اللعب السردي والبناء الساخر في “محطات أحلام” لمحمد الطايع

محمد المسعودي

       يتكون كتاب “محطات أحلام للكاتب القاص محمد الطايع من اثنتي عشر قصة قصيرة تمتد على 108 صفحات من الحجم المتوسط. ومن يقرأ هذه النصوص القصصية تلفت نظره موضوعات متعددة انشغلت بها القصص، كما يثير انتباهه تنوع اشتغالات الطرائق السردية، وغنى الأساليب الفنية التي انتهجها الكاتب لتشكيل متخيله وعوالمه الحكائية.

       ونحن في هذه القراءة نحب الوقوف عند ملمحين بارزين أدمجنهما في عنوان مركب جامع هو: اللعب السردي والبناء الساخر. فما تجليات اللعب السردي في نصوص “محطات أحلام”؟ وكيف يشتغل داخل هذه النصوص ليبني قسماتها الفنية؟ وكيف يوظف الكاتب “البناء الساخر”؟ وما الأبعاد التي يحملها هذا الملمح الفني ويتقصدها في نسيج النصوص؟

       يتجلى اللعب السردي منذ النص الأول الذي حملت المجموعة اسمه “محطات أحلام”، وهو لعب استند إلى استحضار متلق مفترض أو متخيل خاطبه السارد بضمير المخاطب المؤنث، وكأنه لا يحبذ سوى الأنثى لقراءة “محطات أحلامه”، ثم يتبع هذه اللعبة الفنية بلعبة أخرى في سياق حوار مفترض بين السارد/ الكاتب وشخصيته المتخيلة، وفيه يبين حاجة السارد إلى متلقيه، وحاجة المتلقي إلى سارد يمتعه بإبداعه لأنهما مرتبطان معا بميثاق عبر عنه السارد بقوله:

       “.. أنا متحمس جدا، وأضمن لك وقوع أحداث مثيرة ومشوقة، كأن تجربي الكثير من المشاعر الرائعة، الأنس مثلا، الخوف النسبي وتنوع الرهبة، وهي تتخذ أشكال المزاح الثقيل. مثلما أضمن لك كلما أحسست بالخطر، أن أهب لنجدتك، أو نجدتي، لأنني كلما ساعدتك على الخروج من مأزق ما، ساعدت نفسي على التخلص من مأزق الصفحات الفارغة” (ص. 5)

       وهكذا يمضي السرد متشكلا من حوار مفترض مع شخصية متلقية أو قارئة تصبح هي بطلة القصة ومحورها، بحيث يجعلها السارد بؤرة لعبته القصصية ويقف من خلالها على واقع المدينة المعاصرة وما تحبل به من خلل وتناقضات. وهنا تحضر السخرية لتصبح، بدورها، لعبة فنية، وبنية دلالية تشكل متخيل النص وأبعاده:

       “من يدري؟ لعلك تقعين في غرام أحد الفرسان النبلاء، فيوسوس لك عبقر السرد، ألا غضاضة في خيانة الراوي مرة واحدة. لكنك سوف تصابين بخيبة كبيرة، حين يشعرك المغازل الدونجوان، أنك لست سوى واحدة من ألف امرأة تنازل وحملها على ظهر جواده. تلك الخيبة سوف تلهمك الكثير، وقد تصبحين أنت أيضا شاعرة، يكفي أن تقولي أن شراعه تكسر على صخور شاطئ انتظارك، بدل الاعتراف أنه لم يكلف نفسه عناء طلب سيارة أجرة لجنابك الكريم” (ص. 8)

       هكذا تنبثق السخرية من افتراض وتخيل قائم على المحاكاة الساخرة (الباروديا)، ومن تصوير لواقع حالٍ معاصر قوامه الخداع والكذب والنفاق، وأساسه الأوهام والأباطيل والأحلام المرتحلة التي لا تتحقق. وبهذه الكيفية تتواشج ألعاب السرد مع الحس الساخر لتبني عوالم القصة وتحدد مراميها القريبة والبعيدة.

       وفي قصة “جنون كاتبة” نجد اللعب السردي نلفي اللعب السردي ينطلق من رصد أفعال الكاتبة “سامية”، وهي بطلة قصتنا، التي تتميز بالغرابة والنزق مما يلفت أنظار الآخرين إليها، فهي، بدورها، تخاطب شخصياتها القصصية المتخيلة تماما كسارد القصة السابقة، لكنها تحادثها بصوت مرتفع، حتى وهي في المقهى، بل إنها تحتد في محاوراتها، وتدخل في صراع مع أبطالها الوهميين. وهكذا يقوم اللعب السردي في هذه القصة على أساس ساخر، بدوره، ليرصد المواقف المفارقة للكاتبة، ويقف عند اضطرابها النفسي، وارتباطها بعالمها الافتراضي الموهوم أكثر من اتصالها بواقعها وعالمها المحيط. وبهذه الكيفية نرى كيف أن محكي القصة يشتغل بالحديث عن “الكتابة” ومآزقها وملذاتها وجنونها وأوهامها، تماما كما لاحظنا في النص السابق “محطات أحلام”. وهكذا تتشكل القصة من خلال تخمينات الكاتبة، وما تفترض حصوله لشخصياتها القصصية التي لا تقل عنها غرابة وجموحا وجنونا، لكن اللعب السردي في براعته يجعل المتلقي يشعر بانتقال الكاتب في سلاسة من حكاية شخصية إلى حكاية شخصية أخرى، وكأن خيط السرد لا نقلات فيه مما يمنح للنص تماسكه ووحدته القصصية.

       وفي نفس المسار تمضي قصة “تماهي” التي تسرد حكاية كاتب قصصي وشاعر، وهو يعيش في عوالمه الموهومة، ويلج عالمه الافتراضي المشحون بالاستيهامات والرؤى الإبداعية التي لا تخلو من عنف وجنون، وخلط بين الحوادث والكائنات التي يتخيلها، والتي يأمل أن تشكل نصوصه القصصية. وهكذا نجد اللعب السردي في مده وحركته يغوص في كشف دواخل شخصية الكاتب (بطل القصة)، وفي نفس الآن يجلي وقائع يتماهى معها، أو يُبرز شخصية من الشخصيات التي يتفاعل معها سلبا أو إيجابا. وعبر هذا المكر الفني يبني النص عوالمه السردية الممتعة التي لا تخلو من تشويق وإثارة. وقد كانت لمحات السخرية التي تنبثق أثناء السرد فاعلة في منح النص إشراقه الجمالي بما تحمله من إشارات لماحة ودلالات طريفة. وهذه القصة تجعل من لعبة “الشبيه” أو “القرين” الذي يتماهى به كاتب القصة/ البطل أساسا لسرديتها ومحورا لتشكيل متخيلها.  

       وإلى جانب النصوص السابقة التي جعلت من شخصيات الكتاب المبدعين أساسا لبناء عوالمها المتخيلة يمكننا الحديث عن نص آخر يمضي على نفس الدرب حمل عنوان “زيدان”، وهو نص يقوم على لعب سردي لا يخلو من طرافة وغرابة، هذا اللعب الفني الذي يمنح القصة قدرة كبيرة على التميز، ومن ثم جعل المتلقي يقرأها في لذة ومتعة كبيرتين. ولعل القارئ، وهو يتتبع تفاصيل الأحداث والوقائع، ويُنصت مع الكاتب الافتراضي (شخصية القصة المحورية) إلى ما يرويه جليسه في البار عن “زيدان”، وعن أفعاله ومواقفه، وما تكشف عنه تلك الأفعال والمواقف من خصائص هذه الشخصية المتخيلة، يدرك حجم الاختلاق والقدرة على التخيل وتوليد الوقائع لدى الراوي، مما يُشعر المتلقي بمدى تمكن اللعب السردي من بث قدر هام من الإثارة والتشويق في تضاعيف الحكاية. وقد كانت السخرية المرتبطة بطرافة الوقائع، إضافة إلى غرابة شخصية “زيدان”، فضلا عن غرابة الجليس/ الراوي أبعادا أخرى من أبعاد التشكيل الفني والدلالي في هذا النص القصصي. يقول السارد في نص “زيدان”:

       “فجأة توقف الراوي عن سرد قصته، عندما أبصر إحدى الساقيات تبكي في زاوية خلف منصة الشرب، استسمحني في النهوض إليها، فخفت ألا يعود فتبقى حكاية زيدان عالقة في دماغي، مثل شوكة في الحلق، وذاك أن السكارى يعطون وعودا ثم يخلفونها، فأنا لم أطلب منه أن يقص علي شيئا، هو من أصر على أن أستمع له، تابعته عن كثب بعد فراغه من الاستماع لشكوى الفتاة.. وهو يقف وسط القاعة، ثم صرخ بأعلى صوته، يتوعد ويشتم، ويسب شخصا اسمه، ولد العالية.

       ولد العالية من مشاهير الأفاقين، الذين يستغلون الفتيات ويسرقون الناس علنا ويعتدون عليهم، حضر بعد لحظات مزهوا بطوله، وحذائه الرياضي الثمين، يلبس فانيلا بيضاء تكشف عضلات صدره وذراعيه. لكن صاحبي لم يهتم لكل هذا، مباشرة بعد رؤيته له، صفعه على وجهه، فلم تصدر عن ابن العالية، أي ردة فعل معادية” (ص. 59- 60)

       هكذا نرى من خلال هذا المشهد القصصي كيف تتم لعبة السرد وتنبني في النص لتشكل عالمه التخييلي، ونرى كيف ترشح السخرية من رؤية السارد لبطله راوي القصة، كما ترتبط بتصوير موقف ولد العالية الذي بدا أمام هذه الشخصية ضئيلا ذليلا على الرغم من هيئته التي توحي بالقوة والجبروت. وهكذا كانت المفارقة وكانت السخرية جوهر هذا المشهد القصصي، ومن أسس تشكل متخيل النص.

       في ضوء كل ما سلف نؤكد أن اللعب السردي باعتباره تقنية فنية أدى دورا حيويا في بماء نصوص “محطات أحلام”، وأنه شكل بعدا جوهريا في تشكيل المتخيل بما يتسم به من طرافة وغرابة، وبما يغوص فيه من حيوات الشخصيات قصد تجلية طبائعها وحقائقها النفسية ووضعياتها الاجتماعية. وبذلك كان هذا اللعب الفني استراتيجية جمالية تقصدها الكاتب محمد الطايع، وجعلها سمة من سمات كتابته القصصية.  

……………………

*محمد الطايع، محطات أحلام، دار بصمة للنشر والتوزيع، فاس، 2025.

 

 

صدر له في الشعر: مدارج البوح والعزلة، عن منشورات سانوسا، طنجة 2007 وفي النقد: اشتعال الذات: سمات التصوير الصوفي في…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع