بولص آدم
لم أخرج من الشقة الضيقة يومًا، حتى حين غادرتها. كانت تسافر معي في حقائب لا أفتحها، لكنها تظل مفتوحة في داخلي، جدرانها قريبة من وجهي، نافذتها معلقة في السماء مثل عين نصف نائمة، رائحة الرطوبة على المعطف، وهدير الشارع المنهك يتسلل من شقوق الزجاج كما يتسلل الخوف إلى الحلم. منذ غرف القسم الداخلي التي عرفت أول أصواتي، حتى شقق اللجوء التي أغلقت أبوابها على وحدتي، ظل المكان يكتبني قبل أن أكتبه.
لكن أقسى المساحات الضيقة كانت هناك، حيث لا اسم للمكان إلا في همس السجناء، وحيث لا نافذة سوى فتحة ضيقة في باب حديدي. غرف كصفائح الزيت النباتي الساخنة، التي يُساق إليها الجسد في عزّ القيظ، جدرانها عارية إلا من العرق المتبخر، وأرضها تمتص كل نفس ثقيل. كنت أكتب، أكتب كي لا أنسى اللغة، أكتب كي لا يبتلعني الصمت. في تلك الزنازين، كانت الكلمة شربة ماء مؤجلة، وكان الحرف ظل شجرة بعيدة لا يراها أحد سواي.
في القسم الداخلي لطلاب الفنون، الغرفة كانت جماعية لكنها أضيق من حلم شخص واحد. الأسرّة الحديدية تصدر أنينًا في كل حركة، الممرات تحمل أصوات أقدام لا تنتهي، والليل أطول من الحكايات. كنت أتعلم أن أختبئ في كلمة، أن أترك العالم يضج خلف الباب وأفتح لنفسي نافذة في السطر. هناك عرفت أن الورقة يمكن أن تكون غرفة أكبر من الغرفة، وأن السطر هو الممر الذي لا يؤدي إلى باب مغلق.
ثم جاءت المدن التي لا تتذكرني إلا حين أكتب عنها. في واحدة كان الزقاق يضيق حتى يبتلع سماءه، وفي أخرى كان الشارع واسعًا لكنه يجرّ نفسه مثل عجوز تعب من الانتظار. تغيّرت النوافذ لكن التعب كان واحدًا: وجوه تحمل رزقها في أكياس بلاستيكية، محلات تغلق أبوابها قبل أن يسقط الليل، أطفال يركضون خلف كرة نحو المجهول، وباعة ينادون بأصوات مخنوقة. كنت أكتب على طاولة صغيرة قرب النافذة، أراقب المارة كما يراقب البحّار البحر، أعدّ خطوات الغرباء وأستمع إلى أصوات لا أعرف أصحابها، لكنها تعرفني من كثرة ما ترددت في أيامي.
وفي شقق اللجوء، صار الضيق أكثر ترتيبًا. الجدران بيضاء بلا ذاكرة، الأثاث مستعمل يعرف أسماء كثيرة غير اسمي، الممرات صامتة إلا من وقع أقدام عابرة لا تعود. الريح تتسلل عند الزوايا وتترك صفيرها ينام معي، والشارع هنا مختلف: بلا صخب الباعة ولا ضحكات الأطفال، لكنه يحمل في صمته صدى شوارع المدن السابقة، بأصواتها وروائحها وخطواتها. كنت أكتب وفي داخلي ضجيج تلك المدن، كأن كل شارع منهك عرفته يقف الآن خلف نافذتي.
لم تكن الكتابة رفاهية، كانت تنفسًا، نوعًا من التمرد، محاولة لترجمة الألم المكبوت إلى شيء يمكن احتماله. كنت أقاوم ضيق المكان بضيق أكبر على الورقة، وأقاوم صمت الجدران بضجيج الكلمات، وأقاوم تعب الشارع بأحلام لا تتسع لها الأرصفة. اللغة التي خرجت من هذه التجربة كانت مكثفة، حادة أحيانًا، لكنها تحمل جماليات خفية تولد من عمق الألم. كل صورة صغيرة، كل تفصيل هامشي — ظل شجرة على الحائط، صوت مصعد قديم، قطعة خبز على الطاولة — كان يحمل معاني أكبر من حجمه، ويربط بين المدن التي عشتها كخيط غير مرئي.
هكذا، بين غرف الصفائح الساخنة في السجن، والقسم الداخلي، وشقق المدن المؤقتة، وممرات اللجوء، فهمت أن الشقة ليست مجرد مكان للإقامة، إنها سجن يفتح أبواب الإبداع، وأن الشارع المنهك ليس خلفية صامتة، إنه رواية حيّة تمشي على أقدام الناس. في هذه المساحات الصغيرة، تنطق النصوص بأصوات المقهورين، وتحمل بين كلماتها وجعًا وأملًا، وتثبت أن الحصار، مهما ضاق، يمكن أن يكون نافذة نطل منها على العالم بعيون مختلفة.












