“تضاريس الذاكرة” وتجاوز الواقع لإدراك الحقيقة في أعمال عبد الله مراد

د. حسان صبحي حسان

في مدارت البحث عن “الجوهر” لا “المظهر”

والنحو عن توثيق الفنان “للتفاصيل المادية” لكونه “مصفاة وفلتر” شعوري

تنبري الحتمية نحو التنقيب عن الحقيقة المطلقة

ووجوبية عدم النظر إلى الأشياء كما هي، بل كما تُرى حين تعبر الذاكرة

“ذاكرة” تحذف “الزائد” وتُبقي على “الجوهر”

فعندما تعبر الأشياء عبر جسر الذاكرة ينسجم الشكل مع الرؤية الداخلية

وتظهر الأشكال الواقعية مؤقتة خادعة لا تشخص الحقائق

وتنبري الأشكال التجريدية كلغة خالدة تعبر عن الروح

فالتجريد هو “صدق” الذاكرة والملون بمشاعرنا

التجريد كبوابة “للماوراء” و”بقايا الذاكرة”

والذي تتحول فيه العناصر المادية إلى طاقة بصرية

ويتعاظم فيه اللون “كمسترجع” وليس “موضوعيا”

عندما تتعاظم الذاكرة لتمنح الألوان طاقية وصبغة عاطفية وتجعلها وكأنها أتيه من عوالم ميثولوجية

ففي ظل مشهد الفن المعاصر المتنامي بالرياض، وعبر احتفاء براديكالية تجربته الفنية ومشروعه الابداعي، نظم غاليري “مرسمي للفنون” في مجمع الموسى بالرياض، وبرعاية الناقد التشكيلي الأستاذ “عدنان الأحمد”، ومشاركة نخبة من الفنانين والنقاد والجمهور، يأتي معرض الفنان “عبد الله مراد” في حوار بصري مشبع بنهجه الفني في تطوير ومعالجة الهيئات الشكلية وفق تجسيد الفكرة وتمثيل ما يجيش في النفس تمثيلا عينيا مشخصا يكشف عن حقيقة الموجود، وتدوين هوية فنية ذاتية لا تتماس مع الرؤية الواقعية، لصالح تعزيز تصور داخلي وبوح عاطفي عميق لماورائيات عناصر محيطه الزماني والمكاني.

والفنان “عبد الله مراد” لم يستعرض للجمهور تجربة ذات (معالجات رهيفة بخبراته الفنية- أو أراد أن يصدر لنا ما رأه واختزله من محيطه البصري- بل أراد أن يرينا كيف شعر وتأثر وفلتر شعوريا بما رأى لإعادة ترتيب واقعه بفعل ذاكرته الأيقونية)، وولد عبد الله مراد في حمص عام 1944، وتخرّج من قسم التصوير الزيتي بكلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق عام 1970، وهو عضو في نقابة الفنون الجميلة في سوريا وفي اتحاد الفنانين العرب، ويعتبر أحد رواد الفن التجريدي العربي. نال الجائزة الأولى في معرض تحية إلى ميرو وبيكاسو في المركز الثقافي الإسباني بدمشق، وقد أقام العديد من المعارض الفردية في دمشق، وبلغاريا، وبيروت، وحمص، والرياض، وشارك في المعارض الجماعية والفاعليات الفنية والبيناليات في تركيا والشارقة وجنيف وتونس وإسطنبول، ولديه العديد من المقتنيات الخاصة لدي الافراد والمؤسسات الحكومية والخاصة في البلاد العربية.

وما بين الواقع المادي والروحي، يأتي فن “عبدالله مراد” (ليُفسر الواقع بعمق، ويُحفز التأمل والتأويل، ويُعزز الفهم، متجاوزاً المحاكاة إلى تخوم تعبير الجوهر الروحاني، ومشاعره الجوانية وأفكاره المجردة “الروحي” )، حيث تشكل أعماله حالة فنية تفيض بطاقات شعورية أثراها التجريب، وعززت لونياً وتعبيرياً بتكوينات متحررة حيوية فاعلة، قوامها دفقة انفعالية ، تحتفي باختزال التفصيليات، وتهشيرات خطيه وكتل لونية ليست “مرآة” تعكس الواقع الخارجي، بل “نافذة” تطل على عوالم الفنان النفسية والروحية، وتلخيص ببراعة للجوهر لا يكتفي فيه الفنان بنقل ما تراه العين، بل يسعى لتجسيد ما يشعر به الوجدان، مستخدماً لغة بصرية خاصة تتجاوز حدود الواقع المادي، تتحول فيها الأشكال الملموسة إلى دفقات من المشاعر والألوان.

وإذا كانت الأشياء تخضع في منطقها الواقعي لقوانين الظل والنور والمنظور، فإنها تترتب في الذاكرة حسب أهميتها العاطفية والوجدانية، وهو ما حفز الفنان لتصدير جانب عاطفي بهيج ذو حداثة عالية المستوى، حيث سمح لنفسه بقدر من الحرية والعفوية، فهو لا يرسم القشرة الخارجية أو “المادي” بل يفككه إلى خطوط وكتل لونية تعكس كيفيات رؤيته للهيكل الداخلي للأشياء، فلا نلمح في أعماله عناصر طبيعية، بل كتل لونية تمثل ما تبقى في ذاكرة الفنان من تأمله في المشاهد وحقيقتها، حيث الذاكرة التي تُعيد ترتيب الواقع من مدار عاطفي رصين، فذابت التفاصيل المادية وبقي “الأثر” البصري.

فالتجريد لديه بوابة “للماوراء” و”بقايا الذاكرة” عبر تداخل يفسر مفهوم “تجاوز حدود الواقع” الثابت المعروف، ونسج عالم خاص لا تستطيع الكلمات أو الصور الفوتوغرافية الوصول إليه، في توازنات بين النظامي والفوضى خلال بنائية شكلانية تجمع بين (الهندسة كتمثل للعقل والمنطق في رؤية العالم، والعفوية في ضربات الفرشاة الخشنة والتداخلات التي تمثل العاطفة والحرية) كرحلة في الجوهر تعيد تشكيل العلاقة بين العين واللون، وبين الخطّ والروح، بما يفتح الباب للمشاهد ليضع تأويله الخاص بناءً على تجاربه الشخصية.

وفي أعمال الفنان “عبد الله مراد” التي يقدم لنا فيها كل ما يراه قلبه وعقله وذاكرته، يأتي اللون ليمثل “البطل” الذي يحكي القصة دون الحاجة لوساطة الكلمات أو الأشكال المألوفة، حيث يتحول اللون في أعماله كلغة للمشاعر، يتوقف فيها عن كونه مجرد “صبغة” لتغطية المساحات لصالح جسر مباشر نحو اللاشعور، ولغة للتعبير عن المشاعر الإنسانية، واستخدام الألوان المتداخلة لتجسيد لـرؤيته الداخلية، لينسجم اللون لديه مع “الحالة الشعورية”، ليندرج اللون “كالموسيقى” التي لا تحتاج إلى ترجمة، فكل بقعة لونية هي نبضة شعورية تعكس حالة الفنان أثناء الرسم.

وفي أعماله ينبري القاموس العاطفي للألوان صراعاً بين ثلاث لغات(الأزرق العميق والأخضر كتمثيل للعمق والثبات والغوص في أعماق الذات، وألوان للتأمل، ولغة السكون – والألوان الدافئة “كالأصفرات والبرتقالي والبنيات” كتمثيل للشغف والصخب، وصرخة للحياة، ودفقات الأمل والحرارة، ووجودهما وسط الرماديات والزرقة يعبر عن لحظات التوقد الذهني أو الانفعال القوي وسط رتابة الواقع- بينما يأتي الرمادي والأسود ليمثلا “لغة الغموض” أو ثقل الوجود، ومواد رابطة بين المشاعر المتناقضة، لتمنح العمل ثباتاً وعمقاً درامياً من ناحية، وتنقل المشاهد من حالة السكون إلى حالة التساؤل من ناحية أخري).

وعلي خلاف الكلمات والسرد اللفظي الذي يمر عبر الفلتر المنطقي للدماغ، يتشكل اللون كمثير بصري يلج عبر ممرات وفلاتر مباشرة إلى الجهاز العصبي والحسي، وهو ما دفع الفنان للانحياز “لطاقية اللون” في تجاوز الواقع على قوة اللون كأداة تعبيرية أولى وأبجدية لونية، وصياغة مجموعات لونية لا ترتبط بظلال الأشياء الحقيقية، بل ألوان “نفسية” تعكس طاقة اللحظة التي نسجت داخل العمل، فتحرر اللون من صرامة الوصف، وبلورة إعادة بناء الشكل بما ينسجم مع رؤيته الداخلية للعالم.

فاعتماد الفنان وارتكاله الي لغة (التضادات اللونية الدرامية) خلق “حوار” عاطفي “وصراع” بصري مفعم لمخططات اللون، حيث “يخترق” البرتقالي المساحات الزرقاء، “وتراتيب الألوان الدافئة المجاورة للألوان الباردة” مما يعطي إحساساً بالمقاومة أو بمحاولة الخروج من حالة السكون إلى حالة الفعل، وصياغة جمال بصري يؤسس لحالة من التوتر أساسه تراكم لطبقات لونية كثيفة لمنح العمل طاقة وبعد ثالث يعزز الكيان المادي المستقل ويفتح نافذة تصور مشهداً آخر، وتشخص الفكرة فكرة قبل أن تتجمد في قوالب الواقع التقليدية.

وعن كثافة اللون وقوة الشعور، لا تعتمد لغة المشاعر في اللون فقط على “نوع” اللون، بل على درجة سطوعه وكثافته، حيث تأتي الألوان المشبعة لتعبر عن مشاعر حادة، فورية صريحة (فرح غامر، غضب، شغف) وتعبر الألوان الباهتة الممزوجة عن مشاعر مركبة، مثل الحنين، الحزن الهادئ، أو الذكريات البعيدة، بينما ضبابية بعض المناطق لونيا في أعماله يوحي بأن هذه المشاعر ليست آنية، بل هي مخزون من الذاكرة. لذلك نجد في العمل مساحات برتقالية “تطفو” فوق مساحات زرقاء وخضراء، وأخري صفراء مع خطوط حادة تتقاطع مع كتل رابضة، ليس من منطلق جمالي، بل هو منطق الذاكرة التي ترسخ لحرارة وبرود الأثر. فالأزرق والأخضر هما “برودة” لذكرى معينة، والبرتقالي والأصفر هما “وهج “موقف واستدعاء حدث.

…………

*الأستاذ بقسم التصميمات البصرية والرقمية المساعد

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع