حين يصبح الشعر مدينًا

magda hasaneen

د. شهيرة لاشين

منذ وقعت عيناي على ديوان «سيبقى الشعر مدينًا» للشاعرة المصرية ماجدة حسانين، الصادر عن دار الأدهم (2025م)، توقفت طويلًا عند عنوانه قبل أن أبدأ القراءة. بدا العنوان وحده مثيرًا للتفكير، كأنه اتهام يسبق القصائد ويؤسس لطريقة تلقيها؛ إذ يضع الشعر في موضع المساءلة قبل أن يمنحه حق الرد.

لطالما آمنت أن القرويين قلوبهم خضراء واسعة، تعرف بعضها بعضًا، وخصوصًا من كان أصيل التربة. وماجدة، لا أعرف قلبًا أشد اخضرارًا من قلبها؛ فكيف يأتيها هذا اليقين القاسي بأن الشعر سيظل مدينًا؟ مدينًا لمن؟ ولأي شيء؟

بعد أن تجاوزتُ فخ العنوان وشرعت في قراءة الديوان، وكانت أم كلثوم تغني بجواري رائعتها «أنت عمري»، أنهيت القراءة في جلسة واحدة وعلى مزاج رائق. حينها أدركت أن المقصود بالدَّين لا يُختزل في معنى واحد؛ إنه دين أخلاقي تجاه الألم الإنساني الذي تعجز القصائد عن الإحاطة به، ودين وجودي أمام هشاشة الحياة وسرعتها، حين تبدو التجربة أوسع من اللغة وأسبق منها. وهو كذلك دين جمالي، لأن الشعر، مهما بلغ من الإحكام، يظل محاولة للاقتراب من حقيقة أي شيء تتفلت في كل مرة. الأمر أشبه بمحاولة الكتابة عن لحظة فقد، أو عشق عميق؛ تكتب أجمل ما تستطيع، ومع ذلك يظل في داخلك إحساس بأن ما عشته كان أوسع مما كتبت.

بهذا المعنى، يتكشف وعي الشاعرة بحدود الشعر بوصفه مساحة إصغاء لا تقل أهمية عن كونه مساحة قول، وكائنًا حيًا قابلًا للمساءلة حين يعجز عن منح المعنى كاملًا، فيدفعها ذلك إلى مواصلة البحث عنه.. هل لأجل ذلك سيبقى الشعر مدينًا؟

«سيبقى الشعر مدينًا

للنساء اللواتي نزعن أرديتهن

بِعن أنوثتهن مقابل أجرة بيت

للرجال الذين نسوا أسماءهم

في طوابير المكاتب

وفي دفاتر الدين

وفي زنازين الوطن.

مدينا للسكارى

الذين نسوا طعم الخبز

لكنهم حفظوا مرارة الوطنية .

للعامل الذي خلع صوته في المصنع

وابتلعت ذراعه بين أنياب الآلات.

مدينًا للرجال

الذين يمسحون كرامتهم بحافة المقاهي

ويربتون على أكتاف خيباتهم

كما لو كانت كلابا ضالة»

هنا يتحول الشعر من كونه تعبيرًا جماليًا إلى كائن حي يعيش شعورًا أقرب إلى الذنب الوجودي؛ كأنه مهما قال، يظل مقصرًا عن سداد ما عليه. غير أن الشعور بالذنب لا يعني نقصًا في القيمة، وإنما علامة على حيوية التجربة وثرائها. فكلما اتسع الواقع وتعقّد، اتسعت المساحة التي تتحرك فيها الكتابة، فتدفعها إلى الاستمرار في السعي نحو المعنى الذي يراوغها دائمًا.

يحضرني هنا تصور فريدريك نيتشه الذي يربط بين مفهومي الدَّين والذنب، كما يوضح في “أصل الأخلاق”، حيث كان الشعور بالذنب مرتبطًا في أصله بالديون التي يجب سدادها، ثم تحوّل مع الزمن إلى ضمير داخلي دائم، حتى في غياب دائن محدد. وبهذا يغدو الالتزام الأخلاقي صورة من صور الدَّين؛ فالإنسان مدين للآلهة، وللوطن، وللآباء، وحتى للقمة العيش. وقد يمتد هذا الدَّين ليشمل محاولة فهم الحياة والوجود بوعي دائم، حتى في غياب الجواب الكامل أو المعنى النهائي.

الإنسان، هذا المخلوق الملقى في هذا العالم الذي لم يختر أن يوجد فيه، ووجوده ذاته يشبه تعاقدًا سابقًا على إرادته. مجرد الحضور يضعه في شبكة من المسؤوليات التي لم يوقع عليها، لكنها تحكمه مع ذلك، وتستدعي مساءلته المستمرة لذاته وعلاقاته بالعالم.

ويتجلى هذا المعنى في الديوان حين تتحول تجربة الحب، والموت، والذاكرة إلى مسارات تختبر الذات، وتدفعها لمحاولة سداد جزء من هذا الدين الوجودي تجاه الفقراء، والأمهات، والمقهورين، والعاشقين المهزومين، والنساء المنسيات، والموتى، وكل الوجوه التي لا يذكرها أحد.

«سيبقى مدينًا

للفقراء الذين نقشوا أسماءهم

على جدران المقابر

المنسيين في نشرات الجو

وفي صفحات الموتى

للواقفين على جداول القلق

بانتظار طمأنة.. لن تأتي»

ويصبح هذا الدين أكثر وضوحًا في المسافة الدقيقة بين الخاص والعام؛ بين التجربة الشخصية بوصفها اعترافًا، والواقع بوصفه سياقًا لا يمكن تجاهله. فالشاعرة لا تكتب حياتها كسيرة ذاتية مغلقة، وإنما باعتبارها مرآة لأسئلة أوسع: الأمومة، الزواج، الخيبة، السخرية من الأعراف، والتفاوض اليومي مع المجتمع. في هذا الإطار، تتحول الكتابة إلى مساحة أخلاقية، حيث يصبح الشعر مدينًا، والذات واعية بمسؤولياتها تجاه العالم والآخرين، وتسعى دائمًا للحوار مع الواقع، رغم إدراكها أن الكمال والسداد الكامل مستحيلان.

«أعرف اتجاه القبلة من ميل السنابل

أقيسُ الموسم بخطوات أبي

حين يعود من الحقل

تعبه كان ساعة الرمل في بيتنا

حين يجلس نعلم أن الشمس ستغيب بعد قليل.

كبرت على صياح الديوك

وتعلمت العد لا من الكتب

بل من فوارغ الرصاص

التي نامت على ظهري»

إذا تجاوزنا فكرة الدَّين قليلًا، وركزنا على أفكار أخرى يطرحها الديوان، وإن كانت تندرج ضمن أفقه العام، يمكن قراءة النص بوصفه قدرة لافتة على تحويل الحدث اليومي البسيط “الشمس، الديوك، خطوات الأب” إلى تجربة شعرية تمتد إلى بعد أخلاقي وإنساني، حيث ترتبط المعرفة بالمسؤولية، والذاكرة بالعدالة، والفرد بسياقه الاجتماعي. في هذا السياق، تبدو القراءة السطحية للطفولة مجرد مدخل أولي؛ فالنص يحمل في عمقه سؤالًا وجوديًا عن كيفية مواجهة العالم، وعن التعلم من الألم، وعن عبء الوعي المبكر بما يتجاوز سنوات العمر.

ومن هذا الأفق ذاته تتشكل مساحة المرأة وصوتها في الديوان. تميل صورة المرأة في كثير من الخطابات العاطفية إلى الذوبان الكامل في الآخر، غير أن الرغبة هنا تبدو واضحة وواعية بذاتها. تحب بصدق وقوة، حتى حدود التماهي، ومع ذلك تظل شخصيتها حاضرة، محتفظة بحريتها الداخلية، لا تتوارى خلف الآخر. الحب ينمو داخل مسافة محسوبة، تحرسها الكرامة ويصاحبها تساؤل دائم عن العدالة في العلاقة.

«لم أُخذل من قبل

لأنني ببساطة لم أعوّل على أحد.

أنا بنتُ “أبو سدّاح”

فرسٌ أصيل

والخيلُ الجامحُ لا يُحجَم.

امرأةٌ عصيّة على النسيان والترويض

ولا تُروى بضمير الغائب.

أنا هنا

لا ألتزم بروتين السكون

ولا أعيش على أطراف الحكاية

فأنا المتن، والتأويل، والقواعد».

    هنا، يتجاوز النص إعلان الاستقلال وقوة الشخصية ليكشف عن رؤية فلسفية للوجود والكتابة. الشاعرة تجعل من حضورها ووعيها تجربة أخلاقية؛ فالخيل الجامح، والتمرد على القيود، والتشبث بالذات، كلها رموز لحركة مستمرة نحو فهم الحياة والواجب تجاه العالم والآخرين.

«امرأةٌ عصية على النسيان

تتقن الصبر كما تتقن نساء قريتي

خَبز الفقد على نارٍ هادئة

حتى يصير صالحًا للبلع»

الديوان يؤكد أن المرأة في الشعر، كما في الحياة، تجاوزت القوالب التقليدية؛ ليست الملاك الطاهر الذي يُقدّس، ولا الفتنة التي تُراقَب وتحيط بها السكاكين. تنسحب الشاعرة بوعي وذكاء من هذين النموذجين لتظهر كاملةً كإنسان يغار ويتردد ويرغب ويخاف ويفكر ويشك. هي ذات واعية بحدودها، مدركة حقها في الرغبة، وحاضرة بقصورها ونواقصها قبل أي تصور للكمال، محافظة على ذاتها وسط شبكة التعقيدات العاطفية والاجتماعية.

«امرأةٌ مثلي باتت تغار من عناق كتفين غريبتين.

أتخيلك ترد تحية إحداهن وتبتسم

فتتشقق شفتي.

تريح كفك على ظهرها

فأقضي ليلتي أنزع من ظهري المسكين الخناجر.

تقبلها.. فيجف جذعي وأغصاني

وتأكل النيران أخضري»

حين تعترف المرأة برغبتها، بخوفها، وبغيرتها، تفكك خطابًا ثقافيًا فرض عليها صورة واحدة. هذا التحول يقترب من رؤية سيمون دو بوفوار، التي طالبت بإعادة المرأة إلى موقع الذات الفاعلة، بدل الصورة المصنوعة لها. يقوم هذا النموذج على الوجودية الحقيقية للمرأة، وعلى كيفية عيش تجربتها الداخلية بكل تعقيدها، من رغبات ومخاوف وضغوط اجتماعية. الشعر عند ماجدة يصبح مساحة لتفكيك الأعراف والمواجهات اليومية، وللتعبير عن الذات بمصداقية، متجاوزًا سرد الأحداث أو تقديم صورة جاهزة للقراءة، بعيدًا عن الاستعراض أو التزيين الأدبي.

«أمي التي لا تعرف الحياد

تقول إن العدالة مثل الخبز

إن لم نصنعها بأيدينا، جاع الجميع»

«كانت تقول لكل الناس عني:

نورا بنت الله ، ورثت عنه القوة واللين

لا تشكو .. وإن بكت فإنا مغرقون

نوال التي تحدث الله كصديق قديم

كانت تسأله:

“هل يمكننا تأجيل الموت

حتى ينضج أولادي من يتمهم الأول ؟”»

هنا تنكشف الجذور الأولى لقوة الشاعرة؛ فالأم منبع التكوين كله. حين تقول الأم: «نورا بنت الله، ورثت عنه القوة واللين»، تمنح ابنتها هوية روحية قبل الاسم. القوة هنا ليست صلابة جافة، واللين ليس ضعفًا، ومن هذه العلاقة الحميمة بالإيمان، ومن هذا النموذج الأمومي الذي يخاف على أبنائه من اليتم أكثر مما يخاف الموت، تستمد الشاعرة طاقتها وقدرتها على المواجهة. القوة التي تواجه بها العالم تبدو صدى لقوة أم تعلمت أن تخبز الفقد على نار هادئة، وأن تطلب من السماء مهلة إضافية لأجل أولادها.

في الوقت نفسه، ينفتح الخاص على العام، فتتحول التفاصيل اليومية إلى أسئلة وجودية، وتصبح الدعابة أداة للتفكير والاعتراف والمساءلة، كما يتجلّى ذلك في بعض القصائد التي يسودها حس ساخر، يجعل من الفكاهة وسيلة للمقاومة الهادئة ضد الأعراف والتوقعات الاجتماعية.

«في حفل زفافي

سألت أمي وهي تدمع:

“هل أنت متأكدة ؟”

ضحكت وأجبتها: “لا”

لكني اشتريت الفستان ولا يمكنني إرجاعه الآن».

«حلمت البارحة

أنني تزوجت من رجل آخر

استيقظت مذعورة

قبلت رأس زوجي وهو نائم

ثم صفعته بغضب:

كيف تسمح لي بالجمع بين زوجين ؟

أتريد سجني! »

بهذا الحس الساخر، تكتب الشاعرة حياتها دون ادعاء بطولة، وتعرّي المسلّمات الاجتماعية عبر الدعابة، فتغدو الفكاهة شكلًا من أشكال الوعي، وأداة مقاومة هادئة ضد المبالغات الرومانسية والتوقعات المثالية. حتى في الحلم، حيث تتزوج من رجل آخر وتنهض المفارقة الكبرى عند الاستيقاظ، تصبح اللحظة العاطفية مشهدًا ساخرًا يمزج الغضب بالحب، وتصبح تجربة الحياة اليومية نفسها مادة شعرية تدرك التناقضات الإنسانية وتُعالجها بروح مرحة، لكنها واعية تمامًا.

في هذا الديوان لا تبحث المرأة عن اكتمالها داخل الآخر، ولا عن خلاصها في الاعتراف العاطفي وحده. هي تكتب لتبقى يقظة، لتشهد، ولتحمل ما يعجز الواقع عن حمله. ليست البطولة هنا في النجاة من الألم، وإنما في القدرة على النظر إليه دون إنكار، وفي الاستمرار رغم معرفة أن العدالة مؤجلة، وأن الكمال فكرة بعيدة. بهذا المعنى، يقدّم الديوان شكلًا مختلفًا للوجود، وجودًا يعترف بنقصه، ويتحمل مسؤوليته، ويواصل السير في درب لا يصل إلى نهاية مكتملة، ومع ذلك لا يتوقف عن المحاولة.

أخيرًا، لا بدَّ من الإشارة إلى بعض التفاصيل التي منحت الديوان عمقًا إضافيًا:

–      أعجبني الإهداء في مقدمة الديوان، الذي جاء هادئًا وحمّالًا للمعنى، إذ كتبت الشاعرة: «إلى نورا، بنت نوال. وماجدة، بنت حسانين. إلى جدلية الاسمين، إلى هذا العمر الأربعيني المشحون بالإقبال والإحجام، إلى الشعر، مأواي.. أنا المطاردة من الخيبات». الإهداء يعكس الوعي بالذات، ويضع الشاعرة في موقع المطاردة الدائمة للتجربة والمعنى، وهو امتداد طبيعي للبعد الأخلاقي والفكاهي في نصوصها.

–      كما أعجبني التقديم الذي كتبه الشاعر والقاضي الليبي مفتاح العلواني، حيث قدم رؤية شاملة وواعية للديوان، وربط بين قضاياه ورؤاه ورسائله، مما يساعد القارئ على إدراك السياق الأخلاقي والفلسفي والوجودي الذي تتحرك فيه الشاعرة، ويمنحه إطارًا لفهم النصوص بوصفها مساحة للتجربة والمساءلة والتأمل.

كاتبة وباحثة مصرية، حاصلة على دكتوراه الفلسفة في التربية، تخصص مناهج وطرق تدريس التاريخ من جامعة المنوفية. تجمع في كتابتها…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع