أسامة كمال أبو زيد
فى أيامه الأخيرة، كان السيد الخميسى يبدو كأنه يعود ببطء إلى صورته الأولى؛ ذلك الغلام النحيف الذى خرج يوما من خوفه القديم حاملا قلبه فوق كفه، ومضى فى الحياة كمن يمضى إلى قدر يعرف قسوته مسبقا. كان المرض يلتهم جسده يوما بعد يوم، بينما ظلت روحه، على عادتها، مشتعلة بذلك العناد الغامض الذى لازم شعره وحياته معا.
كان يحدثنى عن نفسه كأنه يستعيد مقاطع بعيدة من قصيدته الطويلة مع العالم. رأيته بالفعل ذلك الذى كتب يوما:
“وأنا أنا ذاك الغرير
غلام مترع بالحلم
يا نيل تذكرنى؟
أنا ذاك الغلام
أنا الولد النحيف
مكللا بالخوف
والأشواك”
كأن القصيدة لم تكن شعرا بقدر ما كانت سيرته الخفية. فمنذ بداياته، ظل الخميسى يحمل ذلك الولد المرتبك داخله، الولد الذى أرهقته الحياة مبكرا، وطاردته الهزائم والأسئلة، لكنه لم يتوقف أبدا عن الحلم، ولا عن مقاومة السقوط.
كان يقول لى إن المرض لم يعرف طريقه إليه إلا متأخرا. ظل يقاوم الحياة بجسد بحار عتيد، صلب ومعتاد على الاحتمال. لكن الهم، كما كان يردد، أكثر فتكا من المرض نفسه. الخوف على أولاده، والانشغال الدائم بالسعى وراء لقمة العيش، والعمل فى الشارع التجارى، والغربة فى السعودية، وصراعات السياسة، والأسفار المتواصلة بين مدن مصر وقراها، كل ذلك تراكم داخله ببطء حتى أرهق القلب والجسد معا.
وربما لهذا ظل الخميسى، حتى فى أشد لحظات انكساره الجسدى، محتفظا بتلك الصلابة التى اكتسبها مبكرا من حياته الأولى فى بورسعيد. كان يقول دائما إنه ابن مدينة صنعتها المواجهة، مدينة خرجت من اختلاط البحارة والصيادين والفقراء والحالمين، وإنه ثمرة لقاء حلوانى بسيط بابنة صياد من قرى بحيرة المنزلة. كان يرى فى تلك الجذور سر روحه المصرية المقاتلة التى لم تنكسر رغم كل ما مر بها.
ولم يعرف الخميسى، كما اعترف لى فى لحظات صفائه الأخيرة، معنى الحياة المستقرة. كان يرى نفسه مثل طائر بلا عش، يحط قليلا فوق شجرة خضراء ثم يمضى من جديد. بنى أعشاشا مؤقتة كثيرة، لكنه لم يعرف أبدا ذلك الأمان الكامل الذى يجعل الروح تستريح. ومع ذلك، ظل أولاده وطنه الوحيد، وحبه الأخير الذى لم يتبدل. كان يحبهم بذلك الصفاء الذى يشبه العبادة، ويخاف عليهم خوفا يفوق الوصف. وكان يؤمن أن الإنسان لا يملك فى النهاية سوى ما منحه بقلبه لمن أحب.
وحين اشتد عليه المرض، صار الجسد سجنا ثقيلا. جراحة كبرى، ووهن دائم، وعجز كامل عن خدمة نفسه. أخبرنى أن الطبيب أوصاه بالحركة حتى لا تنهشه قروح الفراش، لكنه لم يكن قادرا حتى على التقلب فى سريره. كانت مفاصله تؤلمه بعنف، وعضلاته تذبل يوما بعد يوم، بينما تتكاثر حوله العزلة كأنها قدر أخير.
وكان يتحدث عن ابنته بصوت يمتزج فيه الامتنان بالحزن. كانت تأتى إليه كل أسبوع بعد صلاة الجمعة، تحمل الطعام والدواء، تنظف جراحه، وتضع احتياجاته إلى جوار سريره ثم تمضى إلى حياتها وزوجها وطفليها. لم يكن يلومها أبدا، بل كان يردد دائما أنه يقدر تعبها وظروفها، ويدعو لها فى كل لحظة أن يحفظها الله ويعينها على قسوة الأيام.
أما هو، فظل يواجه وحدته بشىء من الكبرياء الصامت. لم يستطع التعايش مع من يخدمونه بالأجر، لا لعجز فى النفقة، بل لأن روحه لم تحتمل فكرة أن يتحول فى آخر العمر إلى رجل تحيطه الأيدى الغريبة. كان رجلا مستورا، كما يقول، لكنه لم يكن من أصحاب الثروات التى تفتح أبواب المستشفيات الاستثمارية المغلقة فى وجه الفقراء والمتعبين. حتى دواؤه الشهرى كان الوصول إليه مهمة شاقة، بعدما حرمه المرض من الحركة ومن القدرة على الذهاب إلى المستشفيات.
وكان أقاربه يزورونه كلما سمحت لهم الظروف، يساعدونه بما تسمح به أوقاتهم، بينما يخفى هو ألمه خلف امتنان هادئ يشبه الكبار الذين تعلموا كيف يتألمون فى صمت.
وحين كان يتحدث عن مرضه الغامض، “الفيبروميالجيا”، لم يكن يصف مرضا عاديا، بل معركة طويلة داخل الجسد. التهابات فى البروستاتا والمعدة والمفاصل، ضعف فى العضلات، اضطراب السكر، تآكل بطيء للمفاصل والعظام، وأدوية لا تنتهى. كان يردد كلام الأطباء عن الكورتيزون والاكتئاب ومتلازمة مقاومة الأنسولين، ثم يبتسم فجأة بتلك السخرية القديمة التى لم تفارقه، قائلا إنه، رغم كل شىء، لم يسمح للاكتئاب أن يجد طريقه إلى قلبه.
وربما لهذا بدا لى، فى تلك الأيام الأخيرة، كأنه يردد قصيدته دون أن ينطق بها. كان بالفعل:
“أنا سرب طير زاعق فى الليل
أحمل نشوة المجذوب
منذورا لموت دونه
شرف الجنود”
هكذا عاش الخميسى، وهكذا مضى. شاعرا يصرخ فى ليل العالم، حاملا قلبه المعذب مثل راية أخيرة. لم يكن يخاف الموت بقدر ما كان يخاف أن يخون حلمه القديم، حلم ذلك الغلام الذى ظل، حتى آخر أيامه، يبحث عن معنى للحياة وسط كل هذه العتمة.
وحين سألته مرة: لو اخترت لحياتك عنوانا، ماذا تختار؟
ابتسم بعد صمت طويل وقال:
“قبض الريح”.
كأنه كان يرى حياته كلها مطاردة طويلة لذلك المستحيل الجميل؛ الشعر، والحرية، والوطن، والحلم الذى يلمع بعيدا ثم يفلت دائما من بين الأصابع.
وحين أفضت روحه أخيرا إلى بارئها، بدا الأمر كأن ذلك السرب المتعب قد وجد، بعد رحلة طويلة من الصخب والوحشة، سماءه الأخيرة.










