زلزال إداري مدمر يهز أركان المكتبة البحثية لوكالة ناسا

library

ميلود عبدالرحمن بنعتيك*

أثار قرار[1] وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» إغلاق أكبر مكتبة بحثية تابعة لها، والواقعة داخل مركز «غودارد لرحلات الفضاء» بولاية ماريلاند، موجة واسعة من الجدل في الأوساط العلمية والأكاديمية والإعلامية، داخل الولايات المتحدة وخارجها. فالقرار، الذي دخل حيّز التنفيذ مطلع يناير/كانون الثاني 2026، لا يقتصر على إغلاق مرفق خدمي تقليدي، بل يمسّ أحد أهم مخازن المعرفة التقنية والعلمية المرتبطة بتاريخ برامج الفضاء الأمريكية، ويطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل حفظ التراث العلمي في عصر الرقمنة وسياسات التقشف.وقد تناولت وسائل إعلام دولية وفرنكوفونية عديدة هذا الحدث من زوايا مختلفة، بين من يراه خطوة إدارية ضمن خطة إعادة هيكلة شاملة، ومن يعتبره تهديدًا مباشرًا للذاكرة العلمية ولإتاحة المعرفة للباحثين. يستعرض هذا الإستقراء الذي بين أيدينا أبرز ما ورد في عدة تقارير صحفية صادرة عن مؤسسات إعلامية مختلفة، مع تحليل الخلفيات والتداعيات المحتملة لهذا القرار.

ماذا نعرف عن المكتبة موضوع القرار ؟

بحسب ما أوردته تقارير متطابقة في كل من NBC Washington وPeople.com وNumerama، فإن المكتبة المعنية هي مكتبة مركز «غودارد للمعلومات والتعاون»، والتي تُعدّ أكبر مكتبة بحثية في وكالة ناسا من حيث حجم المجموعات وعدد المستفيدين. وقد ضمّت المكتبة أكثر من مئة ألف وثيقة مطبوعة، شملت كتبًا تقنية، وتقارير هندسية، ووثائق مهمات فضائية، ودوريات علمية متخصصة، بعضها يعود إلى ستينيات القرن الماضي. وأشارت عدة وسائل، منها ActuaLitté وLes Numériques، إلى أن هذه المكتبة لم تكن مجرد فضاء للقراءة أو الإعارة، بل كانت جزءًا أساسيًا من البنية التحتية البحثية داخل مركز غودارد، يعتمد عليها مهندسون وعلماء يعملون على مشاريع حساسة، مثل تلسكوب «هابل» وتلسكوب «جيمس ويب» ومهمات رصد الأرض.

ماهي منطلقات قرار الاغلاق ؟

وفق ما نقلته NBC Washington عن مسؤولين في ناسا، فإن قرار الإغلاق يأتي في إطار خطة أوسع لإعادة هيكلة منشآت مركز غودارد، تشمل إغلاق عدد من المباني القديمة والمختبرات، بهدف خفض التكاليف التشغيلية وتحديث البنية التحتية. وتؤكد الوكالة، بحسب تصريحاتها الرسمية، أن التحول نحو الموارد الرقمية يجعل الإبقاء على مكتبة ورقية ضخمة أقل جدوى من الناحية الاقتصادية.كما شددت ناسا، في تصريحات نقلتها عدة وسائل من بينها People.com، على أن القرار لا يعني التخلي عن المعرفة، بل «إعادة تنظيم طرق الوصول إليها»، من خلال رقمنة المواد الأساسية، ونقل بعضها إلى مستودعات حكومية، وتوفير خدمات معلوماتية عن بُعد للباحثين.

ماهي تحفظات الاغلاق ؟

 بالرغم من صدور العديد من التطمينات الرسمية إلا أنها لم تُقنع عددًا كبيرًا من العاملين والباحثين. فقد أبرزت تقارير Les Numériques وNumerama وJournal du Geek مخاوف حقيقية من أن عملية «الفرز» المحتملة التي ستسبق الرقمنة قد تؤدي إلى التخلص من آلاف الوثائق التي لا تُعتبر ذات أولوية إدارية، رغم قيمتها العلمية أو التاريخية.ونقلت هذه الوسائل عن باحثين وموظفين سابقين في ناسا تحذيرات من أن جزءًا مهمًا من الوثائق غير مُرقمن أصلًا، ولا توجد له نسخ أخرى في مكتبات جامعية أو أرشيفات وطنية، ما يجعل فقدانه بشكل نهائي. ويرى هؤلاء أن المعرفة العلمية، خصوصًا في المجالات الهندسية، لا يمكن اختزالها دائمًا في صيغ رقمية دون فقدان سياقها التاريخي والتقني.

هل لقرار الاغلاق دلالة خفية ؟

تناولت عدة صحف، من بينها HuffPost France وLe Point، القرار من زاوية سياسية، معتبرة أن إغلاق المكتبة يندرج ضمن سياق أوسع من السياسات التي تُتهم فيها الإدارة الأمريكية بتقليص دعمها للمؤسسات العلمية والثقافية. وربطت هذه المقالات بين القرار وسياسات سابقة طالت برامج بحثية ومؤسسات تعليمية، معتبرة أن ما يحدث يعكس توترًا متزايدًا بين متطلبات البحث العلمي ومنطق الإدارة المالية.في السياق ذاته، أشار Journal du Geek إلى أن الخطاب الرسمي حول «التحول الرقمي» يُستخدم أحيانًا كغطاء لقرارات تقشفية، دون توفير بدائل حقيقية تضمن استمرارية الوصول إلى المعرفة بنفس الجودة والعمق.

هل للإغلاق تأثير على الذاكرة العلمية ؟

سلّطت Numerama وLes Numériques الضوء على مفهوم «الذاكرة العلمية» باعتباره أحد أبرز المتضررين من هذا القرار. فالمكتبات البحثية، وفق هذه التحليلات، لا تحفظ المعلومات فقط، بل تحفظ أيضًا تطور الأفكار، ومسارات اتخاذ القرار، والأخطاء والنجاحات التي رافقت المشاريع العلمية الكبرى. وتحذر هذه الوسائل من أن التخلص من وثائق قديمة بدعوى أنها «غير مستخدمة» يتجاهل حقيقة أن كثيرًا من الاكتشافات العلمية الحديثة تستند إلى العودة لأبحاث سابقة، أو لإعادة تحليل بيانات قديمة في ضوء تقنيات جديدة.

كيف تلقى الاعلام الثقافي الفرنكوفوني لخبر الاغلاق؟

 تميّزت التغطية الفرنكوفونية، خاصة في ActuaLitté وTVA Nouvelles، بتركيزها على البعد الثقافي والمكتبي للحدث. فقد اعتبرت هذه الوسائل أن إغلاق مكتبة ناسا يمثل سابقة خطيرة، قد تشجع مؤسسات بحثية أخرى على اتخاذ خطوات مشابهة، ما يهدد دور المكتبات المتخصصة عالميًا. وأشارت هذه التقارير إلى أن القضية لا تتعلق بناسا وحدها، بل بمستقبل المكتبات البحثية في عصر تزداد فيه الضغوط المالية، وتُختزل فيه المعرفة أحيانًا في ملفات رقمية معزولة عن سياقها المؤسسي.

ما القاسم المشترك اتجاه قرار الإغلاق ؟

رغم اختلاف الزوايا، تتفق معظم التقارير الصحفية التي تناولت الحدث على نقطة مركزية وهي أن إغلاق أكبر مكتبة بحثية في ناسا ليس مسألة إدارية عابرة، بل قرار ذو أبعاد علمية وثقافية وسياسية. فحتى الوسائل التي نقلت الموقف الرسمي للوكالة، مثل NBC Washington، لم تُغفل الإشارة إلى حجم الجدل الذي أثاره القرار، وإلى الاحتجاجات الصامتة داخل الأوساط البحثية.

هل هناك من حل في الأفق ؟

أحد المحاور المشتركة في أغلب المقالات يتمثل في التشكيك بقدرة الرقمنة وحدها على تعويض المكتبات التقليدية. فبينما تعترف التقارير بأهمية التحول الرقمي، إلا أنها تحذر من التعامل معه كحل شامل، دون استراتيجيات واضحة للحفظ طويل الأمد، وضمان إتاحة البيانات، وحماية السياق العلمي للوثائق.

 هل لقرار الاغلاق امتدادات مستقبلية ؟

يرى محللون، نقلت آراؤهم صحف مثل Le Point وNetcost-Security، أن هذه الخطوة قد تؤثر سلبًا على صورة ناسا كمؤسسة رائدة في دعم البحث العلمي المفتوح. كما قد تؤدي إلى إضعاف التعاون بين الوكالة والجامعات والمؤسسات البحثية التي كانت تعتمد على موارد المكتبة.

أسئلة عالقة  

في ضوء ما نشرته مختلف وسائل الإعلام، يمكن القول إن إغلاق أكبر مكتبة تابعة لناسا يعكس توترًا بنيويًا بين منطق الإدارة الحديثة ومتطلبات الحفاظ على المعرفة العلمية. وبينما ترى الوكالة في القرار خطوة نحو التحديث والكفاءة، يرى منتقدوها أنه مخاطرة قد تؤدي إلى فقدان جزء لا يُقدّر بثمن من التراث العلمي الإنساني. وتبقى القضية مفتوحة على تساؤلات كبرى:

هل تستطيع الرقمنة وحدها أن تحل محل المكتبات البحثية التقليدية؟

وهل يمكن للمؤسسات العلمية أن تحافظ على ذاكرتها دون فضاءات مادية مخصصة للمعرفة؟ ما هي آثار تعميم مثل هذا القرار على مستقبل مهنيي الكتاب والمكتبات ؟

أسئلة تتجاوز حدود وكالة ناسا، وتمسّ مستقبل البحث العلمي ومهن الكتاب والمكتبات في العالم بأسره.

…………………

[1]  وكانت صحيفة نيويورك تايمز هي السباقة في نشر الخبر على موقعها بتاريخ 31 دجنبر 2025

*الكاتب ممارس مِهَنِي في مجال الكتاب والمكتبات

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع