خيري شلبي.. حكاء في قلبه ربابة

khairy shalaby

علي حسن

حوار عبر الهاتف؛ مع صيدلاني شاب، مثقف، قرأ أغلب تراث الأديب الكبير “خيري شلبي” (١٩٣٨-٢٠١١) كما قرأ لغيره من أدباء مصر، فوجدتها فرصة لأعرف ماذا يعني اسم “خيري شلبي” عند شاب يقيم خارج القاهرة، فقال في حماس مشوب بمحبة وانبهار:
(ياه.. أنت تسأل عن أديب مني، صوتي، صوت الدلتا، أديب أرى مصر بعينيّه، يسجل كل شيء بثقافة تتفق مع ثقافتي، غير متعالٍ، رغم ما بيننا من أجيال، لكنه تجاوز السنوات الطويلة بعبقريته، أصالته، تجاربه الصادقة، النادرة. هو الرحالة المصري “سندباد” القرن العشرين، لم يدع مكانًا في المحروسة إلا كتب عنه؛ نافذة نطل من خلالها على الشخصية المصرية، المعبر الحقيقي والصادق عن المصريين، آلامهم، طموحاتهم، القائل: “ساعات أتذكر عند النوم أني لم أكتب عن شخصية مصرية معينة، فأترك السرير لأكتب عنها قبل أن أموت”. إنه بعمق شديد يتناول “المكان”، المفتاح الأهم للشخصية المصرية، يُشرِح المهمشين، ملح الأرض فوق بيئتهم، يحلل التربة التي أنبتتهم، دون تعقيد وبأسلوبه المذهل.
المكان في أعمال الأستاذ “نجيب محفوظ” (١٩١١-٢٠٠٦) بالغ الأهمية، خاصة القاهرة، وتحديدًا حي الجمالية، بينما نراه خارج القاهرة زائرًا كما في “السمان والخريف” و”ميرامار”، أما عمنا “خيري” فهو المقيم، صاحب الجذور العميقة في التربة المصرية، يزهر بلون البيئة، يثمر بطعم وخصوصية المكان، دون اختزال صفة أو تجاهل حقيقة، مرآة تعكس الواقع بكل تفاصيله، بشع أحيانًا، إلا أنك تنغمس، تتورط، تحب أبطاله، تدافع عنهم، لأنه “أسطى” يتقن حرفته! تشعر بهذا التورط في عوالم الأمالي، زهرة الخشخاش، نسف الأدمغة. عم “خيري” تاريخ مكتمل، جيل تنوعت أطيافه، عوالم حقيقية، ساحرة، تعددت وتباينت).
هذا هو الأديب الكبير “خيري شلبي” الذي مد جسور التواصل بين قلمه الصادق المتجذر في أعماق البيئة المصرية وأجيال عاصرت انتاجه، وأخرى جاءت تحمل الكثير من التنوع والاختلاف، لكنها مثله تستمد الحياة من التربة ذاتها، فسحرهم جميعا بأسفاره، من “الوتد” في أعماق قريته الصغيرة، إلى “وكالة عطية” في دمنهور، يتجاوز الأسكندرية حاملًا حلمه الأكبر إلى القاهرة عاصمة الأحلام، لكنه يخاصمها، يستأجر حوشًا في مقابر منشية ناصر، يبني “الأمالي” وينسف “الأدمغة” يحكي عن وسط المدينة، عن الجوع والتشرد، حتى في “تقليب المواجع” يصيبنا بالمتعة، “موال البيات والنوم” في “صحراء المماليك، مع “زهرة الخشخاش” ننتشي بسحر الأربعينيات والخمسينيات!
“شيخ الحكائين”؛ الحكاء بالفطرة “خيري أحمد علي سعد شلبي عكاشة” مولود في الحادي والثلاثين من يناير ١٩٣٨ بقرية “شباس عَمير” مركز قلين – كفر الشيخ، وكانت ضمن مديرية الغربية. إنسان يكره الرسميات، يبغض السياسة، يعشق المهمشين، قضى فترات طويلة يستأجر غرفًا في فنادق رمسيس الرخيصة، ينام في المقاهي، يخالط أصحاب الحرف، حداد، نجار، قهوجي، سماك، عامل تراحيل، جامع القطن، خياط، مغسل أموات وتُربي! هذا الإنسان البسيط هو صاحب السبعين عملًا أدبيًا وفكريًا، ومئات المقالات في الأدب والنقد المسرحي، قدم بورتريهات لمئات الشخصيات. تُرجمت أعماله إلى عدة لغات، وشكَّل إبداعه الروائي مواضيع عشرات الرسائل والأبحاث في الجامعات المصرية والعربية وأوروبا، رشحته مؤسسة “إمباسادورز” الثقافية الكندية لنيل جائزة نوبل عن مجمل أعماله الروائية والقصصية.
عندما دخل عالم الأدب، كان عليه أن يختار بعناية اللقب الذي سوف يزين اسمه وأعماله، يقول:
“في هذه الفترة لمع نجم الدكتور “ثروت عكاشة” (١٩٢١-٢٠١٢) الذي كتب في بداية نشاطه الأدبي “سروال القسَّ” و”إعصار من الشرق” باسم ثروت محمود، ثم أصبح “ثروت عكاشة” بعد ثورة يوليو، فخشيت أن يعتقد القراء أن بيننا قربى، فاخترت “شلبي”، حيث الجد “علي سعد” كان الشماشرجي الخاص للخديوي “عباس حلمي الثاني (١٨٧٤-١٩٤٤).  
الجد “الشماشرجي”؛ “اللبيس” الذي يضع على جسد مولانا الخديوي ثوبه الشريف، كانت ترصده عيون القرية، المركز والمديرية بزمامها! “أفندي” تركي، يملك الأطيان والخدم، والأب يعمل في هيئة الفنارات بالأسكندرية، وفدي له ميول أدبية، عند بلوغه الستين، عاد إلى قريته، فكان نصيبة من تركة والده خمسة أفدنة، اختارها على الطريق، ولأنه ليس مزارعًا، واجهت الأسرة ظروفًا صعبة.
تزوج الأب أربع مرات؛ أنجبت إحدى زوجاته طفلًا، سماه “خيري”، لكنه لم يحتمل الحياة، فمات صغيرًا، والزوجة التي تركت الأسكندرية، لتضع جنينها وتستقر في القرية، لم تحتمل هي الأخرى حياة الريف، فطلبت الطلاق.
تزوج الأب من فتاة صغيرة؛ رزقه الله بطفل، فكرر اسم “خيري”! صار الطفل مراهقًا، الأم شابة والأب تجاوز السبعين، فبدأ يفتش عن عمل يتكسب منه.
انضم إلى “عمال التراحيل” من الفجر حتى غروب الشمس؛ يزرع في أرض شاسعة، يلتقط “دود القطن” أو يجني محصوله، فيعود منهكًا، يأكل وينام، تحت وسادته قروش قليلة!
أثناء الشقاء في الأرض؛ ينشد الشعر، تمامًا كما يفعل والده وقت الضيق والفرح، يقلده في حفظ أشعار شوقي وحافظ، مرددًا سير الأبطال في سرور رغم العناء!
أديبنا العظيم “خيري شلبي” احتار في حياته! ابن شرف وعز قديم! حسبه ونسبه لا ينكرهما أهل قريته، الفلاحين المناكيد، يعتقدون أنه يعيش في بحبوحة، بينما حقيقة الأمر أنه فقير، ترغمه الظروف كي يكابد من أجل لقمة العيش والستر! من هنا كانت علاقة “خيري” بوالده شديدة التعقيد، زادت خشونتها عندما وصل إلى الفرقة الثالثة بمعهد المعلمين في دمنهور ثم رُفت من المعهد بعد تعديه بالضرب على مدرسه!
البيت في القرية يحمل سمات عز قديم؛ جرامافون، آلاف الاسطوانات، كل منشدي ومطربي مصر.
مندرته يزورها الفلاحون كل مساء؛ يتسامرون، ينشدون سيرة الهلالي وعنترة، يحفظون الملاحم كما تحفظها المجلدات العتيقة، في كل ليلة يقرأ أحد الفلاحين ملحمة شعبية تمحو ما في قلوبهم من هزائم، ينصرفون بعدها في نشوة، ويكمل الصبي “خيري” قراءة الملحمة التي سحرته، وأنبتت الأمل داخله.
هنا آمن برسالة الأديب؛ ألا يكتب إلا ما يصنع الأمل في عيون المقهورين، يضيء للمهزومين طريقهم، يضع في نهايات دربهم شمسًا ساطعة، فلا قيمة لفن أو أدب دون أن يخلق للإنسان غده المشرق.
نساء القرية، كما في كل ربوع مصر، حكاءات بالفطرة، لفت انتباهه كيف تستهل الجارة حكاياتها مع جاراتها بعبارة “ما شفتيش اللي حصل!” ثم تحكي. المرأة في الريف هي شهرزاد التي لا تعرف لياليها انتهاء! يتلون وجهها بلون حديثها، صوتها، كل شيء يخدم روايتها، حتى المبالغة في الحديث! هنا تعلم الحكي، الإمساك بالربابة، يُنشد فيطرب، في كل حكاياته نجد عنترة جديد وهلالي مختلف، أبطالًا تناسب البيئة والزمان!
في المدرسة الابتدائية بالقرية؛ كان الأستاذ “محمد حسن ريشة”، صاحب الأثر الأكبر في تعلقه بالأدب، والحديث بالفصحى. ثم في “معهد المعلمين العام” بدمنهور، تعلق بأستاذه “الأنصاري محمد إبراهيم” مدرس اللغة العربية، الذي اكتشف موهبته في الشعر، واصطحبه إلى مقهى “عبد المعطي المسيري” الذي يرأس جمعية “أدباء دمنهور” فتعرف إلى أدباء وشعراء كبار مثل إسماعيل الحبروك (١٩٢٥-١٩٦١) فتحي سعيد (١٩٣١-١٩٨٩)، أمين يوسف غراب (١٩١٢-١٩٧٠) محمد عبدالحليم عبدالله (١٩١٣-١٩٧٠) القاص بكر رشوان. في “مراهنات الصبا” -الثقافة الجديدة ١٩٩٧- قال أنه أحد رواد مقهى المسيري، شاركه غرفة في بنسيون سيدة يونانية بالأسكندرية، عشق القصة القصيرة، حصد جوائز من “نادي القصة”، عمل بالتليفزيون كمساعد مخرج، سافر بعدها إلى الخليج، فكون ثروة، لكنه إعتزل الأدب!
مع الجمعية؛ سافر “خيري” إلى “نادي القصة” بالقاهرة، قابل يوسف السباعي (١٩١٧-١٩٧٨) وولج عالم الأستاذ يحيى حقي (١٩٠٥-١٩٩٢) فصار أستاذه وصديقه، يستقبله في مكتبه بمجلة “المجلة” وينشر قصصه.
في “معهد المعلمين” أيضًا قابل أستاذه “سعد دعيبس”، لكنه ترك المعهد قبل تتوطد العلاقة بينهما، فرافقه خارج المعهد، حدثه عن صلاح عبد الصبور (١٩٣١-١٩٨١) ونبهه إلى “أرخص ليالي” ليوسف إدريس (١٩٢٧-١٩٩١). كان ذلك نهاية الخمسينيات؛ فتوجه مباشرة إلى مكتبة الحوفي، استعار المجموعة، عكف على قراءتها، كلما أنهى قصة، نظر إلى صورة الطبيب الشاب على غلاف “الكتاب الذهبي” ويتساءل: “كيف لطبيب ابن ذوات يكتب عن الفلاح بهذا الصدق؟”
كان هذا هو المنعطف الحاد في طريق “خيري شلبي” فمال به ناحية السرد هاجرًا الشعر، كما أنه ما زال يذكر نصيحة الشيخ “محمد زيدان عسر” شيخ القرية: “لك قدرة على الحكي يا خيري، اعلم أننا في زمان الحكي فيه يتقدم، والشعر يتأخر”.
كل هؤلاء لهم أكبر الأثر في مشواره الأدبي، كذلك زميل المعهد “مصطفى محمود حمدان” يقول عنه: “كان شعلة.. تصيبك من بعيد بحماسة وغيرة مقدسة، قارئ نهم، لا يُرى إلا وفي يده كتاب، في حصة الإنشاء، كان يرتجل كأنه يقرأ من كتاب، فيصيبنا جميعًا بالغيرة!”. لازمه “خيري” كظله، لا يرى كتابًا في يده إلا اشتراه أو استعاره، أو ينتظر حتى يفرغ من قراءته ليأخذه، دون انتظار رأيه!
عن طريقه عرف “خيري” مكتبة البلدية في دمنهور؛ صار ينهل من كتبها، يستعير ويتعلم، فيها قرأ بداية ونهاية لنجيب محفوظ (١٩١١-٢٠٠٦) فوجد ضالته، فهم الواقعية، علم أن الخيال هو تجميع الشتات والتنوع في مصر، وتجسيده داخل حي فقير أو أسرة صغيرة، ومنها بدأت رحلة التعرف على المجتمع المصري.
يشهد عم “خيري” أنه عشق القاهرة، تمنى أن يصبح قاهريًا، يعرف حواريها، أزقتها، دروبها، حين قرأ “قنديل أم هاشم” أذهله “يحيى حقي” كيف وضع ميدان السيدة زينب بكل تفاصيله على الورق؟
كذلك “نجيب محفوظ” حين تناول الجمالية، فكان تفرده حين كتب عن الباطنية وقايتباي في “بطن البقرة” وقريته شباس عمير والحاجة فاطمة تعلبة في “الوتد”.
كانت “جمعية أدباء دمنهور” تنشر مؤلفات الأدباء بالكوبونات، يعرف التكلفة فيصدر كوبونات بسعر الكتاب، يوزعها على الأصدقاء والقراء، فإذا تمكن من جمع قيمة الطباعة، دفع به إلى المطبعه ووزع النسخ. بهذه الطريقة طبع قصة “مأساة خالدة”، لكنها لم تنل رضاه، إذ شعر أن أسلوبه في الكتابة لم يتشكَّلَ، فبعد عن الكتابة سنوات.
في نهاية الخمسينيات قرر “خيري شلبي” الرحيل من دمنهور إلى الأسكندرية، فضاع ولم يجد خيرًا، فشد الرحال إلى القاهرة. في العاصمة وجد الأبواب غير مشرعة لاستقباله، ذاق التشرد، سكن الفنادق الشعبية، شارك السيناريست “وحيد حامد” (١٩٤٤-٢٠٢١) غرفة ضيقة في فندق أمام معهد الموسيقى، ونام في مقاهي وسط المدينة، حين عجز على تدبير ثمن الغرفة.
في جريدة المساء؛ اعتاد زيارة الأستاذ عبدالفتاح الجمل (١٩٢٣-١٩٩٤) الذي اشتهر بمساعدة الأدباء المغتربين، وبعد لقاء الشاعر عبد الرحمن الأبنودي (١٩٣٨-٢٠١٥) في مكتب “الجمل” والاستماع لشعره الغنائي، أيقن ألا طريق له مع الشعر، إذ وجده يقول ما تمناه، فبدأ المسرح.
رغم يقينه بأن الرواية عالمه؛ لم يرد البدء حتى يمهد لقلمه طريقًا يميزه، فظل أكثر من أربعة عشر عامًا يعمل في المسرح والمسلسلات الإذاعية، حيث وافق مدير الإذاعة على إعداد رواية “الأيام” لطه حسين كمسلسل إذاعي، في صوت العرب، بشرط الحصول على موافقة العميد.
وافق العميد؛ على أن يكون الحوار بالفصحى! وجد عمنا خيري استحالة قبول المستمع لحوارات بالفصحى بين الناس في المنيا، ففتش عن لغة وسط بين العامية والفصحى، تعلمها من أستاذه “يحيى حقي”. لغة عند قراءتها فصيحة لكن حين يؤديها الممثل خلف الميكروفون تصبح عامية!
داوم “خيري” على زيارة العميد في بيته كل يوم، يقرأ عليه ما يكتبه فيروق له، لكن العميد أيقن خديعة “خيري” عندما استمع للمسلسل في الإذاعة! نجاحها الساحق دفعه إلى الصمت.
سمع والد خيري المسلسل؛ المذيع يذكر اسم ابنه مقرونًا باسم عميد الأدب العربي:
“رواية الأيام، تأليف عميد الأدب العربي طه حسين، أعدها للإذاعة خيري شلبي”.
فرَق قلبه، وذاب جليد غلف مشاعره زمنًا طويلًا.
صار خيري إذاعيًا؛ فقدم أكثر من ألف مسلسل إذاعي لجميع إذاعات مصر، يقول: “لم أندم على هذا الوقت، وعدم توثيق هذه الأعمال في كتاب، لأنها كانت تدريبًا عمليًا على الرواية، التي عشقتها”.
تردد على سور الأزبكية؛ يمارس هوايته في التنقيب عن النادر من الكتب والأعمال المسرحية المفقودة. في مكتبة الشيخ “علي خربوش” بدرب الجماميز، اكتشف محضر التحقيق الذي أجراه المستشار “محمد نور” مع طه حسين حول كتابه “في الشعر الجاهلي”.
نشر “خيري شلبي” هذا المحضر في الهلال، بداية السبعينيات، بعدها فضل الأستاذ “رجاء النقاش” (١٩٣٤-٢٠٠٨) نشره في كتاب، فقدمه إلى عبدالوهاب الكيالي صاحب “المؤسسة العربية للنشر” في بيروت، وفي غضون شهور قليلة نفدت الطبعة الأولى ( ٣٠٠٠ نسخة) فأعاد “خيري شلبي” طباعتها في دار المستقبل عام ١٩٧٣ قبل رحيل العميد بأيام قليلة.
اكتشف أيضًا مسرحية “فتح الأندلس” التي كتبها الزعيم “مصطفى كامل” (١٨٧٤-١٩٠٨) وأكثر من مئتي مسرحية نادرة. حاجته إلى المال جعلته يبيع أغلبها لناقد مسرحي شهير، بينما أدهشت المسرحيات المتبقية “بهاء طاهر” (١٩٣٥-٢٠٢٢) المشرف على البرنامج الثقافي في الإذاعة المصرية، فاقترح تقديمها في برنامج إذاعي بعنوان “مسرحيات ساقطة قيد” لأهميتها الفنية والتاريخية.
انغماس خيري في المسرح الإذاعي، والكتابات المسرحية، بالإضافة إلى دراسته للنقد المسرحي، أهله للعمل كسكرتير تحرير مجلة “المسرح”، كما طلب منه الدكتور فوزي فهمي (١٩٣٨-٢٠٢١) عميد المعهد العالي للفنون المسرحية في الثمانينيات، تدريس مادة النقد المسرحي لطلاب المعهد.
بعد هذه الرحلة؛ تخلص تماما من المسرح وانغمس في عالم السرد الروائي، فقدم أكثر من أربع وعشرين رواية منها السنيورة، الأوباش، الشطار، وكالة عطية، صالح هيصة.
قال عنه الأستاذ “بهاء طاهر”: “إنه ابتدع شكلًا أدبيًا لم يكن له سابقة، ولم يتبعه أحد فيه وهو المزج بين الحياة الشعبية الخشنة الممعنة في الواقعية والتحليق في الخيال مثل رواية “وكالة عطية”. وعن هذه الرواية تحديدًا يقول الدكتور جابر عصفور (١٩٤٤-٢٠٢١): “هي درة ما قدمه خيري شلبي، بيضة الديك لأعماله، حذف أي شيء في هذه الرواية المحكمة يفسدها ويجعلها تختل، البناء بالغ العفوية لكنه بالغ الإتقان”.
بينما يرى الأديب “جمال الغيطاني” (١٩٤٥-٢٠١٥) أن “بطن البقرة” هي أعظم أعمال خيري شلبي، حيث تظهر علاقته القوية والمباشرة بالمكان، أو بمكانين قايتباي والباطنية.
إن المناطق الشعبية والأزقة التي اكتشف كل شبر فيها، ومعاشرته لنماذج نادرة من المهمشين الحكائين بالفطرة، مثل الحاج أحمد السماك، جعلت كتاباته أحد أهم المصادر لفهم عبقرية الشخصية المصرية.

علي حسن

23 مقال
كاتب وقاص وروائي مصري. صدر له: ١ - مجموعة قصصية بعنوان "قطعة صغيرة من الشيكولاتة" صادرة عن "الدار" ٢٠١٦ طبعة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع