توليد الأسطورة في رواية”أنشودة دموزي الأخيرة” للكاتب نبهان رمضان

نبهان رمضان

د. رشا الفوال

المقدمة: دموزي المعاصر بين غواية إنانا وصدمة التكوين

الأسطورة ليست من الفولكلور ولا من القصص، إنما هى صورة من صور التفكير البدائي تعتمد على: وصف المرئيات وصفًا دقيقًا من خلال قوة المشاهدة، ومسرحة غرائز الشخصيات المحورية التي تميل إلى المادة أكثر من ميلها إلى المعاني، وقوة التخييل.

في رواية: أنشودة دموزي الأخيرة الصادرة عن الدار المصرية السودانية الإماراتية عام 2024م للكاتب: نبهان رمضان، يطالعنا العنوان بفكرة التداخل بين الأسطورة والرواية المعاصرة، فنجد العنوان: أنشودة دموزي الأخيرة يوحي بالنهاية، بالضياع، وربما بـالندم أو الانفصال، وهو الأمر الذي يدفعنا لطرح التساؤل الآتي: الأنشودة الأخيرة: هل هي مرثية أم ولادة؟

والتصدير الأولي: من وصايا إنانا/عشتار يفتح الباب أمام توظيف الكاتب للميثولوجيا الرافدية داخل النص، من خلال استدعاء إنانا / عشتار الآلهة متعددة الوجوه، فإنانا في الميثولوجيا السومرية تُعرف لاحقًا في البابلية بـ عشتار.هي آلهة الحب والجمال والحرب والخصوبة، ولها حضور قوي في نصوص الحضارة الرافدية القديمة. وتعتبر رمزًا للأنوثة القوية، فهى ليست أمًا فقط، بل أيضًا مقاتلة وصاحبة سلطة. من أشهر أساطيرها: النزول إلى العالم السفلي، وفيه تتخلى عن كل رموز سلطتها لتدخل عالم الأموات، ثم تعود إلى الحياة إلا أن هذا الحدث يتصل بموت وعودة الحبيب المقدس: دموزي  وهو إله النماء، الذي لا تُقدّمه الأساطير دائمًا في صورة الحبيب المخلص؛ فحين نزلت: إنانا إلى العالم السفلي وماتت(رمزيًا)، أعادتها الآلهة، واختارت أن يحلّ: دموزي محلها هناك، كنوع من التضحية أو العقاب لأنه لم يندب غيابها.

التناص مع الأسطورة السومرية هنا مهما كانت حالة الشخصية المحورية الذهنية، يُفسر علاقتها بالآخر أولًا، وبالكون ثانيًا، مع ملاحظة أن توليد أسطورة البطل في الرواية فكرة تبدو تاريخية صُبغت بالمغالاة لإظهار أهمية حادث ما.

تعددت فصول الرواية التي تبدأ بتصديرات تحمل طابعًا وجوديًا عميقًا، يتعلق بالصراع بين الروح التي تسعى إلى السمو، وبين الغرائز التي تجذب الإنسان إلى الأرض، التصديرات هنا تصلح تمامًا كمفتاح قرائي لشخصية البطل: محمود، فهو يريد الحب، النقاء، العلاقات العاطفية الناضجة التي اتضحت في (توقه إلى النجمة المتخيلة)، لكن تجربته الجنسية المهيمنة مع: نعيمة تسعى لتملك تلك النجمة بطريقتها. بالتالي فنحن أمام روح ممزقة بين السمو والانحدار، بين الحنين للحب النقي وبين ذكريات الرغبة المشوِّشة. وفي تصدير الفصل الرابع: واحد فقط إلى جانبي كافٍ ليكون فائضًا عن اللزوم” إشارة إلى عجز الشخصية المحورية عن احتمال “الآخر”، حتى حين يحتاجه. وفي ذلك لمسة من العدمية العاطفية، حيث لا يصبح القرب شفاءً، بل وجعًا إضافيًا.

ليأتي بعد ذلك تصدير الفصل الخامس: نزوات جنون عابرة كثيرة – أما حماقة دائمة تضع حدًا، فذلك ما تسمونه حبًا. ثم يأتي الزواج! ليت ذلك كان شفقة على النزوات العابرة. حبكم للمرأة، وحب المرأة للرجل، آه، ما أتعسه! غالبًا ما يكون المرء مجرد حدس يجمع بين حيوانين” الذي يسخر من نظرة المجتمع إلى الحب. ويرى أن العلاقات غالبًا ما تبدأ بـ نزوات عابرة، رغبات لحظية، انفعالات جنونية، الكاتب بانتخابه لذلك التصدير لا يحتفي بالتكامل العاطفي أو الإنساني، بل يراه مأساويًا، قائمًا على سوء فهم جوهري؛ فكلمة “حدس” توحي بأن الحكاية تقوم على شعور غامض أو جذب جسدي بدائي، وكلمة “حيوانين” ترمز إلى الجانب الغريزي في العلاقة، دون وعي. التصدير من خلال التفسير الحالي يلعب دورًا قويًا في تقديم النظرة المعتمة والمعقدة للعلاقات العاطفية والجنسية في الرواية.

وفي تصدير الفصل السادس: عندما يقف الإنسان في منتصف دربه ما بين الحيوان والإنسان الأعلى، ويحتفي بمسيرته تجاه المغيب كترقٍّ أملٍ على أنها أمله الأسمى؛ لأن تلك هي الطريق الموصلة إلى صباح جديد” دلالة ما على حالة البطل في الرواية؛ فهو ليس بريئًا، ولا ناضجًا، بل في مرحلة تمزق وتحول، يتأرجح بين الغريزة(الطفولة، الجسد، الحيوان) وبين الأمل في إنقاذ ذاته أو بلوغ وعي جديد(الإنسان الأعلى). “المغيب” هنا لا يُقصد به الانتهاء بالضرورة، بل الرحيل، النضوج، لحظة التأمل قبل الظلمة أو بعدها. هذا التصدير يدعونا لقراءة الرواية لا كحكاية سقوط فقط، بل كـطقس عبور، حيث البطل في منطقة رمادية بين الغريزة والمعنى، الجسد والروح، ويجاهد ليعبر نحو إنسانيته الأعلى، رغم ظلال المغيب. ويختتم الكاتب تصديرات الفصول بانتخاب تصدير من قصيدة سومرية: أمعنتُ النظر في الناس كلهم، فاخترتُ من بينهم دموزي، لا لِلوهيةِ البلاد، بل لأنه دائم الريّ، ومن يجلّه أبي”، إنانا عشتار هنا في موقع الاختيار، وهذا يعكس السلطة والرغبة، لكن اختيارها له ليس لأنه أهلًا للعرش، أو للسلطة، أو لأسباب سياسية/اجتماعية، بل لأسباب أكثر حميمية.

تعددت أيضًا التصديرات الخاصة: بشمس الدين التبريزي، إذ يقول: “بجوارها هناك، في الروضة التي تنمو فيها مئات الآلاف من الزهور، الشوك والحصى والرمال”، الروضة رمز شائع في التصوف تمثّل العالم الروحي، أو القلب، أو الحياة. ومجاورة الشوك والرمال للزهور ترمز إلى أن الطريق الروحي أو العاطفي أو الإنساني لا يخلو من الألم، ولا يمكن الوصول إلى المحبة أو النقاء دون المرور بالحُصى والشوك، ويقول: “الروح الغريبة في الدنيا لا تزال تشتاق إلى مدينة اللا مكان، والنفس البهيمية تتنقل بين المراعي”، الروح الغريبة هي الروح التي جاءت من عالم علوي أو نوراني، وتشعر أنها في غربة داخل الجسد، يوازي ذلك شعور البطل بالتيه، وعدم الانتماء، والبحث عن معنى لا يجده في علاقاته العابرة. ومدينة اللامكان أقرب إلى الفردوس المفقود أو الوحدة مع الإله. والنفس البهيمية تعادل المفهوم الصوفي للجانب الحيواني من الإنسان حيث الغرائز والشهوات.

المحور الأول: رمزية الأسطورة وقوة التخييل

 تعددت وظائف قوة التخييل داخل الرواية ومنها:

 أولًا: تصور المستقبل من خلال الرغبات يقول بطل الرواية: “أودعها للمرة الأخيرة على وعد باللقا، ليس مهمًا أين؟ جنة أم نار؟ لكنني على يقين أنني سأتقابل معها في الآخرة يوم القيامة، مصيري هو مصيرها “

ثانيًا: تفهم المجهول من المعلوم عبر الذاكرة، يقول: ” منذ ذلك الحين لم يعد هناك شىء أهم منها في حياتي، بل لم أعد أفعل شيئًا ذا قيمة، سوى أن أشيع كل ليلة نجمتي إلى مخدعها “

ثالثًا: الخروج من نطاق الحقيقة المألوفة، وتوهم ما هو أشبه بالحق وأقرب للباطل، من خلال أحلام اليقظة، يقول: ” والنجمة تقف في السماء خلتها تبتسم، ثم زادت فتحة ثغرها حتى تحولت إلى قهقهات عالية ماجنة “هنا علينا أن نفرق بين التصور والتخيل، فالتصور هو استرجاع بطل الرواية الصور التي أثرت في حواسه، والتخيل هو تكوين صورة جديدة للصور بعد استرجاعها من الذاكرة، معنى ذلك أن التصور أساس التخيل

وعلى الرغم من أن الأساطير تنتمي إلى السلوكيات الروحية، لكنها لا تخلو من منطق؛ ربما لأنها تتكون في مراحلها الأولى من خلال التأملات والتساؤلات، فالأسطورة في الرواية الحالية تم توليدها لترميز: صراع الحب والموت، وسُلطة الهوية الأنثوية المرهونة بالفقدان أو التجدد، أو للدلالة على الأحوال السياسية والاجتماعية (خصوصًا فيما يخص قضية الانتحار، وفكرة الموت الرحيم، وسفر الأهل للخارج، وتداعيات الفقر، وفرضية الحجاب).

المحور الثاني: مستويات توليد الأسطورة

توليد الأسطورة لا يعني مجرد استحضار الأسماء أو الوقائع القديمة، بل يعني: تفكيك الأسطورة الأصلية، ثم إعادة توظيفها ضمن سياق اجتماعي، سياسي، أو نفسي معاصر، وأحيانًا تُعكس الأدوار أو تُفرّغ الأسطورة من معناها لتُحمَّل بدلالات جديدة(حداثية، نسوية، وجودية… إلخ)، ومن مستويات توليد الأسطورة في الرواية الحالية:

أولًا: مستوى الشخصيات

جسد الكاتب شخصية الأم المُنقذة التي تموت وتتركه وحيدًا. وشخصية: دموزي البطل الأسطوري في شخصية: محمود البطل المأزوم، المهزوم بعد وفاة والدته، ضحية الخذلان العاطفي من شخصية: غالية التي تزوجت ابن عمها العائد من إيطاليا. وجسد شخصية: إنانا في شخصية أنثوية ذات قوة رمزية: نعيمة، الجارة التي تسحب البطل معها إلى منطقة الغواية والتكوين الجنسي والنفسي، ثم تهبط إلى العالم السفلي بمعناه النفسي من خلال(الموت، الفَقْد) يقول: ” النجمة التي أهلكتني منذ عرفتها تارة تتخذ من وجه غالية وجهًا لها، وتارة أخرى وجه نعيمة “

ثانيًا: على مستوى البنية السردية

_ شيد الكاتب الرواية على نمط النزول والصعود (كما في رحلة إنانا)أولًا، ثم جعل من شخصية: دموزي رمزًا لهزيمة القيم، ومن: أنشودته الأخيرة صرخة وداع أو محاولة بعث.

_ اعتمد على تقنية الميتاقص في مخاطبة المتلقي بشكل مباشر؛ لتوريطه في إعادة صياغة الحكاية بقوله: ” لا تندهشوا كان الموكب أقرب بكثير جدًا من زفة سيارات العرائس “وفي الحكاية داخل الحكاية(حكاية الشيخ زكريا/ قصة زينب/  حكاية مكرم/حكاية أخت عبد المولى)

_ اعتمد على التعليقات السردية مثال لذلك قوله: ” لا انكر أني تفاجأت بإحساسه قبل تصرفه غير المتوقع “

_ الحوار انقسم إلى الديالوجات بين الشخصية المحورية: محمود عبد الدايم وبين الشخصيات الفرعية( موظفة الكلية، والدته، نعيمة، غالية، الشيخ زكريا، أمنية، مكرم منير، سناء، الدكتور شريف، مايكل، أخت عبد المولى) والمونولوجات الذهنية.

_ مكون الوصف(وصف الأماكن والشوارع في مدينة المنصورة، وصف طقوس الأفراح، وصف مقهى زهرة البستان، الوصف الخارجي للشخصيات الثانوية، ووصف انفعالات الشخصية المحورية).

_ بنية المفارقة: فبطل الرواية: محمود يمثل شخصية: دموزي الجديد بوصفه ليس إلهًا خصبًا بل شابًا هشًّا، وشخصية: نعيمة تُمثل شخصية: إنانا/ عشتار بوصفها ليست آلهة للحب والجمال والخصوبة، إنما كرمز للخيانة بوصف الكاتب لها في عنوان الفصل الأول: جنازة خائنة.

ثالثًا: على المستوى الرمزي

فالموت معادل موضوعي للاستلاب، وفقدان الهوية. والقبر معادل موضوعي لللاوعي، والقهر السياسي، والإحساس بالوحدة والضياع. وشخصية: إنانا هي المرأة القوية، الآلهة المسيطرة، التي تُحب وتُضحي. وشخصية: دموزي هو الحبيب/الضحية، المتلقي، الذي تتشكل هويته من خلال هذه العلاقة، والذي يُقاد إلى مصيره دون إرادة كاملة. ثم يعود جزئيًا، نصف وجود، نصف غياب. الأنشودة هى صوت الذات وهي تتذكر لحظة التكوين الأولى، بما فيها من لذة وألم وخسارة.

حرص الكاتب أيضًا على التعبير عن رمزية “العالم السفلي” في الرواية، حتى لا يُفهم كمكان حرفي للموت، بل كمكان رمزي لللذة المحرمة.

خاتمة: في رواية: أنشودة دموزي الأخيرة تم توليد الأسطورة من أجل إضفاء طابعًا فكريًا على الكتابة، وإضفاء معان فلسفية على الحقائق؛ فبدون توليد الأسطورة تصبح هذه الكتابة واقعية جدًا، تقليدية، تقتصر على مجرد الحكي الإستيعادي. تتفق الأسطورة التي تم توليدها مع الرواية المعاصرة في استجابتها إلى نوازع الشخصية المحورية الداخلية، تلك النوازع الناتجة عن رغبته في الوصول إلى الحقيقة ومخاوفه أيضًا .

إلا أن توليد الأسطورة أدى إلى نسيان أصلها وأدخلها في حيز الحكاية الشعبية، هذا ويمكننا اعتبار التصدير من أجل استدعاء الأسطورة الطقوسية التي تختص بالجانب الكلامي، والأسطورة التعليلية التي حاول من خلالها البطل البحث عن تفسيرات حقيقية لحكايته مع النجمة التي يراها؛ دلالة ذلك أن: نيتشه لا يقدّم حلاً، بل يعرض التمزق الإنساني كقدر دائم؛ لذا يمكننا أن نقرأ التصديرات باعتبارها دعوة لفهم الذات كاملة، بما فيها من رغبة ونور وظل، وهو الأمر الذي تسعى إليه الرواية نفسها عبر مونولوجات البطل الذهنية. الرواية كلها قد تُقرأ كـاعتراف عاطفي/ جنسي متأخر، يحاول فهم الذات.

ناقدة مصرية حاصلة على درجة الدكتوراه في الآداب تخصص علم نفس، نالت جائزة أحمد فؤاد نجم فئة الدراسات النقدية. من…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع