اليوم عضني كلب

أو كيف تنتقم من كافكا بكتابة قصة عنه

فن تشكيلي

محمود خليفة

“ها أنا أنزف الدماء في الشارع كأي حيوان ضال” قال الصغير كافكا وكأنه يخلد العار الذي لحق بالبشرية، كأنما أراد بذلك أن يسجل شهادته على قسوة الحياة التي لن تعود كما كانت. بكاء الصغير وصم العالم بالظلم إلى الأبد.

رق لرؤيته قلب امرأة تسكن الزقاق، تمنت لو كان لديها بعض البن لتكبس به الجروح التي أحدثها الكلب في ذراعيه وكتفه ووجهه لكنها كانت فقيرة معدمة. اخترقت المتجمهرين حوله وتقدمت له بخرقة كانت تنظف بها النافذة، لم يفهم الصغير ماذا يفعل بالخرقة فراحت السيدة تمسح بها دمائه هنا وهناك.

” يجب أن تذهب إلى الطبيب” قالت السيدة الرقيقة ويبدو أنها أفزعته فقالت مطمئنة إياه “سوف تصاب بسعار الكلب إذا لم يقم الطبيب بعلاجك فوراً”

توقف الصغير عن العويل وغلب شهقاته متسائلاً ما هو سعار الكلب فأجابته السيدة أنه سيظل ينبح ويعض كل من حوله.

تذكر كافكا عندما انغرست أنياب الكلب في كتفه، لابد أن شراينه كانت تستقبل فيروسات خطيرة، سربت الخدر إلى عقله فلم يستطع مقاومة الكلب الذي إغتنم الفرصة وإلتهم خده الأيمن.

إنضمت لهم سيدة أخرى، ناولته شربة ماء في كوب مشروخ. نظر الصغير بامتعاض إلى الكويئنات البيضاء التي تسبح في الماء ثم أفرغ الكوب في جوفه. هدأ بكائه قليلاً بيد أنه بقي يشهق. اقترح أحد الرجال تسليمه للشرطة وتبرع رجل آخر بتوصيله لبيته حتى يشرح لوالديه ما حدث. أصيب كافكا بالذعر، فكيف يشرح لهم أنه حاول فك الرباط الضيق الذي كان يخنق الكلب. لم يذنب الولد عندما حاول إصلاح ما فعله بعض الأشقياء. لقد شعر بالظلم الواقع على الكلب، لكن الكلب أساء الظن. سكان الزقاق أيضاً أساءوا الظن، وعللوا هجوم الكلب على كافكا بأن كافكا بنفسه قد حاول أن يخنق الكلب. سوف يأتي أحدهم إلى بيته لينقل سوء الظن إلى والديه. في اليوم التالي سيكون عليه أن يشرح للمدرسة بأكملها أنه لم يخنق الكلب ولكنهم لن يصدقونه.

شعر كافكا أنه في مأساة كلابية فادحة. تعلل أنه يسكن في زقاق قريب ولا حاجة به لأحد يصحبه. اخترق الجمع مسرعاً وهو يسمع أصواتاً تحذره من العبث مع الكلاب الضالة. لم يصدقه أحد، لن يفعلوا. لابد أن الذين حاولوا تقييد الكلب كانوا يضحكون في سرهم.

مر كافكا ببيت خرب فقفز إلى داخله وراح يفكر في احتماليات ما يمكن حدوثه. لا يمكن إخفاء ذلك الجرح في وجهه، إذن لا يمكن إبقاء ما حدث سرا وبالتالي لن يمر بوالديه مرور الكرام وسوف يواجه باللوم. وإذا لم يكن هذا كافياً، سيأتي الطبيب لحقنه واحد وعشرون مرة في بطنه كما قالت السيدة، وسيكون عليه مواجهة آلام العض وآلام الحقن وآلام الظن السيء، كما سيكون عليه الاعتراف للقس بإثم لم يقترفه. ولو بقي في الخرابة سيتضور جوعاً، ولو تحمل الجوع سيتمكن منه السعار، ولو إنسعر سيسمع الناس عوائه وسيأتي الأشقياء لتقييده وخنقه. كانت تلك هي نهاية العالم الذي يعرفه كافكا. لقد انتهى عهد الأمان وحل محله عهد الظلام القاسي.

ساعات قليلة مرت قبل أن يتنبه كافكا المتكور على نفسه في ظلمة البيت الخرب إلى أصوات تنادي اسمه، استطاع تمييز صوت أبيه بينهم، شعر باقتراب الأصوات منه، سمع أقداما تحوم حول الخرابة، إجهش بالبكاء، خاف أن يسمع أحد صوته فوضع يداه على فمه، حبس أنفاسه حتى تبتعد الأقدام والأصوات. تنبه لكونه في خرابه قد تحوي بعض القوارض أو الحشرات التي ستنقض عليه في أي لحظة، ولو تفادي البشر بالخارج لن يتفادى الفئران والخنافس بالداخل. تحسس مكان العضة في وجهه فوجد الشعر قد بدأ ينمو حولها. إنه يتحول لكلب. لن يكون الأمر سيئاً بعد برهة، سيكون ملكاً على عرش الخرابة، من يفكر في الاقتراب سيلتهمه حياً.

مرت ساعات أخري وسكن العالم. الكل قد خلد إلى النوم، بجوار المدافئ، تحت الأغطية، وتحت الأسقف المتينة. أما كافكا الذي كان يلهث بلا انقطاع فقد عرف الوسن طريقاً لعينيه المرهقتين أخيراً. راح يتثاءب وقد استطال لسانه ليتدلى من بين أنيابه. لم يتوقف الشعر عن النمو في جسده، زحف إلى أطرافه، تمدد إلى أخمص قدميه وإلى أعلى رأسه، تدبب من مؤخرته صانعا ذيلاً كثيفاً.

كسته الهيئة الجديدة برباطة جأش، وقد رأى في ذلك قوة ستمكنه من رفع الظلم عن الضعفاء. سوف يعاقب العالم على سوء ظنه. سيعقر أهل الزقاق، الواحد تلو الآخر. سيفتك بأشقيائهم، من يقيدون الكلاب. سيجوب الشوارع فارضاً سطوته، معيداً للعالم بعض العدالة.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع