تشريح الألم وتفكيك القهر: قراءةٌ في ثلاثُ ليالٍ وليلة لأحمد خالد موسى

ثلاثة ليال وليلة

د. أحمد عبد الجواد

تنهض المجموعة القصصيّة ثلاثُ ليالٍ وليلة للكاتب أحمد خالد موسى على بنيةٍ دراميّةٍ بالغة التوتّر، تجعل من الليالي الأربع مسرحًا لتشريح القهر الإنسانيّ في أقصى تجلّياته عريًا وقسوة.

 يبتني العمل هويّته الفنّيّة عبر ثنائيّةٍ تركيبيّةٍ فريدة؛ إذ يُصدَّر كلّ نصٍّ بمقدّمةٍ تتأمّل مأزق الكتابة وأخلاقيّات الشهادة تحت عنوان قبل ليلة…، لتعقبها الليلة ذاتها كواقعةٍ شعوريّةٍ واجتماعيّةٍ مروّعة تخوضها شخوصٌ رُمِيَ بها إلى حافّة الفناء. هذا التوازي الواعي بين فعل التدوين ووطأة الألم يمنح المجموعة بُعدًا معرفيًّا يرفعها من مستوى رصد الحكايات المفردة إلى مصافّ المساءلة الوجوديّة لعلاقات الهيمنة، والمسخ، والاستلاب

مساءلة المسافة الأخلاقيّة للكتابة

تؤسّس المقاطع التمهيديّة الأربعة وعيًا نقديًّا ذاتيًّا يرافق عمليّة الخلق الأدبيّ خطوةً بخطوة؛ فالكاتب يعلن بصراحةٍ جليّة أنّ الحكايات تقتحم طاولته كأجسادٍ مثقلةٍ بالرطوبة والدم، كاسرةً رغبته المبدئيّة في كتابة نصٍّ هادئٍ ووديع.. يقف المبدع هنا عاجزًا عن ممارسة ترف التجميل أو الحذف، متحوّلًا إلى شاهدٍ مذهولٍ أمام مأساةٍ لا تحتمل التورية؛ وهو ما تجسّده الطفلة العرجاء الشاخصة عند حافّة الورقة في تمهيد الليلة الأولى.

تتعمّق هذه الرؤية في استهلال قبل ليلة الحساب، حين يعرّي الكاتب المسافة الفاصلة بين مَن يمسك بالقلم داخل غرفةٍ دافئة وبين مَن يتدلّى جسده مقيّدًا بالسلاسل في عتمة قبوٍ معتم.. لتصبح الكتابة هنا ضربًا من التورّط الوجدانيّ؛ حيث يشعر المدوّن ببرودة الحديد تسري في معصمه، وبحروف الورق تنقلب أغلالًا تكتم أنفاسه.. وفي تمهيدَي ليلة التحوّل وليلة الختام، يتواصل هذا البناء التأمّليّ بالكشف عن آليّات تحويل الكادحين إلى كائناتٍ رخوةٍ بفعل الجوع والازدراء، وفضح العنف الأسريّ والاجتماعيّ الناعم الذي يتسلّل باسم التقاليد ومصالح العائلة ليصادر إرادة الفتيات ويحوّلهنّ إلى بضائع معروضةٍ في مزادات الزواج.

هستيريا الانتقام في فضائي الهستيريا والحساب

تقدّم قصّة ليلة الهستيريا لوحةً كابوسيّةً تتفجّر داخل بيتٍ معزول؛ حيث تبدأ الأحداث بانتحار الأب شنقًا في السقف الخشبيّ إثر طرده من خدمته العسكريّة وتراكم الديون والفقر عليه.. تُروى الأحداث بلسان الطفلة الصغيرة فداء ذات الساق العرجاء واللسان الثقيل، لتكشف عن انهيارٍ شاملٍ في الرابطة الأسريّة؛ فالزوجة الثانية تمارس طقسًا انتقاميًّا محمومًا بالبصق والركل وعضّ الجثمان والتمثيل به، معترفةً في ذروة هذيانها بأنّها دسّت السمّ للزوجة الأولى للتخلّص منها.. وتكتمل دائرة الفظاعة بوجود الأخ المعتوه المشوّه الذي يتحرّش بالصغيرة المريضة، ليختتم النصّ حركته بفعلٍ دمويٍّ مباغت حين يغرس الفتى نصل سكّينه في ظهر والدته عند عتبة الباب، بينما تنطلق الطفلة هاربةً نحو الشارع لتنجو بروحها.

أمّا في ليلة الحساب، فينتقل القهر من الدائرة الأسريّة إلى بطش المنظومات الطبقيّة والسلطويّة.. يعيش الشابّ الغزّيّ، الذي ورث مهنة الحدادة صبيًّا وامتلك ولعًا سريًّا بالأدب والتاريخ، كابوسًا مستمرًّا يبدأ بتجريم حيازة الكتب داخل المنشأة الصناعيّة خشية يقظة الوعي العمّاليّ..لينتهي به المطاف معلّقًا بالسلاسل في زنزانةٍ انفراديّةٍ ضيّقةٍ وموحشة، يتأرجّح بين لسعات الحشرات وتعفّن الجراح دون أملٍ في خلاص.

من المسخ الكافكاويّ إلى تسليع الروح

تبلغ السرديّة ذروة الترميز الفلسفيّ في ليلة التحوّل؛ حيث يستعيد الكاتب تيمة المسخ الشهيرة لكن بدوافع طبقيّةٍ واجتماعيّةٍ بحتة.. ذلك  الشابّ خرّيج كلّيّة التجارة الذي يطوف الشوارع أربع عشرة ساعةً بحثًا عن عملٍ شريفٍ مرتديًا سترةً مستعارة، يواجه صنوف الطرد والشتائم والضرب من رجلٍ مترفٍ ذي نفوذ.. هذا السحق الماديّ والمعنويّ، المقترن بالجوع والخواء، يتجسّد بيولوجيًّا في انحناء عموده الفقريّ وانسحاب طاقته وذوبان أسنانه وإفراز جلده مادّةً لزجة، ليتحوّل حرفيًّا إلى حلزونٍ رخوٍ يجرّ قوقعته الكلسيّة نحو أحواض الحديقة.

يكتشف لهيف في عالم البستان مجتمعًا من الحشرات والهوامّ التي كانت في أصلها بشرًا تحوّلوا بفعل الذلّ والفقر، وتتوالى الأحداث.

وفي ليلة الختام، يتبدّل مسرح الحدث نحو الدفء الظاهريّ للمنازل التقليديّة في جلسةٍ عائليّةٍ حميمةٍ حول صينيّة الشاي والمريميّة، غير أنّ رنين الجرس يُحوّل البيت فجأةً إلى ساحة عرضٍ تجاريّ.. تعيش البطلة رويدا فزع التفتيش الجسديّ من قِبل وفد الخاطبات؛ حيث تعاين المرأة المسنّة أسنانها وشعرها وأطرافها كما تُعايَن البضاعة في الأسواق، بينما تضغط الأمّ والأخت والأخ لفرض العريس الثريّ المتباهي بماله وسيّارته..وتتصاعد السردية بما لا تتخيله بعد ذلك.

تتضافر الليالي الأربع في نسيجٍ متماسكٍ يتقصّى أشكال العنف المتعدّدة: من العنف الدمويّ المباشر، إلى العنف الطبقيّ والسلطويّ، وصولًا إلى العنف الرمزيّ والاجتماعيّ المقنّع… قد نجح أحمد خالد موسى في تطويع لغةٍ أدبيّةٍ محكمةٍ تتناوب فيها التفاصيل الحسّيّة الدقيقة مع الاستبطان النفسيّ العميق، مقدّمًا وثيقةً سرديّةً بالغة الأثر تكشف هشاشة الكائن أمام آلات القهر المتنوّعة، وتؤكّد في الآن ذاته أنّ الوعي والمكاشفة هما الحصن الأخير للدفاع عن كرامة الإنسان المنتهكة.

…………………

*ناقد مصري

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع