريُّث والتّفكير، لأنه إعلان عن عدم الاكتفاء، وثبات اليقين، وإيذانٌ بدخول عالم المغامرة والاكتشاف. إنه رفضٌ للسّير مع القطيع وترديد الممجوج، إنه تحرُّر من التّبعية، وقلقٌ دائم يتجدّد، فمن لا يسأل يعش أبداً داخل إجابات الآخرين، يميل حيث مالوا، ويتَّبع الخطى، أثراً بأثر، وحذوَ النّعل بالنّعل. وحين يتوقّف الإنسان عن السؤال، تموت الدّهشة، وتختلط داخله الاتّجاهات فيتوقّف عنده الوجود، ويقف حيث هو، العالم من حوله يتغير ويتقدّم وهو يبتعد إلى الوراء يجترُّ ما تركه الأولون، يحرص على أن يبقى كما هو بعيداً عن التّغيير، بعيداً عن السؤال، لأن الوعي الحقيقي، ليس إيجاد الأجوبة النّهائية، بل أن نتعلّم كيف نَحيا بالأسئلة دون أن نفقد ذواتنا وطُمأنينتنا.
إن التّنشئة في كثير من المجتمعات العربية، بما أنها تهاب السؤال، فإنّها تمجّد الاستقرار والطّاعة واحترام الماضي والمألوف والمتوارث والمتوافق عليه، وكل تغيير يُعتبر مخاطرة ومغامرة خاسرة العواقب، وانعدام الحكمة في التّصرُّف، وخروجاً من منطقة الأمان التي بناها السّلف وحرص عليها الخلف لتظلّ في مأمن من التغيير والسؤال.
كما أن التّحوّلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثّقافية التي عرفها الوطن العربي، والتي ارتبط أكثرها بالفوضى والعنف والرّفض غير المبرّر، رسّخت في العقل العربي أن التغيير هو عدم الاستقرار، ينضاف إلى ذلك، أن هذا العقل لا ينهض على التفكير النقدي والإبداعي والحوار، بل يُشجّع على الحفظ والتّقليد والتّمسّك بأهداب الماضي الرثّة التي أضعفت مهارات التفكير، وأقبرت كفاءات المبادرات والإبداع، فأصبح ينظر إلى التّغيير بعين الريبة والشكّ والخوف، خصوصا في زمنٍ تلاشت فيه قيم الشفافية والمصداقية، وأصبح التّغيير عدوّاً لا ضمان لنتائجه ومآلاته.
والتّشبُّث بالمكتسبات ليس عيباً في حد ذاته، غير أننا لا نريده تشبُّثا منسوخاً يعيد إنتاج الحال كما هو وفرْضه على الحاضر، لأن المشكلة ليست في العيش والرِّضا بالحال، بل في رفض أسباب التّغيير ودخول غمار السؤال، ومواجهة الحاضر بأدوات فكرية تكتسي طابع النقد والتفكير الإبداعي، فحين يكون الاختيار واعيا، يكون التّمسّك بالماضي، لا للاختباء، ولا مجرّد عادات تركها السّلف للخلف، بل، يُنظر إليه باعتباره حقيقة كاملة للانطلاق في اتجاه السؤال والتحرّك والتغيير.
بين التغيير والخوف..
غير أن الخوف من التّغيير ليس صفة لصيقة بالعربي وحده، أو حكراً عليه، بل هو سلوك إنساني عام، فحين تتوفّر الحوافز، والحماية الاجتماعية، والاستقرار السياسي، والعدالة، والحرية، وتشجيع المبادرات والنّماذج النّاجحة، يسعى الإنسان إلى الابتكار والتّجديد والتّغيير. فهل، فعلا، يخاف العربي التّغيير؟
الخوف لا يكون نتيجة ولا سبباً، المشكلة ليست في التغيير نفسه، بل في طريقة صرفه وإدارته والإيمان به كوسيلة للتّقدّم والإبداع والمغامرة. الإنسان يحتاج لوقت كاف ليفهم الأمور التي تكتسي جِدّة ودهشة، ويتكيّف معها، إذ كل تغيير يأتي دون سؤال عميق يخلخلُ الثابت، أو تفسير لمراحل بناءه، يُشْعِر الإنسان بأنه فقد السيطرة على حياته، وأنه عبارة عن تابع وسط قطيع، لا رأي له، ولا يُحسن إلاّ النعيق والتّصفيق والضّحك والانتظار، أو حين يُفرض التّغيير من دون مشاركة، فيُحسب تهديداً للهوية وإضراراً بالمصالح المكتسبة، فيظهر الخوف من التغيير كآلية للدّفاع عن المكتسبات، والتّمترس وراء إرث الأجداد، وإبداع وسائل جديدة للتّمرّد والمواجهة والعصيان، والتّمسّك أكثر بما لديه، واعتبار كل تفريطٍ ضربٌ من الحمق والجنون وخسارة كبيرة. أما حين يُسمح له بالسؤال والمشاركة فيه، وفهم آليات التغيير وأهدافه ومواكبتها، يُشعره بأنه جزء من القرار، فيتحوّل إلى داعمٍ له، فالغموض والاستئثار بالرّأي يولّدُ الإشاعات خصوصا في زمن التسارع المخيف الذي تُخلّفه وسائل التّواصل الاجتماعي وتبادل المعلومات من دون التّأكّد من صحّتها، يصنع القلق ويؤجّج التّمرد، ويُوَرٍّث عدم الثّقة، ويُصعِّبُ الانتقال من الثّبات والجمود إلى التّغيير، ومن الرّضا بالحال إلى السؤال.
والتغيير ليس أرقاما تحصى، وخُططاً على المقاس تُنفّذ، وخُطباً تُدبّج وتُلقى، بل مغامرة واقتحاماً لمعاقل السؤال، واستعداداً لكل طارئ، وخسارات مُحْتملة على الإنسان أن يفهمها، ويخوض غمارها بوعي، فالاعتراف بذلك، يُخفّف المقاومة ويُهدّئ حدة الرّفض، لأن الإنسان بطبعه يؤثر البقاء في نطاق تجاربه المعروفة النتائج ليأمن غوائل المجهول وصدمات المغامرة. كما أن التغيير يبدأ بالاقتراب من السؤال، وتلمّس مواطن القوة فيه، بالاستماع إلى ذواته، ونزع أقنعته الكاذبة، والاقتراب من دوائر المغامرة. قد يفقد الانسان بعض علاقاته، أوبعض العادات والمعتقدات والأدوار التي تؤسس هويته، وهذا ما يُصعّب عليه الدخول في غمار التغيير خوفا من ضياع المكتسبات التي ربحها على مدار سنوات العمر التي خاضها محارباً ضد نفسه، وضد كل شيء يريد إخراجه من منطقة الظّل والأمان، مُتشبثاً بالمقولة الشهيرة «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، فلمَ التّعب والبحث والتّغيير، وكشْف حُجُب الغيب والمجهول الذي قد تكون نتائجه غير محتملة وصادمة، بل خيانة للذات والمعتقد والساري بين الناس همساً وجهرا؟ فالانسحاب الصّامت، والاستسلام والرِّضا بالحال، والركون إلى ما تركه الأجداد، والابتعاد عن مخاطر المغامرة التي لا تُحمد عقباها، العربي في حاجة إلى أن يكون صادقاً مع نفسه، يعترف بأخطائه وعجزه وخوفه، ويصْدق مع ذاته والآخر، ويعلم أن الطريق نحو التّخلّص من الخوف من التغيير، يوصل إلى تحقيق ما يبني المستقبل، ويسمح بالمشي والتّقدّم والثبات، وهنا أيضا يُلحّ السؤال، هل يصنع العربي التغيير فيكون أكثر قوة، أم ينتظر من يصنعه له على مقاسه، ويسير ضمن القطيع يُقلّد، يتّبع الأثر ويعيش الحياة كما يُرادُ ويُتوقّع له؟
العربي يُتقن التّبرير، يبرّر القيود، يبرر التّبعيّة والتّواكل، يبرّر الخوف، وهذا التّبرير يولّد التّوتّر بين ما يريد وما يُنتظر منه، لأن مشكلته الكبرى هي الانتظار، وليس أحسن من العربي من يُحسن الانتظار، انتظار من يبادر، انتظار من يصنع ويرسل له، انتظار من يرفع عنه الخوف، انتظار من يسوقه مع القطيع، وهو قابع هادئ البال، وهذا ما يصنع الأزمة التي تحاصره، الأزمة التي تصاحبه منذ الطفولة، تحاصره حين يريد أخذ قراراته، تحاصره الأسرة حين تحدد له مساره الدراسي والوظيفي، والزّواج، يحاصره المجتمع الذي يثمّن له الامتثال والرضوخ أكثر ممّا يُكافَأُ على الاختلاف والرأي الصائب المضادّ، لأن الخروج عن القواعد يُعدّ تمرّدا لا بحثا عن الذات، ولأنّ الحرية تعني تحمّل نتائج الاختيار، لذا فالاتباع أسلم وأقل قلقاً وضرراً وأكثر أمناً.
هنا يبرز سؤال آخر، هل المشكلة في المجتمع الذي يفرض قوانين التّبعية أو في الإنسان الذي يخشى أن يختلف على القطيع فيزيغ ويتيه ويضطرب مساره؟
الإنسان العربي بطبيعته ميّال إلى الدّعة والاستقرار، يخاف المغامرة والسؤال، يرى نفسه جزء من نظامٍ وُضِع له على مقاسه، لا يزيغ عنه إلاّ هالك، يعاقب إذا حاد عنه، تصله الرسائل الخفية، مشفَّرة وواضحة، توجّه مساراته، وتصنع منه قوالب إنسانية تَحِنُّ إلى الماضي وما كان، وترفض التّغيير والتّجديد، وتُقسِّطُ الحرية والكرامة بمقدار، وهنا أيضا يبزغ السؤال، من يتحمّل مسؤولية فشل التّغيير، المجتمع أم الإنسان؟ وكيف يجب أن تكون العلاقة بين الإنسان ومجتمعه، تابعاً، معارضاً، مندمجاً، شريكاً فاعلا؟
التغيير رؤية، تخطيط، تشارك وتشاور، والإنسان هو المجتمع وليس صدى له، بل عقله الذي يسال ويفكّر، ينقد لا ينفّد، مشارك لا مقلّد، يفتح المجتمع للإنسان سبل حرية السؤال، وحق الاختلاف، واحترام التفكير، فحين يخرس السؤال تتحوّل العلاقة بين المجتمع والإنسان إلى خضوع، والأصل أن تكون العلاقة بينهما علاقة انتماء، لا ذوبان وفقدان الذات والحرية، وعلاقة مسؤولية متبادلة ترعى الحقوق والواجبات، وتشجّع على التغيير.
كيف نفهم الصراع بين ما نريد أن نكون وما يفرضه الواقع حتى ندخل غمار التغيير الذي نريده؟
منذ الأزل، والإنسان يصارع ذاته والمحيط، يصارع على واجهتين، داخلية وتتجلّى في قيمه وأحلامه، وخارجية وتظهر في التزاماته، وضغوط ما هو اجتماعي ومادّي، وعندما يفكّر في التّغيير تتّسع المسافة بين الواجهتين، فيظهر التّوتّر، فيقف لحظات، يسأل، يلتفت، يقارن، يشارك، أم يصطدم، يتمرّد، يغضب، إمّا يستسلم للواقع والقطيع، أو يفكّر ليكون ما يريد، ويدخل غمار التّغيير، ويعيد تشكيل الواقع تدريجيا بما يخدم المستقبل.
الخوف مازال يوجّه قرارات الإنسان العربي، بل مازال يحيط به منذ طفولته إلى بناء أسرته، وزرعه فيهم، لتدور الدّائرة، فيصبح الإبن صورة من أبيه، لأن الخوف ليس مجرّد إحساس عابر، بل قوّة هدّامة قادرة على إعادة تشكيل طريقة تفكيره وتصرفاته وعيشه. العربي معجون بماء الخوف والانتظار، والميل تلقائيا إلى اختيار الطريق الأقل خطرا والأقرب إلى السكون، واستحضار الفشل والمجهول وتأجيل التّغيير، وكبح عجلة التقدم، لأن العقل الذي عجنه الخوف بدايةً، يبحث نهايةً عن الظلّ والاستسلام، وإعداد سيناريوهات توهمه أنه “واقعي”، فتصبح قراراته، بالتالي، أقل ارتباطا برغبته وتفكيره، فينمو بداخله الخوف ليظل صوته محبوساً، مقهوراً، محاصراً، يصرخ ولا صدى لصراخه.
خاتمة..
بناء على ما سبق، الإنسان العربي لا يعيش في دائرة خوف مغلقة، ففي داخله رغبة عميقة في المعنى والحرية والعدالة والانعتاق، ولا يرفض التّغيير في ذاته، بل يرفض التّغيير الذي يقتلعه من جذوره، أو الذي يُذيب هويته بدل أن يطوّرها، لذا فالسؤال الحقيقي ليس أن نُغيّر، بل كيف نتغيّر ونُغيّر من دون أن نفقد أنفسنا؟
فالتغيير لا يعني القطيعة مع الأصل، بل امتداد واعٍ له. تغيير يحافظ على القيم الجوهرية، لكنّه يعيد صياغة أشكالها بما يناسب العصر. فالثّبات على القيم لا يعني الجمود في الوسائل، والوفاء للجذور لا يقتضي العيش في ظلّها على الأبد.
وبعد، فأسئلة التّغيير في السياق العربي، ليست مشكلة نفسية بقدر ما هي معضلة ثقافية تحتاج إلى إعادة صياغتها، وتحيين أوراقها، وحين نفهم أن الهوية كائن حي يتطوّر، يصبح التّغيير فعلَ نضجٍ لا تمرُّد، وتجديد لا قطيعة. إن التّحدّي الأكبر الذي يواجهه الإنسان العربي ليس في مواجهة الجديد ودخول غمار التغيير، بل في امتلاك الشّجاعة لإعادة تعريف نفسه، والنّظر إليها بعيدا عن الشكل وما يحيط به من متاع، بل بتحديد المعنى ومواجهة السؤال.
…………….
*كاتب من المغرب












