خمس قصائد..  لسامح قاسم

sameh kassem
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

سامح قاسم

(1)

كنا لوحةً لم يكتمل طلاؤها،

فرشاةً تلهثُ بين الضوءِ والظلال،

حُلمًا على جدارٍ قديمٍ

تآكلَت ملامحُه مع الوقت.

لكنَّ الألوانَ نفدت،

الأحمرُ ذَبُلَ على الشفاهِ اليابسة،

الأزرقُ تلاشى في سماءٍ بلا عمق،

الأصفرُ انطفأ كورقةِ خريفٍ متعبة،

والأخضرُ، تركناه خلفَنا

كحقلٍ لم نعُدْ إليه.

صار كلُّ شيءٍ رماديًا،

وصِرنا غُرباء،

كصوتٍ في غرفةٍ فارغة،

كظلَّين يتجاوران على الرصيف،

ولا يلتفتان لبعضهما.

من يصدّق؟

أن لوحةً كانت تضيءُ جدرانَ الأيام،

أصبحت ذكرى باهتة،

وعيونًا لا ترى

إلا الفراغ.

(2)

الحبُّ،

ليس قصائد طويلة،

ولا وعودًا تُلقى في العتمة،

ولا رسائل تُكتب ثم تُخفى

خلف الوسائد.

الحبُّ،

يدٌ تمتدُّ قبل أن تُطلَب،

عينٌ تراك في الزحام

وكأنك الوحيد في العالم،

صوتٌ يأتيك قبل أن تفتقده.

الحبُّ،

ليس معركةً،

ولا لغزًا يحتاجُ تفسيرًا،

ولا أبوابًا مغلقة بمفاتيحَ ضائعة.

الحبُّ أبسطُ من هذا كله،

كقُبلةٍ تُمنَح دون تفكير،

كضحكةٍ تنفلت بلا سبب،

كمطرٍ يتساقط

ولا يسأل الأرضَ إن كانت عطشى.

(3)

في ليالي الوحدة الطويلة،

حيث الوقت يتمدد كظل ثقيل،

تولد المؤانسة من أشياء صغيرة:

كتاب نصف مفتوح،

ضوء مصباح خافت،

أو صوت عصفور يتأخر عن نومه.

المؤانسة،

ليست في الوجوه الكثيرة،

ولا في الضحكات العالية،

بل في نظرة تفهمك دون كلمة،

وفي يد لا تخذلك حين تميل بك الحياة.

المؤانسة،

أن تجد شيئًا يشبهك في هذا العالم،

قصيدة تشعر أنك كتبتها،

أغنية كنتَ تعرف لحنها قبل أن تسمعها،

أو نافذة تطل على غيمة

كانت ترافقك منذ الطفولة.

المؤانسة،

أن يكون لديك ما تعود إليه،

حتى لو كان مجرد طيف،

حتى لو كان اسمًا

تكرره في قلبك بصمت.

(4)

يقولون إن بعض الجروح لا تبرأ،

بل تتعلم كيف تصير جزءًا من الجلد،

كيف تسكن في الجسد

دون أن تبدو واضحة.

وأن الندوب تحفظ ذاكرة الألم،

 تشتعل أحيانًا

بلا سبب واضح،

كذكرى غير مدعوة،

كخيط دخان

من نار ظننتُها انطفأت.

سيبرأ هذا الجرح.

فالوقت، مثل نهر،

يحمل معه الألم،

ويهدهد الحواف الحادة،

حتى تصير ملساء.

 سيبرأ هذا الجرح.

وأنا أبتسم،

وأضع يدي عليه،

وأنتظر.

(5)

لا شيء مهم يحدث بصوت عالٍ.

الحب، على سبيل المثال،

يبدأ بنظرة جانبية،

بابتسامة نصف خجولة،

بيد ترفع فنجان القهوة

ثم تضعه ببطء أكثر من اللازم.

الخسارة أيضًا،

لا تأتي بصوت مرتفع.

يستيقظ أحدهم في الصباح،

يتفقد هاتفه،

لا يجد رسالة كانت تأتي كل يوم،

يمضي إلى عمله،

ولا يدري أن حياته قد تغيّرت

إلى الأبد.

حتى الحنين،

لا يقرع الأبواب،

بل يتسلل مع أغنية قديمة

تسمعها بالصدفة،

أو مع رائحة عطر

تمر بها في الشارع،

أو مع كرسي فارغ

في مقهى اعتدت الجلوس فيه

مع شخص

لم يعد هنا.

الأشياء الأكثر أثرًا

تحدث دائمًا بهدوء،

تمر بجوارنا كأنها عابرة،

لكنها تترك في داخلنا

فراغًا لا يملؤه شيء.

……………

*شاعر وفنان تشكيلي مصري

 

مقالات من نفس القسم