رواية “أصل الأنواع”.. ديستوبيا الاطراف المبتورة في زمن الرئيس

أصل الأنواع

منير الحايك

«لم يعد السرد يهدف إلى حكاية قصّة، بل إلى استكشاف شروط الوعي وأنماطه»، حسب جيرار جينيت، ولأنّ «الرواية هي ملحمة عالمٍ تخلّى عنه الإله» حسب جورج لوكاتش، نجد أننا لا يمكن أن ندخل في تحليل رواية ديستوبية وغرائبية وسياسية واجتماعية، يعود فيها الأموات ويفقد الأحياء الشعر والأطراف جميعها، وتعلَّق صور الرئيس وتنتشر أشجار الميلاد بمناسبة ذكرى ميلاده، إلا من خلال هذين القولين، فما شروط الوعي وأنماطه التي قدمتها رواية «أصل الأنواع» (منشورات حياة 2025) لأحمد عبد اللطيف، وما دلائل موت الإله في هذه الملحمة الروائية؟

تبدأ القصة مع «رام» الذي يفقد شعر رأسه وجسده ويكتشف ذلك أثناء استحمامه، وهو المهندس الذي ينفّذ خطة تطوير المدينة، التي تتضمن تدمير المقابر، ومعه تدخل قصة «بتشان» المخبر/بائع الخضار والفاكهة الذي يفقد أصابع يديه، و«يحيى الحافي» لاعب كرة القدم الشهير، الذي يفقد أصابع قدميه، نعرف الكثير عن الرجال الثلاثة، ومن خلال هذه المعرفة نتعرّف إلى شخصيات نسائية، نيفين ومريم، وناريمان وفاتن، ونادية قليلا..

لا يعرف أحد سبب فقدان الأطراف، بل إنّ كل أبناء المجتمع يفقدون أطرافهم، الأصابع جميعها والشعر، والنساء يفقدنَ صدورهنّ، والرجال تموت «بلابلهم» كما تمّ الوصف في الرواية، ولكن الثابت الوحيد، أن صور الرئيس والدعاء له والتأكيد على إنجازاته تبقى حاضرة بين قصة وأخرى، وبين تطوّر أحوال الناس وحالات الفقد الجماعية للأطراف، وأكثر من ذلك، تعلَّق أشجار كأشجار الميلاد استعدادا لذكرى مولده، على الرغم من أن الذكرى بعد عدة أشهر.

قسَّم عبد اللطيف الرواية إلى أيام أسبوع الآلام، حسب الطقوس المسيحية، أحد الزعف، واثنين وثلاثاء البصخة، وأربعاء أيوب وخميس العهد، والجمعة العظيمة وسبت النور، وتنتهي الرواية مع أحد القيامة، وهو لم يلجأ إليها ويقسم نصه على أساسها مقحما تلك العناوين، بل إنها كانت بالفعل الخطة الرئيسية التي بنيت الرواية على أساسها، وليس لقيامة «رام» عن صليبه في «أحد القيامة» ووداع مريم واللحاق بنيفين سوى نهاية مقصودة، مشغولة بدقّة من كاتب أراد أن يعيد كتابة واقع البلاد، من خلال تاريخه، على عكس ما هو سائد من استحضار للتاريخ وأحداثه وشخصياته، وهنا تكمن جِدّةٌ وابتكار من نوع عميق ومدروس ومسؤول.

أقول إن صفة «مسؤول» تناسب النصّ، فصاحبه غاص في أعماق سيرة «يسوع» الذي بالفعل عاش أسبوع الآلام هذا (أو شُبّه لهم لا فرق)، وأن يدخل كاتبٌ ويسمّي الأيام بأسمائها، ويصلب «رام» في النهاية ويعود ويقيمه من الموت، كان يعرف إنه يدخل مناطق خطيرة وعليه أن يخطو بنصّه وشخصياته بحذر، ولكن ما قام به أحمد عبد اللطيف كان بعيدا كلّ البعد عن الحذر، فقلم المحترف كان حاضرا في استحضار طقوس الدين، ولكن أن يصوّر الرئيس وعناصر أمنه كما صوّرهم في النصّ، مستحضرا سيرة «يسوع»، فهو أمر أخطر من أن يخطئ في أمور الدين، في هذا الزمن الصعب.

أعود إلى فكرة الرواية، يفقد أفراد المجتمع أطرافهم، ويعود الأموات بأكفان متربة وأخرى نظيفة، يسيرون إلى الأمام وإلى الخلف، تظهر علاقات حبّ وتعلّق وهوَس مرضيّ من نوع ما، مع رام ونيفين، ومع فاتن وناريمين ورام، أما مريم فتكون الخيال الوحيد الثابت في النصّ الخياليّ الغرائبي، ولكنها تضحى الحقيقة الوحيدة التي ستدلّ رام إلى النهاية التي تاق إليها. أما بتشان فمثّل طبقة الناس العاديين المنساقين، عمل مخبرا، وعندما أخبره رجل الأمن أنّ فقدانه أطرافه، وهو بالفعل فقدها، إشاعات، هزّ رأسه موافقا، وهنا تصوير لحال السواد الأعظم من أبناء البلاد البسطاء المقموعين المنقادين من غير وعي. ويأتي يحيى الحافي، لاعب كرة القدم، والذي استغلّ الحال الجديدة فطلب فتح الدكان الذي اشتراه وأهمله لأسباب نعرفها في الرواية، وقرر استيراد أصابع يدين وقدمين وسوتيانات بلاستيكية وباروكات بجودة عالية، فيكون قد ساهم في تدجين الناس والعمل على اعتياد الحال الجديدة، من دون اكتراث لطرح أسئلة، أو بحثٍ عن حقائق، طالما أنّ رجال الأمن ما زالوا موجودين بأطراف تطول وتكبر وتصبح أضخم.

الرموز كثيرة، والخوض في تفسيرها وإسقاطها على واقع بلادنا، في مصر وغيرها من هذه البلاد المأزومة، يحتاج إلى دراسات وليس إلى مقال، أما ما يمكن تأكيده فهو أنّ الرواية سارت منذ صفحاتها الأولى على وتيرة مقصودة، بطء، ثمّ حركة، ثمّ بعض التشويق، ثمّ سرعة مقصودة، فأسبوع الآلام يبدأ «بالشعانين» يرتاح الناس من بعده، ويقضون أوقاتا بالصلاة والاحتفال، ولكن مع قدوم الجمعة العظيمة إلى حدوث القيامة، تتسارع وتيرة المشاعر والأحداث ليقوم يسوع، وهذا ما قامت به الرواية، حيث نلاحظ أن «أيامها» الأولى في «أحد الزعف» طالت وامتدت على صفحات الرواية، من ثم تقصر وتقصر حتى تصبح ثلاث صفحات مع «أحد القيامة». والثابت أيضا هو قدرة عبد اللطيف على بثّ النقد الاجتماعي والسياسي أينما وجد له مكانا، لم يحشره بشكل مبتذل، ولم يرمّز دائما، ولعلّ استحضار الأموات الذين نُقلت عظامهم، ولم تنقل أرواحهم، حسب الرواية، كان من أعمق ما ورد، وهم من قاموا ببعض التخريب للأشجار، وهنا يمهّد عبد اللطيف لفكرة نهضة ما، ثورة ما إن استطعنا القول، يجب أن يقوم بها من اعتاد استخدام «أطراف» صناعية، مستغِلّا كان أم مستغَلّا أم مغلوبا على أمره، أم واعٍيا كوعي رام، الذي اعتذر عن إكمال مشروع الهدم والتشويه للمقابر وللمدينة، أي البلاد، ككلّ، فكان مصيره الصلب.

لم يحضر الإله كما يتوقَّع المتلقي، ولا الفكر الديني، بل إن «الملحمة» كانت حاضرة بكلّ خرافاتها ومبالغاتها، ولم يكن السرد هو الهمّ فقط، بل استكشاف شروط الوعي وأنماطه، حسب جينيت، فهمّ النصّ كان متركّزا على الوعي، ولعل استحضار يوم تنحّي عبد الناصر، وهتاف لسعد زغلول، هو أبلغ وأذكى ما قدّمه أحمد عبد اللطيف ليقول «رأيه» من دون تصريح ومن دون مواربة في آن معا.

استمرّ عبد اللطيف في أسلوبه بقراره عدم استخدام علامات الترقيم والوقف، وعدم استخدام الفقر والعودة إلى سطر جديد، فالفصل فقرة واحدة من دون فواصل ونقاط وعلامات أخرى، قد يطول إلى عدة صفحات، حيث يكون الأمر منهكًا في البداية، ولكنه يصبح متعةً، لأنّ فيه تحدّيّا للمتلقي بأن يفصّل الجمل، حسب أفكارها ومقاصدها، فتكون متعة من نوع جديد يختبره القارئ ويتحدى فيه قدراته التي لا مثيل لها في أيّ نصّ روائي آخر!

ولأنّ «أصل الأنواع» لم يكن مقتصرا على مضمون الرواية، بل إن الكاتب قصد تفصيلات معينة لا يسهل اكتشافها، فهو عنوَن الفصول بحروف الهجاء، وعندما انتهت لجأ إلى الأرقام، ومع الرقم 10 انتقل إلى العقود، من ثمّ المئات، فهي الأصول من دون «الأطراف» إن استطعنا القول، وهو ذكاء من الكاتب يُحسَب له، فأصل الأنواع موجود في كلّ جزئية من جزئيات النص، على الرغم من مأخذ «شكليّ» وحيد، وهو لو أنه لم يكمل بعد الـ100 بـ200 حتى 400… لأنها في رأيي كانت أطرافا، وكان من الأفضل لو بقي «أحد القيامة» من دون عناوين…

هذه رواية عن أصل الأنواع، ولكن ليست أي أنواع، بل أنواع «مصائب» بلادنا ومشكلاتها وحروبها وأزماتها التي لا تنتهي، ولأنّنا مع كلّ «نوع» نجد حلولا ونهجّن أنفسنا ويدجّننا «رئيس» المرحلة وعناصر أمنه، فإنّ الأموات سيعودون بين مرحلة وأخرى، وسنكون نحن أولئك الأموات في المستقبل، علّنا نستطيع تعديل مسار ما، لتسير البلاد نحو خلاص ما… في القيامة أو في الموت أو في أيّ «نوع» خلاص آخر!

……………….

*ناقد وروائي لبناني

*عن القدس العربي

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع