البهاء حسين
بعد أن يرتدّ إليك بصرُك
بعد أن تُجرى جراحةً لتصحيح النظر
بعد أن يزرعَ الأطباءُ عدسةً فى كلّ عين
بعد أن ترى بوضوح
تعرف أنك شخصٌ محظوظٌ، حتى فى ابتلاءاته
:
فعلاً.. لكى تجد شيئاً عليك، أولاً
أن تفقده
،،
الابتلاءاتُ تصلُ بك إلى نفسك
من طرقٍ وعرة
لم يخبرنا أحد بعدُ كيف وصل
لا أحد يعرف كيف ينجو
،،
الرؤية بوضوحٍ تجعلك تفسّر الحياة لنفسك
مرةً ثانية
تجعلك تصدّق أن طالعك السعيد، الذى حدثك عنه المنجّمون
فى السنة الجديدة
قد بدأ
:
أنا مدينٌ للعدسات التى أيقظتْ النورَ فى عينى
أيقظت الماضى
أيقظتْ القاهرة
،،
مسكينةٌ القاهرة
تفقد ماءَ وجهها كل يوم
تحت الكبارى
كأنها مدينة متسوّلة
،،
تحتاجُ إلى عينين قويتين، كى لا تتوه يا صديقى
فى الزحمة
كى لا تطأ البول، تحتاجُ إلى القفز فوقه
،،
لماذا لا تصدّق أنك ستخرج من العتمة
سوف ترى الحياة، كأنها مخلوقةٌ للتوّ
ستكون لك ذاكرةٌ أخرى
،،
لم أكن عاطلاً تماماً عن الرؤية
لكنّى، منذ الطفولة، وأنا أكزّ على عينىّ
أحدّق من قريب، كى أرى
الأن صرتُ أمشى دون حاجةٍ إلى نظارةٍ سميكة
أمشى بفرحٍ كأننى أخطط الشوارع من جديد
حين أمشى فيها
شوارعَ واسعةً تتنفس بحرية
بلا غبارٍ، أو أحزان
،،
فى الزحمة
تصبحُ الشوارعُ مواسير
أنفاقاً طويلة، دون تهوية
لكنك تتأكد، من العرق، أن الحياة هنا رطبة
زنخة
كرائحة البول السائل على الأرصفة
،،
بعد الرؤية بوضوح
فى سن الخامسة والخمسين
ستعرف أنك ابن المشى
ابن السوق الذى دخلتَه وأنت طفل
ستعرفُ أن المدن، حين تشيخ
تصبح عاقة بالجميع ..
بالعجلات والخطوات والمثانة المحتقنة
:
لا شىء هنا سوى الدخان
تفرح لأنك تراه
لكن من سوء الحظ أن تفرح بشىءٍ تكرهه
،،
أنا مدينٌ للعدسات
لأننى رأيتُ نفسى
رأيتُ ذكرياتى تعبرُ أمامى
رأيتُنى أستيقظ
وألوّح لكل مكانٍ تواجدتُ فيه
لكل حبيبةٍ عشتُ فيها وعاشت فىّ
ألوّح من هنا لهناك
لـ” سوهاج “.. مسقط القلب
ألوّح لى
أنا الولد الذى أدمن الحب بالتخمين
لـ” صباح”، ألوح بأثرٍ رجعىّ
لأصابعها الطرية التى كانت تتركها تحت التختة، كى ألمسها
حتى يعلن الجرس انتهاءَ الحصة
ألوح لصدرها الذى لم تأتِ فرصة أبداً، لأرحّب به
كان صوت “عدوية ” وعبدالحليم حافظ يملآن الطريق إليها
وكان صدرها يملأ اليوم
أنتهى من المدرسة، وأعود من بيتنا البعيد إلى ” صباح”
كى أراها مرة أخرى
ألمس أصابعها بنهم، كأننى ألمسُ مستقبلى
وأعود إليها، بعد الدراسة، كأنها قريتى
أدمنتُ الحب
كانت دراجتى تكتشفُ الطريق معى
كانت يدى تحبّ نيابة عنى
اليد تسبق القلبَ فى العواطف
إذ لم أكن أرى سوى “السطوح” الذى تقف عليه “صباح “
لكنى على ثقةٍ أنها تلوّح لى
صادفتنى، مرة، فى الطريق
فأمسكتْ حلة الماء على رأسها باليد الأخرى
كى تلمسَ أيامى
كانت قد انقطعتْ عن الدراسة، منذ أسبوعين، وانقطعت بعد ذلك للأبد
وأنا كنتُ أخبىء لها الأيام التى غابت فيها
فى يدى
،،
مدهشٌ هو الحب بالتخمين
لكن النورَ الخافت فى العين لا ينقله
مدهشٌ هو التلويح
لا بد أن تجارى حبيبتك
أن تجارى يدها، رغم أنك لا تراها
لأن روح الحبيبة تسكن غالباً فى أصابعها
،،
ألوح من هنا لـ “صباح “
كى أخبرها أننى أصبحتُ شيخاً، أيقظت العدساتُ عينيه، ليرى الحياة مرتين
بالأبيض والأسود
والآن يراها بالألوان
،،
تتحول النجوم، حين تلمعُ، حين تراها بوضوحٍ، إلى حبيبات
لكنّ قلبى يؤلمنى
لأننى طوال العمر، لم أكن أرى النجوم
،،
صرتُ الآن فى المستقبل يا “صباح “
بل صار المستقبلُ خلفى
والقاهرة من حولى ومن فوقى ومن تحتى
ألوّح لها، من سطوح بيتى
فوق جبل المقطم
لكنّها لا تلوّح لى .