مناضل التميمي*
في هذا البيت
تُجري الأشياءُ انقلاباً أبيض
كلَّ ليلةٍ،
وتستولي على ذاكرتنا
دون أن تُراق قطرةُ دمٍ واحدة،
المرآةُ انتخبتْ وجهي
رئيساً لجمهوريةٍ لا تعترف بالمواطنين،
والساعةُ أصدرتْ مرسوماً
بإلغاءِ الجهات التي تؤدي إلى الغد،
أما البابُ
فقد انشقَّ عن مصراعَيه
وأعلنَ أنَّ الخروجَ
شكلٌ متأخرٌ من أشكال الدخول،
في المطبخِ،
كانت الملاعقُ تتآمر على أفواهنا،
وتُعدُّ قائمةً بما ابتلعناه ولم نهضمه،
رسالةٌ عالقةٌ في الحلق،
يدٌ أفلتناها عند حافة اللحظة،
وشتيمةٌ تخمّرت في المعدة
حتى صارت رأياً سياسياً،
الثلاجةُ تحفظُ شتاءً عتيقاً،
كأنَّ العائلةَ دفنتْ فصولها
ولم تتعلّم قراءةَ الفقد،
والكرسيُّ الفارغ
يتصدّرُ اجتماعات المساء،
يصغي إليه الجميع،
ويوقّعون على صريره
كأنَّ الغيابَ
رئيسُ الجلسة،
في الخارجِ،
تتبادلُ الأشجارُ أوراقَها
مع الريح،
كما تتبادلُ الأيدي رسائلَ سرّية،
وحدنا نرفعُ قلوبنا إلى المحكمة
كي نثبتَ أنَّ قلباً
كان يسكنُ قلباً آخر،
عند منتصف الليل،
أطفأتُ المصباح،
فأضاءتْ الغرفةُ من الداخل،
رأيتُ ظلالَنا القديمة
حول مائدةٍ صغيرة،
تلتهمُ أعمارَنا بشهيةٍ هادئة،
وتضحكُ كلما مرَّ اسمٌ
ظننّاه دُفن في النسيان،
اقتربتُ منها،
فسألتني إحداها:
ـ مَن أنت؟
قلتُ:
أنا صاحبُ هذا البيت،
فانفجرتْ بالضحك،
وأشارتْ إلى الجدران،
إلى السقف،
إلى النافذة العمياء،
ثم قالت:
ـ عجيبٌ أمرك!!
كلُّ ما هنا
يعرفُ أنكَ ضيفٌ،
إلا أنت،
ومنذ تلك الليلة
أنامُ واقفاً
كي لا أوقظَ أحداً
في سرير الغياب،
أتركُ حذائي عند الباب،
وأمشي حافياً
فوق ما تبقّى منّي،
كأنَّ جلدي خريطةٌ ممزقة
لبيتٍ لم أصلْ إليه،
لكنَّ الصباحَ يأتي كلَّ يوم
بوجهٍ مستعار،
ويعيدُ ترتيبَ الكارثة
حتى يبدو الخرابُ
كأنه أثاثٌ قابلٌ للسكن،
وأنا،
كلما حاولتُ أن أكونَ نفسي،
عثرتُ على غريبٍ
يرتدي ملامحي
ويعتذرُ باسمي،
حتى صرتُ أخشى المرايا،
لا لأنها تكشفُ ما أخفيه،
بل لأنها، للمرة الأولى،
تُغمضُ عينيها
حين أنظرُ إليها.
…….…………….
*شاعر من العراق















