ديستوبيا المضارع: قراءة في «نظرية حسن مرعينيو» لمجدي نصار

magdy nassar

عزة سلطان

أصدرت دار العين في مطلع العام 2026 مجموعة قصصية بعنوان «نظرية حسن مرعينيو» للكاتب والناقد مجدي نصار. ومن الغلاف يستقبلنا رجل جالس على أريكة، حافي القدمين، في بيجامة تتّشح بالورود، وإلى جواره زجاجة، محدّقًا بعيدًا خارج الغلاف نفسه. وجه الرجل أخضر، ومن حوله تشتعل الألوان اللافتة: أخضر جذاب، وفوشيا فاقعة، وبنفسجي، وإطارات مزخرفة بغرز تذكّر بالخيامية ولافتات الأفراح الشعبية. كل شيء في الصورة يقول ابتهج، إلا الرجل نفسه بوجهه العابس، وغيوم الكدر التي تعكسها نظراته.

هذا التناقض ليس زخرفة، بل هو عتبة تلك القصص الست التي تضمها «نظرية حسن مرعينيو»، والتي تفعل بالقارئ ما يفعله الغلاف بعينه، حيث تقدّم واقعًا كابوسيًا وديستوبيًا في ثوب ملوّن، وتروي الحكاية كمن يحكي عن يوم عادي.

بعيدًا عن الكلاسيكية

اعتاد القارئ أن تكون الديستوبيا فعلَ مستقبل؛ ففي «يوتوبيا» لأحمد خالد توفيق كانت الأحداث تجري في المستقبل، وكذلك فعلها محمد ربيع في «عطارد»، وبسمة عبد العزيز في «الطابور». لكن مجدي نصار لا يحمل القارئ إلى المستقبل، وإنما يخلق كابوسه من فعل يومي، وحدث مضارع لا ينتقل معه الزمن.

تميل قصص نصار إلى الطول، فهي أقرب إلى النوفيلا، وهي الشكل الملائم لحدث يومي يكتظ بالشخوص والحكايات. تبدأ من قصة «حارة الحارة»، التي تغرق في واقع كابوسي، أو ديستوبي إذا أردنا الدقة، فالسكان العاديون جدًا سيتعرّفون إلى الحظر كما يمارسونه على مواقع التواصل، فينقل الكاتب سلوكيات مواقع التواصل إلى الحدث اليومي المعاش، وسط تفاصيل اعتيادية ووصف لكل شخص. وحين ينطق أحدهم بلفظ مخلّ فإنه يُحظر من الكلام، وهكذا يزداد عدد الممنوعين من الكلام وسط مراقبة الراوي الذي تعرّض لهذا الحظر كعقاب مؤسسي فرضته السلطة، التي تستمر في حظرها حتى تصل إلى حظر البكاء. وإذا كان ذلك في أول قصة، فإن قصة «ضحكة سيبو» تواجه الكابوس نفسه، حين تختفي ضحكة سيبو، فيستغل مديره ذلك ويصنع من الحدث تريندًا.

يؤسس الكاتب كابوسه متكئًا على عالم صار مشيَّدًا على مواقع التواصل وسلوكياتها، التي تخرج من الشاشة إلى الواقع، ويدخل الواقع إلى الشاشة بشكل تبادلي، في حين يعيش الأفراد كابوسهم الحالي، ويتحركون في واقع ديستوبي ساخر. فمجدي يؤطّر حكاياته بسخرية ترافق الشخصيات وأفعالها، ويختار شخصيات تسمّيها النخبة هامشية، ونصار نفسه يؤكد ذلك وهو يمر عليها سريعًا في فعل أو صفة أو موقف، ويحرص على ذكر عدد كبير جدًا من الشخصيات، بحيث يركض القارئ وهو يقرأ ولا يمكنه الإلمام بكل هذه الشخصيات، وكأن نصار أراد أن يصوغ عالمه كجزء من الواقع، ككل من تقابلهم في يومك ولا تلتقط منهم سوى جملة أو نظرة، ولا تذكرهم بعد ذلك.

في «عزبة مليكة» يخرج الموتى من قبورهم، تلك الافتتاحية التي تحيل القارئ إلى عالم الزومبي (الموتى الأحياء)، لكن مجدي يمارس حسه الساخر مجددًا، فهؤلاء الموتى الذين خرجوا جماعاتٍ من قبورهم عادوا لممارسة الأفعال نفسها، وسط قبول ورفض من ذويهم. في حين أن قصة «نظرية حسن مرعينيو» تأتي بكابوس آخر، فهناك امرأة كلما أكلت من بيت عرفت أسراره، وظلت تخفي السر، وحين شعرت بدنوّ الموت أعلمت زوجها بسرها، وحين امتدت يد الموت إليها قام زوجها “وغسلها وكفنها وحملها إلى القبر متبوعًا بجمع من الفقراء، لم يلحظ أيهم أن الجثة بلا رأس، ولم يعرف أحد أن الرأس كان يُطهى في اللحظة ذاتها في قدر كبير (…) وقبل انتصاف الليل، قامت بين الأثرياء معارك شرسة، هُتِكَ المكتوم، وكُشِفَ المستور”. إنها لعنة خروج السر إلى العلن.

تستمر كل قصة في صناعة الكابوس الخاص بها من ديستوبيا تتكوّن عبر القصص، ففي قصة «مركز حقوق الأشياء» سيكون من حق أشيائك توجيه اتهام لك، بما يتبعه من إجراءات تستدعي تدخل الشرطة.

تتشابه القصص في تلك الشخصيات التي تحيط بالراوي، هذا المزيج المدهش من سرد أسماء وسلوكيات، وكأن القارئ يقف في ميدان مكتظ وفي المقدمة راوٍ يعرف الجميع، بينما كل جماعة لديها كابوس يجثم عليها.

منطق التراكم

اختار مجدي نصار أن تكون قصصه أقرب إلى النوفيلا منها إلى القصة القصيرة؛ فالقصة القصيرة تعيش على اللحظة والمفارقة الخاطفة، وأما النوفيلا التي تحتاج إلى تراكم فهي شكل أنسب لمشروع مجدي نصار السردي في «نظرية حسن مرعينيو»، فتقديم النمط الكابوسي والديستوبيا الحاضرة يحتاج إلى توغّل في تفاصيل الشخصيات والوقت، لأن الروتين لا يصبح كابوسًا في مشهد واحد، بل بالتكرار؛ يومًا بعد يوم، وفعلًا بعد فعل، حتى يصير غير المعقول جزءًا من الأساس.

الطول هنا يمنح القارئ فرصة لأن يعتاد التفاصيل، تمامًا كما اعتادت الشخصيات. وفي اللحظة التي يلاحظ فيها القارئ أنه توقف عن الاستغراب، يكون النص قد حقق غايته.

السخرية كفعل موازٍ

لا يحكي نصار أحداثه الكابوسية بقتامتها، لكنه يمزجها بحس ساخر يمرّر عبره تلك القتامة؛ فهو لا يكسر فقط النمط المتعارف عليه في تقديم الديستوبيا كما عرفها القراء والنقاد على حد سواء، ولكنه يمزجها بسخرية تنعكس في التصرفات وردود أفعال الشخصيات وحتى طريقة السرد، حتى يمكن للقارئ أن يضبط نفسه مبتسمًا بينما هو يقرأ واقعًا أليمًا.

كما يمكن قراءة الحس الساخر الذي استخدمه نصار في قصصه وفق ما رآه باختين من أن الضحك والسخرية يكشفان نسبية السلطة وهشاشتها، فالقصص لا تعكس فقط علاقات الأفراد بعضهم ببعض، وإنما تعكس كذلك العلاقة مع السلطة، وهو ما اتضح بشكل كبير في قصتي «حارة الحارة» و«مركز حقوق الأشياء».

متى توقفنا عن الملاحظة؟

حين يقدم مجدي نصار قصصًا تغرق في الكابوسية، أو يصنع ديستوبيا آنية، فهو لا يبحث عن أسئلة كبرى، ولا يقدم توقعات، هو فقط يضع شخصياته دون بطل حقيقي، فالكل أبطال، ولا أحد يحاول تغيير الواقع، لكنه يتآلف معه، ويمضي فيما كُتب عليه، دون النظر إلى ما حوله، وما القادم، بما يتوافق مع رجل الغلاف الناظر بعيدًا بلا هدف، والساكن في مكانه بلا فعل، وكأن الجميع يتحركون في مقدّراتهم، دون ملاحظة لما حولهم أو سعي لتغيير شيء، فكل الأشياء المرعبة باتت عادية.

 

عزة سلطان

7 مقال
كاتبة مصرية من أعمالها: ـ امرأة تلد رجلا يشبهك ـ أحمد رجل عادي جدا ـ تماما كما يحدث في السينما…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع