القهوة: مَحلُّ ثقة.

محمد الفخراني

محمد الفخراني

لو أنّ نهرًا من القهوة يَسري في العالم، فمن أين يمكن أن ينبع؟ 

القهوة مشروب أرضي.

يليق بها أن تكون أرضيّة.

كما لا يناسبها أن تكون نهرًا.

القهوة، هذه العادية، عاديةٌ لدرجةِ الخصوصية، خاصّةٌ لدرجةِ العادية، يليق بها أن نصادفها في الشوارع والممرَّات والمقاهي، أيّ شارع وأيّ مَمَرّ وأيّ مقهى. 

كل ما فيها عادي، وله خصوصيته، مثل يوميَّاتنا، اختارت لونها البُنِّي، أحد أكثر الألوان مشاعًا وعاديَّة، وأيضًا ثباتًا ورسوخًا وثقة، رائحتها غير المُبَهْرَجة، هناك شيء عادي في رائحة القهوة، معتاد، عادي حَدَّ أنه يخصُّها وحدها، ولا يمكن أن نتوقَّعه من غيرها، حَدَّ أننا نتمهَّل عندما نصادف هذه الرائحة، وطعم القهوة؟ ليس احتفاليًّا ولا غامضًا ولا مُرَكَّبًا ولا استعراضيًّا، وقوامها، انسيابيتها الرصينة والرشيقة معًا، الاتساق والتناغم بين شكلها ورائحتها ولونها وطعمها وحركتها، كأنهم جميعًا الشيء نفسه، ذلك الشيء العادي الواثق، وتلك الأُلْفة المُتجدِّدة. 

هي نفسها كل مرَّة، لهذا نثق بها، حتى أننا نبحث عن طعمها الأصلي في كل مرَّة، لا نريد طعمًا جديدًا، نريد منها ما نعرفه عنها، لا مفاجآت، المفاجأة أن تكون نفسها في كل مرَّة.

لا مفاجآت، وجديدة أيضًا، كأنها في كل مرَّة: أول رشفة، أول حفنة قهوة، تلك الحفنة الصغيرة بملء الكَفّ أو أقَلّ عندما نُشَكِّل الكَفَّ فنجانًا.

شخصيتها واضحة، لا تُغَيِّر عاداتها، ولا ألاعيب، مع ذلك لا يمكن القول أنها مُتَوَقَّعة، هي لا تدخل في دائرة التوقُّع أو عدم التوقُّع، أصيلة، وروحها ثابتة بأناقة، وفي الوقت نفسه مُتجدِّدَة.. بأناقة.

القهوة عاديةٌ وخاصةٌ جدًّا مثل يوميَّاتنا.

القهوة مَحلُّ ثقة.

 

روائي وقاص  مصري صدر له: بنت ليل  ـ مجموعة  قصصية ـ هيئة قصور الثقافة فاصل للدهشة ـ رواية ـ دار…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع