مروان ياسين الدليمي
السنواتُ لم تكن سلّمًا
كانت حانةً قديمةً
تُبدّلُ كراسيها
وتُبقي على الدخان.
أصدقائي الذين سبقوني إلى العتمة
لم يموتوا تمامًا
صاروا مقاعدَ فارغةً في مقهى الذاكرة
كؤوسًا ناقصةً
تنتظرُ شفاهًا لن تعود.
أجلسُ بينهم وحدي.
أرفعُ نخبَ الغياب.
أشربُ أسماءهم ببطء.
الوجودُ — ذلك المهرّجُ الأنيق —
يضعُ قبّعةً سوداء
ويُخرجُ من جيبه أرنبًا أعرجَ اسمه الأمل.
يُصفّقُ الجمهور
وأصفّقُ معهم
مع أنني أعرفُ الخدعة.
العقمُ ليس في الأرض
بل في البوصلة.
الأحلامُ عرائسُ خشبٍ
تتحرّك بخيوطٍ من دخان
تبتسمُ لي
ثم تسرقُ محفظتي.
الزمنُ قطٌّ أعمى
يتمسّحُ بساقيَّ
ثم يعضّ قلبي.
والساعةُ
هذه العجوزُ الثرثارة
تُعيدُ الحكايةَ ذاتها
بصوتٍ مبحوح:
“أنتَ متأخّرٌ… متأخّرٌ…”
أمدُّ يدي إلى نافذة الصباح
فألمسُ رائحةَ الغبار.
أسمعُ لونَ الغروب
وهو يتكسّرُ في فمي
كحبّة دواءٍ مُرّة.
لم أعد أبحثُ عن معنى
المعنى يبحثُ عنّي
ثم يهرب.
في المرآةِ
يقفُ رجلٌ يشبهني
يبتسمُ بسخرية
ويقول:
“كلُّ هذا العناء من أجلِ نهايةٍ معروفة؟” .
أجيبه:
“نعم
ولكنني كنتُ أحبُّ الطريق.”
الآن
الطريقُ نفسه
يجلسُ متعبًا على الرصيف
يفكُّ أزرارَ قميصه
ويطلبُ سيجارة.
بعد أن رحل معظمُ الأصحاب
صار الموتُ جارًا لطيفًا
يُحيّيني كلَّ صباح
يتركُ لي صحيفةً عند الباب
ويبتسم.
لا أكرهه.
ولا أستعجله.
لكنني أفكّرُ فيه
كما يُفكّرُ عاشقٌ عجوزٌ
في حبيبتهِ الأخيرة:
بشيءٍ من الشوق
وشيءٍ من التعب
وشيءٍ من المزاح الثقيل.
أقول لنفسي:
ما الجدوى؟
فتضحكُ الجدوى
من خلف الستارة
وتُسقِطُ أسنانها على الأرض.
أعرفُ أن الرغبةَ في الرحيل
ليست بطولةً
بل مللٌ مُتقن.
وأعرفُ أنني
كلّما تمنّيتُ النهاية
كنتُ أغازلُ البداية سرًّا.
هكذا أمضي
بين أغنيةٍ قديمةٍ
نسيتُ كلماتها
وبين ذاكرةٍ تُتقنُ الكذب
أكثرَ ممّا تُتقنُ التذكّر.
ستّون عامًا
ولم أتعلّم
كيف أغلقُ البابَ خلف الذين يرحلون.
كلُّ بابٍ
يظلُّ نصفَ مفتوح
نصفَ جرح
نصفَ نكتةٍ سوداء
يضحكُها الليلُ
في وجهي.
النسيانُ ليس عطبًا في الذاكرة
بل عاملُ نظافةٍ مُرهَق
يكنسُ الوجوهَ التي أحببتُها
ويتركُ لي الفواتير.
أفتحُ الدرجَ
فتسقطُ منه أصواتٌ قديمة
ضحكاتٌ مكسورة
وصورةٌ باهتةٌ لامرأةٍ
كانت تُصدّقُ أكاذيبي
كي تُنقذني من صدقي.
أقولُ للذاكرة: كُفّي.
فتردُّ عليّ
بمزاجِ ديكتاتورٍ عجوز:
“أنا الوطنُ الذي لا يُغادَر.”
أضحك.
أنا الذي قضيتُ عمري
أهربُ من الأوطانِ الصغيرة
في صدور النساء
ومن الأوطانِ الكبيرة
في نشرات الأخبار.
التاريخُ يجلسُ إلى جانبي في الحافلة
يرتدي معطفًا عسكريًّا
ويُحدّقُ في النافذة.
يسألني:
“ماذا فعلتَ بكلِّ تلك الأحلامِ التي هتفتم بها في الساحات؟” .
أشيرُ إلى جيبي المثقوب.
أقول:
“سقطتْ منّي بين مظاهرةٍ وأخرى.”
الشارعُ يعرفني.
الأرصفةُ تحفظُ وقعَ خطايَ
لكنّها تتظاهرُ بالنسيان.
المصابيحُ تُغمزُ لي
والريحُ تُقلّبُ ياقةَ معطفي
كما لو أنها أمٌّ متردّدة
بين عتابٍ واحتضان.
أمشي.
أتعثّرُ بظلّي.
ظلّي صار أقصرَ من حزني
وأطولَ من أملي.
الحياةُ
هذه المُغنّيةُ المتعبة
تغنّي خارجَ اللحن
لكنّها تُصرُّ على أن يكون التصفيقُ حارًّا.
تبيعُ لنا التذاكرَ
ثم تنسى موعدَ العرض.
أتذكّرُ الذين رحلوا.
لا أراهم في السماء
بل في تفاصيلَ أكثرَ تواضعًا:
في كرسيٍّ لا يُسحَب
في رقمِ هاتفٍ لم أعد أجرؤُ على طلبه.
الموتُ لا يطرقُ الباب
بل يجلسُ على الأريكة
ويُشاهدُ معي نشرةَ الطقس.
يقول:
“العاصفةُ قادمة.”
فأجيبه:
“لقد عبرتْ منذ زمن.”
أحيانًا
أتمنّى أن أغادرَ المسرحَ بهدوء
من دون تصفيقٍ
ومن دون صفير.
أن أتركَ بدلتي على الكرسيّ
وأخرجَ كما يخرجُ خطأٌ مطبعيّ
من كتابٍ لم يُراجَع.
لكنّ شيئًا صغيرًا
— ربّما هو العنادُ،
ربّما هو الخوفُ،
ربّما هو عادةُ التنفّس —
يشدُّني إلى المقعد.
أقول:
“لم يَعُد هناك جدوى.”
فتنهضُ الجدوى
من تحت الطاولة
تمسحُ الغبارَ عن كتفيها
وتهمسُ بسخرية:
“ومتى كانت هناك جدوى؟” .
المدينةُ تبدو كصورةٍ قديمةٍ لي
ممزّقةِ الحوافّ
موقّعةٍ باسمٍ لم أعُد أتذكّره.
أسمعُ رائحةَ المطر
وأرى طعمَ الحديدِ في الهواء.
كلُّ شيءٍ يتبادلُ الأدوار:
النارُ باردة
والثلجُ يحترق
والضحكةُ تبكي بصوتٍ عالٍ.
ستّون عامًا
ولم أفهمِ اللغز.
ربّما لم يكن هناك لغز.
ربّما كنّا نحنُ اللغز
ونبحثُ عن حلٍّ في المرآة.
أجلسُ في العتمة
أتدرّبُ على الغياب.
أجرّبُ اسمي من دون صوت
وأتخيّلُ صورتي
وهي تُعلّقُ على جدارٍ بارد.
ثم أبتسم.
لا لشيء.
إلّا لأنني ما زلتُ هنا
بين رغبةٍ في الرحيل
وكسلٍ يُقنعني بالبقاء.
أجلسُ مع نفسي
كما يجلسُ مُتّهمٌ مع قاضيه.
الملفُّ مفتوح
والاتهاماتُ كثيرة:
تبديدُ الأعوام
سوءُ استخدامِ القلب
والتواطؤُ مع الأحلام.
أقولُ دفاعًا عنّي:
كنتُ أعيش.
يبتسمُ القاضي —
وهو نسخةٌ أكثرُ شحوبًا منّي —
ويهمس:
“وهل كانت تلك حياة؟” .
الليلُ يدخلُ غرفتي
من دون استئذان.
يخلعُ حذاءه
يتمددُ على سريري
ويطلبُ منّي أن أحكي له
كيف أضعتُ الطريق
وكنتُ أظنُّ أنني أكتشفُه.
أحكي.
عن نساءٍ كنَّ يضحكنَ
كما لو أن الضحكَ وعدٌ بالأبد.
عن أصدقاءٍ كانوا يُقسمون
أن الغدَ ملكُنا
ثم باعوهُ في أوّل مزاد.
عن مدنٍ أحببتُها
فأكلتْ خطواتي
وتركتْ لي الخرائط.
المدينةُ الآن
تضعُ مساحيقَها بإفراط
تخفي تجاعيدَها بلا جدوى.
الأرصفةُ تُقايضُ الأقدامَ بالتعب
والمقاهي تُربّي الوحدةَ
كما تُربّي القططَ الضالّة.
أمشي.
لا لأصلَ إلى مكان
بل لأثبتَ أنني ما زلتُ أتحرّك.
المعاناةُ تجلسُ على كتفي
كعصفورٍ أليف
تغنّي لي أغنيةً خافتة
وتنقرُ ذاكرتي بمنقارٍ رقيق.
تقول:
“لا تكنْ دراميًّا
الموتُ ليس فكرةً شعريّة،
بل عادةٌ كونيّة.”
أضحكُ.
السخريةُ آخرُ أصدقائي
تشربُ معي حتى الفجر
وتقولُ لي:
“إذا متَّ، مَن سيضحكُ على هذه المسرحيّة؟ ” .
أفكّرُ في رغبتي الوحيدة:
أن أموتَ أنا الآخر.
ليست بطولةً
ليست تمرّدًا
بل رغبةٌ في إغلاقِ كتابٍ
طالَتْ هوامشه
واختلطتْ فصولُه.
لكنّ الحياةَ —
هذه المقامرَةُ العنيدة —
تُعيدُ توزيعَ الأوراق.
تضعُ في يدي
ورقةً صغيرة:
نَفَسًا.
نَفَسًا فقط.
أتنفّس.
يدخلُ الهواءُ
كضيفٍ خجول
ويخرجُ محمّلًا بأسراري.
في هذا التردّدِ الصغير
أكتشفُ أنني ما زلتُ معلّقًا
بين الضحكَ والبكاء
بين الرغبةِ والرهبة
بين النهايةِ التي أشتهيها
والبدايةِ التي ترفضُ أن تموت.
الموتُ يقفُ عند العتبة
يطرقُ بخفّة
ثم يتراجعُ كعاشقٍ مُهذّب.
يقول:
“لديَّ وقت.”
وأنا؟
أحدّقُ في المرآة.
أرى رجلًا تجاوزَ الستين
مليئًا بالشقوق
لكنّه ما زال يلمعُ
حين يسقطُ عليه ضوءٌ مناسب.
أهمسُ لنفسي:
“لم يَعُد هناك جدوى.”
فتردُّ الحياةُ
بصوتٍ خفيضٍ
يكادُ يكونُ شتيمةً أو صلاة:
“ومَن قال إنّني وُجدتُ للجدوى؟ ” .
أبتسم.
أشعلُ سيجارةً أخيرة
أراقبُ الدخانَ
وهو يصعدُ كروحٍ متدرّبةٍ على الغياب.
ربّما لن أموتَ اليوم.
ربّما سأؤجّلُ الموعدَ
كما أجّلتُ أشياءً كثيرة.
أفتحُ النافذة.
الصباحُ يقفُ هناك
طفلًا مُلحًّا
يجرُّني من كمّي
ويقول:
“تعالَ،
لم ننتهِ بعد.”
















