محمد المخلافي
(أترك أمر تصنيف النصوص للقراء والنقاد. قد يراها البعض قصصًا متشظية، أو نصوصًا مسهبة، أو حتى مقاطع من يوميات ذاتية تتقاطع مع أدب الاعتراف والهذيان.) (ص 5) بهذا الاقتباس استهل عرض كتاب (القطة اليابانية بوبيتيل) للكاتب والروائي اليمني حميد عقبي، الصادر عن دار فكرة كوم للنشر والتوزيع – ورقلة، الجزائر، عام 2025، ويقع في 56 صفحة من القطع المتوسط، ويضم أربعة عشر نص، يبدأ بـ(كل هذه العصافير تغادر) وينتهي بـ(تومتة).
منذ الصفحات الأولى يتضح أن الكتاب لا ينتمي الى رواية بالمعنى المتعارف عليه، ولا مجموعة قصص تقليدية، ولا حتى يوميات. هناك نصوص تتشكل ثم تتفكك، ومشاهد تظهر وتنسحب، وأفكار تُطرح من دون أن تُغلق.
عندما تقرأ مقدمة الكتاب، يتضح مباشرة أن النص يعكس حالة الكاتب حميد عقبي، وكأنه يكتب تحت ضغط أرق طويل. غادر عقبي بلاده في مطلع الألفية الثالثة إلى فرنسا، ولا يزال مقيما هناك بعيدا عن أهله ووطنه الذي مزقته الحرب، بينما يعيش العالم من حوله اضطرابا لا يقل قسوة. هذا الشعور بعدم الاستقرار يظهر بوضوح في الكتاب.
يقضي نحو خمس عشرة ساعة يوميا بين القراءة والكتابة، ويتنقل بين الرواية والقصة والشعر والدراسات النقدية والنصوص المسرحية وغيرها. هذا التنوع لا يبدو استعراض لمهاراته، بل محاولة مستمرة للعثور على الشكل الأنسب للتعبير عن قلقه وتجربته.
الحنين حاضر، لكن من دون مبالغة. يظهر في صور متفرقة، وفي إحساس بعدم الانتماء الكامل إلى المكان، وفي توتر واضح في اللغة. يشعر القارئ أن الكاتب يكتب من تجربة شخصية مباشرة، لذلك تبدو النصوص متشظية وقلقة وغير مستقرة. هي انعكاس لحالة يعيشها بين ثقافتين، بين ذاكرة قديمة وواقع جديد، بين وطن مكسور وعالم مرتبك.
من خلال هذه النصوص نلمس أن الإنسان اليوم يعيش حالة ارتباك عامة (حروب، انهيارات، وفقدان يقين) لا تطرح هذه القضايا بخطاب مباشر، بل تتسلل عبر الصور والأسئلة والمشاهد. أحيانا تبدو محاولة لفهم ما يحدث، وأحيانا اعتراف بالعجز عن الفهم.
ما يميز تقديم عقبي أنه لا يدعي امتلاك رؤية مكتملة. لا يقدم نفسه ككاتب صاحب رسالة جاهزة، بل ككاتب يحاول أن يفهم ذاته والعالم من خلال الكتابة. لذلك يترك نصوصه كما خرجت، من دون تزيين أو تهذيب مبالغ فيه. القلق حاضر بوضوح، والأرق المتكرر في الصفحات يبدو امتدادا لأرق شخصي، وربما لأرق جيل كامل.
ويظهر ذلك بوضوح في المقطع الآتي:
(عدتُ إلى الأريكة، فإذا بي أجد قطة يابانية من نوع بوبتيل، ذات ذيل قصير. ابتسمت. قرأتُ أو قال لي أحدهم إنها تجلب الحظ السعيد. ما أحوجني إلى قليل من الحظ. تأملتها في الضوء المتسرّب من الشارع. رأسها مثلث، أذنان عريضتان منتصبتان، عينان بيضاويتان براقتان. همست لي، وحركت ذيلها وأذنيها كأنها تطلب مني أن أتبعها. ترددتُ لحظة، ثم فتحت الباب. فوجئت بأن النهار قد جاء.) ( ص 24)
المشهد يبدأ من لحظة عادية، رجل يشاهد فيلم في غرفة شبه معتمة. فجأة تظهر القطة، فتتحول اللحظة اليومية إلى مدخل لعالم آخر. لا تمهيد ولا تفسير، فقط انتقال هادئ من الواقع إلى ما يشبه الحلم. التردد قبل فتح الباب يلخص حالة النص كله: خوف من المضي، ورغبة في الهروب في آن واحد. ومن هذه اللحظة يبدأ الانزلاق نحو قرية الدمى، حيث يصبح العيش بين كائنات بلا حياة صورة أخرى للعزلة والمنفى.
في نص آخر تسأل طفلة أباها:
(ماذا يحدث عندما نموت؟). (ص13)
يتلعثم الأب ويجيب بإجابة مختصرة، لكن الطفلة تمضي في تخيلاتها كوكب يصطدم بالأرض، صواريخ تفشل، أناس يهرعون إلى الكنائس وآخرون إلى الحانات. يتحول السؤال من شأن عائلي بسيط إلى صورة عن خوف جماعي. المشهد لا يعتمد على حدث كبير، بل على ارتباك أب أمام خيال طفلته، وعلى عجز اللغة عن الإمساك بفكرة الفناء.
ورغم التبعثر الظاهري، هناك خيط واضح يجمع النصوص. الموت حاضر بأشكال متعددة، وكذلك البحر بوصفه حدًا بين البقاء والاختفاء، والقمر بوصفه علامة اضطراب. تظهر كائنات هامشية:
خفاش، قطة، عصافير، دمى. كلها تبدو صورًا لذات تشعر بأنها على الهامش. المنفى هنا ليس جغرافيا فقط، بل داخلي أيضا شعور بأن المكان واللغة قد لا يكونان بيتا آمنا. في هذا السياق تصبح الكتابة وسيلة للبقاء، لكنها في الوقت نفسه عبء لا يمكن الفكاك منه.
الكتاب جريء في موضوعاته. يتناول السياسة والأساطير والسخرية من الأنظمة، ويشير إلى أسماء أدبية عالمية من دون شعارات أو شروح مطولة، تدخل في نسيج النص وتختلط باليومي والذاتي.
ومع ذلك، لا يخلو العمل من ملاحظات. بعض المقاطع كان يمكن أن تكون أكثر تركيزا، وكثافة الرموز قد تشتت الانتباه أحيانا.
التكرار يخدم فكرة الأرق والدوران في الفكرة نفسها، لكنه قد يرهق القارئ. هذه الملاحظات لا تقلل من قيمة الكتاب، بل تضعه في إطاره كنص يغامر ويقبل مخاطرة عدم الإرضاء الكامل.
التحليل الفني والتقنيات السردية:
عقبي كاتب وناقد وفنان تشكيلي ومخرج يمني مقيم في باريس، يعمل منذ سنوات على مشروع ثقافي متعدد الحقول يجمع الأدب والفنون والسينما والعمل الثقافي العام. أنجز 10 أفلام قصيرة و10 معارض تشكيلية، ويمتلك رصيدًا أدبيًا واسعًا يشمل 27 رواية، 6 مجموعات قصصية، 8 دواوين شعرية، و19 نصًا مسرحيًا، إضافة إلى 28 كتابًا في النقد الأدبي والسينمائي.
تُرجمت بعض أعماله إلى الإنجليزية والألمانية والفرنسية، منها ديوانه (ربما الخلل في نجومنا) ورواية (الشجرة الأم). أسس المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح ويدير قناة ثقافية على يوتيوب، مؤمنًا بأن الإبداع فعل مقاومة يفتح نافذة صغيرة في وجه العتمة مهما كانت قاسية.
كتاب (القطة اليابانية بوبيتيل) لا يقدم حكاية مكتملة بالمعنى التقليدي، ونصوصه تعبر عن القلق أكثر مما تعبر عن حدث، وتطرح أسئلة مفتوحة أكثر مما تقدم إجابات. نجح حميد عقبي في تحويل قلقه الشخصي واغترابه لتعكس الواقع المتشظي حوله. هذا الأسلوب يجعل الكتاب إضافة مهمة للمكتبة العربية واليمنية، ويترك القارئ في مواجهة مباشرة مع الأفكار والمشاعر التي تحملها النصوص.
















