د. إبراهيم عاطف
ديوان الشاعر المصري إبراهيم جمال الدين« فقير مبشر بالجنة» سيرة ذاتية شعرية، وينتمي إلى قصيدة النثر، ومن المعروف أن قصيدة النثر غربية المنشأ، ولقد ظهرت لتعارض النزعة الرومانتيكية، ونشأت في ظلال المدينة في مرحلة تشكل وعي مديني معبر عن معاناة الإنسان المعاصر، ونقلت قصيدة النثر عبر الوعي الشعري هامشية الإنسان داخل فضاء المدينة المعاصرة
تكشف سيمائية العنوان عن موقف ذات مهمشة وسط عالم سريع لا يشعر بوجودها، ويفتح عنوان الديوان منذ اللحظة الأولى آفاق التأويل، ويعبر عن موقف الشاعر من العالم، ولنطالع عبر قصائد الديوان كيف تمتزج خبرات الحياة اليومية مع الرغبة الشديد في مقاومة التقاليد والدعوة إلى تأويل العالم عن طريق اللغة الشاعرة، لنرى كيف تتشكل هذه العلاقة التبادلية بين فهم الذات وفهم العالم الخارجي في الوقت نفسه.
ويقول الشاعر في مطلع الديوان «اخترت هامشًا/ يليق بمتقاعد- لا يبدو عجوزًا- فقط/ امتلأ حد الرغبة في الموت»، وهذا العبور الشعري الأول داخل الديوان ينقل فلسفة الشاعر في الحياة، تلك الرغبة القوية في البقاء في الهامش بعيدًا عن صخب السلطة وشعبوية الجماهير، ولنرى كيف تشبعت ذات الشاعر من العالم ورفضها سطوة ثقافة الاستهلاك المسيطرة على قيم المدينة المعاصرة، وانتصار قيم الربح على حساب القيم الإنسانية، وكأن قصيدة النثر تقف أمام قبح العالم وتحاول بناء خيال ثقافي مغاير لما هو سائد. وهو ما نقرأه في معاناة الذات داخل المكان «أنام حتى يطلع الفجر/ أتسلل إلى حي راقٍ/ صناديق القمامة ملونة/ تمتلئ بعلب البيرة/ وزجاجات الويسكي تصلح زجاجات ماء/ وأكياس الأطعمة تصلح كحافظة طعام….. والشمس حين تصحو/ تقول للصغار: الفطور معد/ قالها وهو يبكي»، فالشاعر عبر رحلته داخل المكان يصور الأشياء المادية الظاهرة، ويقصد من حضورها الكشف عن معاناة الذات في علاقتها بالعالم الخارجي.
نتعرف من الديوان على نشأة الشاعر في قرية هادئة على ضفاف النيل، وكيف انتقل الشاعر من الحياة حول النهر إلى البحر، وهذا الانتقال المكاني يصاحبه انتقال دلالي من حياة النهر الهادئة إلى حياة البحر الصاخبة، يقول الشاعر عن ذلك الانتقال «وجه قروي/ حملته مراكب الشمس/ من أقصى الجنوب إلى الحد الفاصل بين المالح والعذب».
تحمل مفردة مكانية مثل (أقصى الجنوب) دلالة جغرافية وجمالية، وترصد كيف حدث الانتقال المكاني عن طريق المجاز الشعري إلى مكان جديد هو الحد الفاصل بين المالح والعذب، فالشاعر الذي يحمل وجه قروي، ومع كلوما يتضمنه الوجه القروي من هوية ثقافية ترتبط بالقرية الجنوبية على ضفاف النيل، وتنقل قصائد الديوان، معاناة الذات عند تصدع عالمها القديم، وعملية الانتقال المكاني إلى عالم جديد صاخب سريع الحركة بالعيش في مدينة ساحلة، كما نقرأ في الديوان «أنا النيليّ/ الذي خشه البحر/ في غفلة».
وتحمل مفردة (النيل) دلالة القداسة، فهو صانع الحياة بين الوادي والصحراء، وما يمثله النيل من مكان تلجأ إليها الذات طلبًا للراحة والهدوء، وهناك عنصر ريفي كامن في شخصية الشاعر يرتبط بمرحلة انتقالية في حياته داخل المكان، وانتقاله من الريف إلى المدينة الصاخبة، وما تحمله دلالة حضور مفردة (البحر)، وحضور قاموس التمرد على الذات وعلى العالم المحيط بها، ويوظف الشاعر ضمير المتكلم معبرًا عن انتقال مكاني ودلالي في قوله أنا النيلي إلى قوله« أنا بحر/ مالحُ متلون بالأزرق / هائج»، ومفردة نيلي تثبت هوية المكان من خلال ياء الملكية في مقابل تنكير لفظة بحر، وما تحمله مع دلالة العموم والشمول بما يناسب طبيعة البحر المتغيرة وغير الثابتة. و تتراكم دلالة مفردة البحر الصاخب مع رغبة الشاعر الدائمة في اللعب بالكلمات وإعادة تشكيل العالم عن طريق اللغة الشاعرة « ورقة بيضاء/ عالم مناسب/ بجهد قليل/ أشق في المنتصف بحرًا/ ماء أزرق/ صيغة خارج الزمن».
ترتبط جدلية الزمان والمكان بالاتكاء على الذاكرة، ونرى عبر قصائد الديوان كيف يظل الزمان هاجسًا في علاقة الذات بالعالم، فالكلمات تعلن حضور الأشياء وغيابها، وتكشف جوهر الوجود الإنساني، ودلالة الانتقال الطوعي من النيل إلى البحر تقترن مع الحمولة النفسية المرتبطة بالانتقال الإجباري والتهجير القصري لسكان مدن القناة بسبب هزيمة 1967، لنرى العالم من عيون طفل يعيش يوميات الحرب والتهجير، وكيف تمر لحظات العيد عليه، يعبر الشاعر في دفقات شعورية متتابعة عن هامشية الإنسان في زمن الحروب« هل من الممكن / أن تُوجل أحزان العام/ ولو ليوم واحدٍ؟ تستحم وترتدي ثيابًا بيضاء/ تجرجر أطفالك في ملا بسهم الجديدة/ وسط حقول الألغام/ وطوابير الفارين من أحزان مشابهةٍ/ تصلي للمحبة / تطوي صفحة النهر/ وتقرأ الفاتحة للراحلين» لنرى كيف عبرت قصائد الديوان عن معاناة الإنسان المعاصر في عالم تسوده الحروب والصراعات والمجاعات، ويأتي محملاً بلغة شعرية قادرة على توليد الدلالات اللانهائية، فتجربة الطفل المهجر من مدينة السويس لا تختلف كثيرًا عن تجربة الطفل الفلسطيني في غزة الذي يهجر من وطنه ويقتل، وقصائد الشاعر صادقة في التعبير عما هو حقيقي وأصيل، ومن هنا تكشف اللغة الشعرية الأصيلة عن جوهر الوجود الإنساني، فكلمة الشاعر الحق لا الكلمة المدجنة هي التي تحدد موقع الإنسان من العالم، ويظل هذا التجاور بين الموت والحياة هي المنطقة المثالية لنمو الشعر الحقيقي «الأرجوحة تجاور بائع السعف/ الفرحة في أعين الصغار/ توقظ الأحزان المؤجلة/ كإعلان مرتسم على وجوه الفارين:” عيد سعيد”.