جنازة عابرة لسيدة عجوز

akram mohammed
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

أكرم محمد

اليوم فقط أدركت معاناة ألا تملك أخا.

حاولت تعديل الجملة، بما يليق بشواهد القبور، وأجساد فقدت عضواً مهماً: حياتها، اليوم فقط أدركت معاناة أن تقتل أخاك.

عندما استمع الحانوتي لم يفاجأ، يا للعجب، رجل ابن قحبة، اعتاد الموت، لهذه الدرجة التي تحول معها ظل مفردة “القتل” لظل جثة امرأة عجوز ماتت؛ لأنها بسن ينبغي فيه الموت، سن توقفت فيه دماؤها الشهرية عن الزيارة، ولم يعد لها حبيب، فقط كان لها جواب قديم كتبه حبيب متخيل؛ لأن أحدا لم يره ولم ير زمنه الملون بالأسود.

لم يسألني الحانوتي: ليه؟

لم يسألني بتطفل البسطاء: أنت قتلت، يا باشا؟

حملت نعش السيدة العجوز أمي وحدي، حمل النعش معي كل من مر بجانبي، لاحظوا ثقلها، علموا أنها بالضرورة سيدة عجوز سمينة ماتت مرتديةً عباءة مزهرة بورود خضراء ذابلة، نعم، كانت كذلك بالضبط، ثلاثة وعشرون عاماً كافية، لتكون امرأة عجوز. ذلك النعش كان سريرها، اعتادت النوم فيه لسنوات، بعد أن هجر أبي سريره، بهذه السهولة، لم أكن أتصور، بخيال طفل لم يكمل الستين بعد، أنه من الممكن هجر سريرك بتلك البساطة، كيف لرجل تغيير مناماته وأحلامه؟

ذلك النعش كان شارعها، شارع امتص أحلامها بعودة دمائها الشهرية، الوداعات العديدة لأطفال لم يولدوا بعد.

كل من حمل النعش معي بعد رؤيتي أركله بقدمي، وأدفعه بذراعيّ، أجره على الأرض، وأسحبه بحبل غسيل علقت عليه أمي بنطال أبي الكلاسيكي، ذكر الله، ودعا لها بالرحمة والمغفرة، غير أنها قدمت لله الكثير، لا تحتاج دعوات من يحملونها، ويخففون عني عبء جرها على الاسفلت؛ لصعوبة حملها وحيداً.. لو امتلكت أخًا؛ لحملها معي دون الحاجة لعبارات العابرين المقدسة، لكنه ما حدث.

لأن أبي كان نصف طفل ونصف رجل بالغ، وعلى العكس منه، كنت نصف رجل بالغ ونصف طفل، قرر يوماً مصارعتي، غير مبالٍ بفرق الأحجام بين أجسادنا، هو بجسد سمين لرجل بالغ، وأنا بجسد نحيف لطفل لم يولد بعد، لم أجد أي وسيلة للفوز سوى ضربه بقوة في عضوه المنتفخ، الذي رأيته مرة واحدة من خلف ستار الحمام فتعجبت من كائنه الضخم المنتفخ، الذي لا يشبه عضوي الصغير، حتى بعد عدة سنوات لم أجد مثل حجم عضوه بين مشاهير البورن.. لم أكن أعلم أن كلامه صحيحاً عندما أخبرني، وأنا بعد برحم أمي، بصوت تغير بعد ذلك لصوت معتاد للآباء عكس صوته وأنا بعد برحم أمي، كان صوتا يشبه أصوات ميكروفونات مساجد المدينة الصغيرة: اوعى حد يضربك في بتاعك، اللي بيتضرب في بتاعه بيموت.

لم ألتفت إلى قتل أبي، إلا بعد قتله بالفعل، هكذا عاش حياة بأسرها كنصف طفل ونصف رجل مخصي، بالأحرى، عاش النصف الثاني من حياته كطفل، فقط، تغلب النصف الأول على الثاني، انتصرت بضربتي الطفولية للطفولة ذاتها..

بعد تلك الحادثة كانت أمي تنظر مع عودتها من شرودها للتلفاز، تراقب إعلانات الفوط الصحية، تنظر لفتاة تحرك جسدها في مساحة ضيقة لا تحتمل كل هذا الجمال، مساحة تدعى التلفاز، تتمنى أمي لو ظلت تمتلك، بشيخوختها المبكرة، دماء تجتر بها أصنافا عديدة من الفوط الصحية، تجرب إحداها، تقول لزوجها إنها سيئة، تحمل رائحة الموت بها، تذكرها أن تلك الدماء هي دماء طفل نافق فقد رحمها، فكل قطرة دماء منتظمة هي وداعات عديدة، منتظمة أيضًا، لطفل فقد رحم أمه، زهقت روحه كعادة الأطفال الذين لم يولدوا، ولم تنتفخ بطون أمهاتهن لوجودهن. تريد صنفًا آخر، لونه أكثر أنوثةً، وردي، يحمل رسوم ورود زرقاء صغيرة، لكنها، لسوء الطالع، لم تملك تلك الدماء، لذا قررت العودة من شرودها، مرات قليلة أحصتها فأدركت أنها ثلاث أو ربما أربعة، تنظر للتلفاز، للمساحة الضيقة، تراقب الفتاة، تقول إنها الفتاة ذاتها التي قامت بدور الكومبارس مع أبيها بالفيلم الوحيد، الذي ظهر به ككومبارس أيضاً، “البت الكوفتس”، التي قال أبوها أن رائحتها كانت خرا.

بينما كان أبي يشاهد سرًا الكارتون بعيون طفل لن ينمو أبدًا، يقف، بجسده الضخم ليلًا عند نوم سكان المنزل وبعد عودته من المصنع، يرفع يده اليمنى في الهواء المنحسر بين حوائط المنزل، يركض بخفة، يرى بالحوائط العديدة للمنزل أعداءه، الأشرار دومًا في منطق الكارتون، يطلق قوته الخارقة، التي هي بالأغلب نور ينطلق من عينه ليقتل أشرار المدينة، يقعي بجسده الذي كان جسد رجل خارق على الأريكة الخشنة بنية اللون مرة أخرى متعبًا، يشاهد الكارتون مرة أخرى، يتابع كائناته السرية بنهم حتى ينام، عمرًا كاملًا بعد الحادث لم يقبل زوجته، لم يستلقي بجسده بجوارها ليلًا بينما يستلقي صباحًا. فقدت دماءها، لم تعد امرأة.

أتساءل أحيانًا كيف كان أبي كأب حقيقي قبل الحادث، كيف كان سيخبره: لا تأكل الحلوى بكثرة، حدث ذلك أحيانًا ليست بالقليلة، أن عاش أبوه كأب لا يشاهد الكارتون.

بدأ الحانوتي يتلو دعواته بحثاً عن مقابل رخيص لها، لن أعطيك، يا ابن القحبة، ما بينها وبين الله لا يحتاج لدعواتك المدفوعة:

لأعوام عديدة، قد تشكل عمرًا، أيقنت أمي أنها لن تعود امرأة أبدًا، ليس لعيب فيها، لكن أبي لم يعد رجلاً، أصبح طفلاً، أب يشاهد الكارتون، ما جعلني أضحوكة رجال الحي، حين يرون أبي يرتدي قميصاً يقطنه أحد شخصيات الكارتون، الآباء منهم، وأنا أرتدي بجواره جاكيتا جلديا وبنطالا كلاسيكيا أسود، قررت أن تحقق جنتها، جمعت غزل البنات، وهو بالأساس سحب فقدت سكرها بعد التقاط البائع لها، وقالت إنها ستعطيه للرب، ليرقع سماءه المثقوبة، فيهبها الجنة، هكذا فكرت جديا في وضع غزل البنات، الذي اقترضته من السماء، على قبرها، بدلا من الصبار، تأكيدا على العبارة المقدسة، التي تلتها بلحظات شرودها، عندما تحيك حكايات تؤكد صدق قداسة فعلها:

“يصعد بائع “غزل البنات” للسماء، فيقض مضاجع السحب، ويلمس مرابض قداسة السماء، ليقتطف حلواه تلك، الفاقدة، ربما منذ تكوينها في بدأ الزمان، مذاقها المعتاد، بعد تذوق البائع لها، قبل موته بعد التقاط السحب المحلاة، ليهب الأرض حلواه.”

بعد دفن أمه تأكد أن نعشها محاكاة نعش، قبرها، أيضًا، محض حفرة، لا يتسم بالقداسة اللازمة لميت.

كان كلما نسي مكان شيء يصنعه، حتى أصبح يحيا بعالم معاد الصنع.

قديمًا، نسي مكان رحم أمه، فسكن بمنزل.

نسي مكان ذلك المنزل، بعد عدة سنوات، فقطن محاكاة منزل، ذهب إليه بمحاكاة قطار، ابتاعهم من متجر لعب أطفال، قال للبائع: أريد حياة موازية، وبما يجدر ببائع وهم للأطفال قال: تلك الألعاب حقيقية جدًا، ولسوء الطالع، لم يقدر على تركيب قطع المنزل، النافذة البلاستيكية لم يجد لها مكانًا، هدم البيت، فظل شريدًا ينام على الأرصفة، التي ظلت تتضاءل بمرور الأعوام، حتى اقترب من النوم بين إطارات السيارات الليلية المسرعة.

يومًا، نسي ملامحه، فرسم وجوهًا عديدة لذاته، هي ذاتها وجوه العابرين، حتى ظن بكل مرة يتصدق أحدهم له بعملة معدنية أنه من يفعل ذلك، لم يشعر بالعار أبدًا من مكانته كشحاذ.

لم يقتصر الأمر عليه، فقد نسي اسم مدينته، فبدله على ورقة ما، اختلق اسمًا جديدا للمدينة ذاتها، نسي سكان المدينة لون سماء مدينتهم الأصلية، ظنوها بلدة ريفية، زرعوا الاسفلت، بحثوا عن أوراق الورود بين الصخور الصغيرة لأراضي مدينة قتل أصالتها عابر.

ما لم يتوقعه يوماً أن ينسى مكان حبيبة، قبلها بالمرة الأولى، تركها، ليجلب واقي ذكري، خرج من الشارع ونسي مكانها بين الأزقة المظلمة.

تساءل عمرا بأسره عن كيفية صنع إنسان، حاول رسمها كلوحة، لكن الألوان لم تكف، كلفته أموال عمل أعوام، غير أنها كانت كافية فقط لرسم نصف جسد، حاول تخيل وجهها على مانيكان، غير أنه كان بلاستيكي أكثر من اللازم، عكس ما توقع.

رسم بمخيلته وجهها وجسدها على إحدى العاهرات، لكن الوقت لم يكف، غادرته، بما يليق بالمال القليل المتبقي من النفقة على الألوان، وضع أنفها مكان أنف العاهرة الضخم اللامع، أذنها أيضًا، أما عينها، التي ورثتها بالضرورة عن أبيها الحداد، فكانت حمراء كما ينبغي لعيون أبناء الحدادين أن تكون، لم يسعفه الزمن، ليستبدلها.

 

 

مقالات من نفس القسم