المثقف التكتيكي: تقلبات المنبر بين الحروب والتحولات

بولص آدم

مدخل: من هو المثقف التكتيكي؟

قبل تتبع التحولات التي مرّ بها المشهد الثقافي العراقي عبر الحروب والانكسارات السياسية، يصبح من الضروري توضيح المقصود بالمثقف التكتيكي. هذا المصطلح يشير إلى نمط من الفاعلين في الحقل الثقافي يتعامل مع المعرفة والخطاب العام بوصفهما أدوات للتموضع داخل موازين القوة المتغيرة. اهتمامه الأول ينصرف إلى حماية موقعه الشخصي داخل شبكة الاعتراف والامتياز، ولهذا يقرأ التحولات السياسية قراءة عملية تحكمها حسابات الربح والخسارة أكثر مما تحكمها القناعات الفكرية المستقرة.

المثقف التكتيكي يطوّر مع الزمن قدرة واضحة على المناورة الخطابية. يراقب اتجاه الرياح السياسية، ويعيد صياغة لغته بما يتلاءم مع المرحلة. يحتفظ بمسافة رمادية في كثير من المواقف تسمح له بإعادة تفسير أرشيفه عندما تتغير الظروف. هذه المرونة تمنحه قدرة على الانتقال من خطاب إلى آخر دون قطيعة حادة مع ماضيه، كما تتيح له الاستمرار داخل المجال العام مهما تغيّرت المراكز التي تمنح الشرعية الثقافية.

هذا النمط يظهر غالبًا في البيئات السياسية غير المستقرة، حيث تتبدل السلطات وتتشكل شبكات نفوذ متنافسة حول مؤسسات الثقافة والإعلام. في مثل هذه البيئات يتحول الاصطفاف إلى مورد رمزي قابل للاستثمار، ويصبح القرب من مركز القوة طريقًا سريعًا نحو المنابر والفرص. هنا يتشكل ما يمكن وصفه بالمثقف الحرباوي، وهو المثقف الذي يتقن التكيّف مع السياق السياسي ويحوّل التحولات الكبرى إلى فرص لإعادة التموضع داخل الخريطة الثقافية.

من هذا التعريف يمكن فهم تقلبات المثقف التكتيكي عبر المراحل التاريخية المختلفة في العراق. الحروب والتحولات السياسية التي بدأت مع الحرب العراقية الإيرانية، مرورًا بمرحلة الحصار بعد 1991، ثم التغير الجذري بعد 2003، وصولًا إلى التوترات الإقليمية الراهنة، شكلت سلسلة من المحطات التي أعادت رسم المجال الثقافي مرارًا.

من التعبئة إلى التكيّف

مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية دخل المجال الثقافي العراقي مرحلة تعبئة واسعة. الحرب الطويلة حوّلت الأدب والإعلام إلى جزء من خطاب الصمود الوطني، وشارك كثير من الشعراء والكتاب في إنتاج نصوص تعبويّة تدعم سردية المواجهة. المؤسسات الثقافية الرسمية كانت المنبر شبه الوحيد المتاح، ولذلك ارتبط الحضور الثقافي بدرجة الانخراط في خطاب التعبئة. في هذا المناخ وجد المثقف التكتيكي فرصة لتعزيز موقعه عبر الاندماج في السردية السائدة، حيث أصبح الخطاب المساند للحرب طريقًا واضحًا نحو الاعتراف المؤسسي والظهور.

انتهاء الحرب لم يغلق هذا المسار. أزمة الكويت وما تلاها من حرب عام 1991 أدخلت العراق في مرحلة الحصار الاقتصادي الطويل. تلك السنوات فرضت واقعًا ثقافيًا ضيقًا تتحكم به مؤسسات محدودة. كثير من المثقفين طوّروا خلال هذه المرحلة أسلوبًا حذرًا في الكتابة والكلام. المثقف التكتيكي تعلّم إدارة خطاب مزدوج؛ لغة علنية تنسجم مع المناخ السياسي القائم، ومسافة داخلية تسمح بإعادة تأويل الماضي عندما تتغير الظروف. الحصار الاقتصادي جعل البقاء داخل المؤسسات الثقافية الرسمية أحد أشكال النجاة الاجتماعية، الأمر الذي عمّق ثقافة المسايرة لدى بعض الفاعلين في الحقل الثقافي.

الانعطاف الكبير بعد 2003

جاءت اللحظة المفصلية التالية مع غزو العراق وسقوط النظام السياسي السابق. انهيار المركز السياسي فتح المجال لصعود قوى جديدة وهويات سياسية متنافسة. المجال الثقافي دخل مرحلة إعادة تشكل واسعة، ووجد كثير من المثقفين أنفسهم أمام واقع مختلف تمامًا عن المرحلة السابقة.

في هذا السياق برز بوضوح نموذج المثقف المرتبط بالانتماء السياسي أو الطائفي. المنابر الإعلامية والمؤسسات الثقافية الجديدة ارتبطت غالبًا بجهات حزبية أو شبكات نفوذ مختلفة. المثقف التكتيكي قرأ هذه الخريطة بسرعة، وأعاد صياغة موقعه وفق التوازنات الجديدة. بعض المواقف القديمة أُعيد تفسيرها، وبعض الخطابات تغيرت لغتها لتنسجم مع السياق الجديد.

خلال العقدين التاليين ترسّخ هذا النمط مع تشكّل نظام سياسي متعدد المراكز. التمويل الثقافي والإعلامي أصبح مرتبطًا غالبًا بشبكات حزبية أو مؤسسات مدعومة سياسيًا. في هذه البيئة تحوّلت القدرة على قراءة موازين القوى إلى مهارة أساسية للبقاء في المشهد الثقافي. المثقف التكتيكي أتقن إدارة المسافة بين المراكز المختلفة، محافظًا على مساحة تسمح له بالانتقال بين الخطابات دون أن يفقد حضوره بالكامل.

لحظة الاهتزاز

التحولات الإقليمية والتوترات السياسية في السنوات الأخيرة تفتح فصلًا جديدًا في هذه السلسلة. في لحظات الاضطراب الكبرى يعاد ترتيب التحالفات وتُختبر شبكات النفوذ القائمة. إذا انهارت بعض المراكز فجأة، يتصدّع أولًا الصورة التي بُنيت عليها شرعية كثير من المثقفين المرتبطين بها.

المثقف الذي استمد حضوره من شبكة محددة يجد نفسه أمام فراغ رمزي واضح. بعضهم يسعى إلى إعادة سرد تاريخه الثقافي بطريقة تمنحه مسافة عن الاصطفافات السابقة، وبعضهم يبحث عن شبكة جديدة تمنحه الحماية الرمزية نفسها. آخرون يختارون الصمت المؤقت بانتظار استقرار الخريطة السياسية.

مع كل تحول كبير تتكشف الفروق بين استراتيجيات المثقفين في إدارة علاقتهم بالسلطة والمجتمع. بعض الانتهازيين يسقطون لأنهم ربطوا أنفسهم بمركز قوة واحد، وعندما يتراجع ذلك المركز تتراجع معهم شرعيتهم الرمزية. آخرون ينجون لأنهم احتفظوا دائمًا بمسافة تسمح بإعادة التموضع. في المقابل يظهر المثقف الذي دفع ثمن استقلاله في مراحل سابقة، وقد يجد نفسه فجأة في موقع قوة رمزية لأن الاتساق يصبح قيمة نادرة في زمن التقلبات.

ما الذي يبقى في الذاكرة؟

المشهد الثقافي العراقي عبر هذه العقود يوضح أن التحولات السياسية لا تغيّر الأنظمة فقط، بل تعيد تشكيل صورة المثقف ودوره في المجتمع. الحروب الطويلة والانهيارات السياسية المتتالية أنتجت بيئة سمحت بظهور المثقف التكتيكي بوصفه فاعلًا يجيد التكيف مع موازين القوة المتبدلة.

مع مرور الوقت تعيد الذاكرة الثقافية تقييم هذه الأدوار. بعض الأصوات التي ارتبطت بمراكز نفوذ عابرة يتراجع حضورها مع تراجع تلك المراكز، بينما تحتفظ الأصوات التي حافظت على قدر من الاتساق بقدرة أكبر على الاستمرار. في نهاية المطاف يبقى السؤال الذي يواجه كل مثقف في لحظة التحول: أي صورة يريد أن يحملها عندما يهدأ الغبار وتبدأ كتابة الذاكرة.

بولص آدم

58 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع