سمر مرسي
بين عرش النمسا ونداء القلب.. من بين طيات الأثر والقصص التاريخية التي خلدتها الصحافة العربية القديمة، نستحضر حكاية «الأرشيدوق والراقصة»،
فهي ليست مجرد دراما ملكية، بل هي بيان إنساني حول ثمن الحرية وضريبة الاختيار. إنها قصة الأرشيدوق «سلفاتور»، سليل أسرة «هابسبورغ» الحاكمة في النمسا، الذي لم يجد نفسه تحت سقف القصور المذهبة، بل وجدها في لُجّة، أعماق المحيط وفي صدق المشاعر البعيدة عن زيف الألقاب.
روح متمردة خلف الجدران العالية
تبدأ فصول هذه القصة حين لم يستطع «سلفاتور» تحمل البروتوكولات الصلدة التي كانت تحكم حياته كأمير. لم يكن سلفاتور عسكريًا تقليديًا، بل كان يمتلك نفسًا ديمقراطية ترفض الظلم؛ فكان صوتًا مدافعًا عن حقوق الجنود البسطاء، منتقدًا لسياسة الإمبراطور «فرانز جوزيف» الصارمة.
هذا التمرد جعل القصر يحيطه بالجواسيس، محاولاً تدجين روحه التواقة للانطلاق، لكن القيود مهما كانت ذهبية، تظل في النهاية قيودًا.
وفي خضم هذا الصراع بين الواجب والذات، التقى سلفاتور بـ «ملي ستوبل»، فنانة شابة تعمل في أوبرا فيينا. لم تكن تملك جاهًا ولا مالاً، لكنها كانت تملك العفوية التي يفتقدها الأمير في عالم «التشريفات».
وقع في حبها، ليس كـ أرشيدوق يبحث عن عروس، بل كـ إنسان وجد أخيرًا النصف الذي يكمّل روحه ويفهمه دون حواجز.
حين ينتصر الإرادة على التاج.
كانت لحظة المواجهة مع الإمبراطور هي الاختبار الحقيقي. ففي عرف الملوك، كان زواج الأمير من فتاة «عامية» خطيئة لا تُغتفر. خُيّر سلفاتور بين مكانته المرموقة وبين قلبه، فما كان منه إلا أن فعل ما لم يجرؤ عليه أحد؛ خلع أوسمته الملكية ببرود تام، وأعلن تنازله عن كافة حقوقه في العرش، ليولد من جديد تحت اسم بسيط هو «جون أورث».
لقد أثبت للعالم أن الحب ليس ضعفًا، بل هو القوة التي جعلته يتخلى عن «صاحب السمو» ليكون «صاحب قرار».
الحلم فوق أمواج المحيط..
غادر العاشقان النمسا إلى لندن، وهناك توّجا حبهما بالزواج. لم يبحث «جون أورث» عن حياة الراحة بماله المهرب، بل اشترى باخرة وقرر أن يعمل «ربانًا» يقود سفينته بنفسه.
أراد أن يبرهن أن قيمته تنبع من كده وجهده، لا من نسبه.
وعندما أرسل إليه الإمبراطور عرضًا بالعفو مقابل التخلي عن زوجته، كان رده ملهمًا: «أنا الآن رجل حر من عامة الشعب، وسعادتي مع زوجتي أغلى عندي من تاج النمسا العظيم».
رحيل بطعم الأساطير
لكن القدر أراد لهذه الملحمة نهاية تليق بعظمتها. ففي رحلة بحرية نحو أمريكا الجنوبية، واجهت سفينة سلفاتور عاصفة مدمرة. ورغم شجاعته في مواجهة الأمواج، إلا أن البحر قرر أن يحتفظ بهذا الثائر وعروسه في أعماقه للأبد.
اختفت السفينة، واختفى معها الأمير الذي صار أسطورة، لتظل ذكراه درسًا خالدا: أن العظمة الحقيقية ليست في ما نرتديه من تيجان، بل في قدرتنا على اختيار طريقنا والتمسك بمبادئنا حتى الرمق الأخير.
لقد غرق الجسد، لكن حكاية «الأرشيدوق والراقصة» ظلت تطفو فوق سطح التاريخ، تذكرنا بأن الحرية تستحق دائمًا أن نبحر لأجلها، حتى لو كان الثمن هو الغرق.












