العتمة امرأة ضريرة.. وقصائد أخرى

fathy mohazzab

فتحي مهذب

الميتة التي تزورنا في المساء

أسلمتني بريدك

تلك الفراشة المصطفقة

بكيت طويلا يا أمي

لما اكتشفت إيقاع روحك في الكلمات..

صوتك العائم في مياه المخيلة..

قرأت رسالتك جيدا..

واكتشفت أنك في المساء

تزورين بيتنا خلسة

تشعلين المحبة في وردة المزهرية

تضيئين كل الأمكنة المعتمة..

تطردين ذئاب الغياب..

وفي مطلع الفجر

تعودين الى بيتك الأبدي.

*****

مؤامرة

بعد مؤامرة مريعة

تهاوت الدولة التي أقمتها

بعرق جبيني

دولة من الدموع والمحبة الخالصة

مثل قصر من الرمل

شيده طفل يتيم

نجا من المذبحة

مات كل جنودها بالذبحة الصدرية

وافترس  الغزاة حصونها المكينة

يا ويحي

لم يبق أحد من عائلتي الملكية

لا النسر الذي ربيته في قفصي الصدري

ولا الكلمات التي تقطر بالحكمة والذهب

لم تبق إلا شوارع خالية

في مملكة قلبي

تعوي على أطرافها ذئاب الفقد والوجيعة

أبكي طوال الوقت مثل أسد عجوز

فقد كل شيء في ضربة نرد

أقضي ما تبقى من فتات العمر

حالما بقيامة  عائلتي الملكية

إيقاع التاج فوق رأسي المهوشة

الحياة الجميلة

التي كانت تجلس ٱمنة

بجواري على كرسي العرش

مثل الملكة الفرعونية حتشبسوت.

*******

جاد

(جاد) أتسمعني جيدا؟

أتسمع خطوات قلبي بين الأنقاض؟

قلبي الذي يحلق كطائر واقواق

حاملا وجبة من الضوء

إلى سنواتك القادمة

أتسمع كلماتي وهي تتساقط أشلاء

على الإسفلت مثل حمام نافق؟

بح صوت  الأرجوحة يا( جاد )

وهي تنادي باسمك

لترتاح من زئير الفراغ

الشمس حزينة يا (جاد)

تقترب كثيرا من شباك حجرتك

بوجه رمادي وابتسامة داكنة

مكسوة بقلق مداري خانق

شجرة التوت مهددة بالعمى

شبه مظلمة ومتداعية جدا

تناديك بغصونها النحيلة

بعينين مكسوتين بالغيوم والنوستالجيا

(جاد) أتسمعني جيدا يا عزيزي؟

أيها الفهد الأشقر

أضرب في التلال المهجورة

في المقابر  المتناثرة

أتهجى الكثير من الشواهد

صار لي أصدقاء كثر من الأموات

هم أبديون بالسليقة

طيبون جدا جدا

كنا نبحث عنك

في غابة القبور الكثيفة

قم يا( جاد )

واهتك سجف الغيبة

أرنا وجهك الجميل

ضحكتك المليئة بالماس والذهب

رقصتك المليئة بالسحر والفنطازيا

أتسمعني يا( جاد)

شجرة الصنوبر المسنة

الشجرة الحزينة دائما

تقرؤك المحبة والسلام

سأرمي حبل مخيلتي

في قاع البئر يا( جاد)

لأنتشلك من قبضة الغياب

أنا متعب كثيرا يا( جاد)

القناصة يختفون في شراييني

في حديقة رأسي

المكان خطر للغاية

المقاتلات تهتف باسمك يا( جاد)

هل أنت جائع يا (جاد)

كنت تخبرني دائما

أن الأموات لا يجوعون

هم مشبعون بالضوء والصلوات

سأحفر بأسناني ركام الأنقاض

سأسحبك من مخالب الحجر

وأدفنك في أغوار قلبي

قلبي الذي نهبته الحروب العبثية.

****

سأطارد مزهريات القديسة.

من الآن فصاعدا

سأنكل بالذئب الذي يعوي في حديقة رأسي.

سأحرض المومسات لرشقه بالحجارة.

سأعتقل الموت مثل جاسوس .

سأعين حفار القبور ملكا في مبغى.

وأحول عربات الأموات بيوتا للدعارة والموسيقى.

سأرتدي قبعة المستحيل

وألعب بالأزمنة مثل بهلوان.

من الآن فصاعدا

سأدحض حجج العميان.

وأدع اللاوعي يتكلم بفصاحة

حاملا مصابيح من الذهب الخالص.

سأكذب رسول الوعي.

متهما غيمته الواقعية بالهرطقة.

سأحمل خمسين ألف إمرأة  في قارب فرعوني.

سأقيم مدينتي الأبدية.

وتكون النساء ملاذي الأخير.

من الآن فصاعدا

سأسحب النهار من العالم.

لأنه سام جدا وغير جدير بأحلام الشعراء.

وأقول لليل : أنت حبيبي وأخي الروحي الأبهى.

أنت الراعي المدهش لنوراس مخيلتي.

*****

شكرا أيتها الشمس

شكرا أيتها الشمس

لأنك حزنت معي هذا اليوم.

لأنك تنامين أحيانا في بيتي

مثل صديقة من الهنود الحمر.

تأكلين كما هائلا من ظلال الغائبين.

تدخلين وتخرجين على أطراف أصابعك.

ولا تنادين أحدا غيري.

لأنك حزنت معي هذا اليوم الأشيب.

  أخفيت وجهك في شال من الغيوم الداكنة.

ودعوت الليل لينام على سرير العالم مثل مقاتل شركسي.

والمطر ليفرغ دورق الدموع

أمام بيوت الجيران.

بينما الأرملة تلعب بالتابوت.

والمعزون يطلقون الحمام من قفص الكلمات.

وفي الحقول المجاورة

ناس يسحبون كيسا ثقيلا من الحظ العاثر.

شكرا أيها الثور المجنح .

الذي يهشم عمودي الفقري بقرنيه المعقوفين.

لأني خذلت فراشة تلاحقها أشباح

داخل غابة نص كثيف.

لأني ربيت نسيانا أشقر في حديقة رأسي.

أطعمته نوارس ذكرياتي الهشة.

وكسوته جناحين من الفضة.

ليطارد ما خلفه الجواسيس من سعال في مفاصل البيبان.

لأني أطفأت فهدا وخطفت جنازة.

لأني نكلت بنثر  الرعاة.

طاردت قطاة بؤسي اليومي.

شكرا يا إلهي

لقد صرنا صديقين أثيرين

تعبت حد الجنون

لأصل إلى قلعتك البعيدة

قطعت براري آهلة بالوحوش

مدنا تسكنها تماثيل مسلحة ببنادق صيد.

تعبت كثيرا يا رب

لأصل إلى بيتك المطوق بالينابيع

هبني قليلا من الأبدية

لأرتكب مزيدا من الحماقات الجميلة.

أنا أكره الموت في الشتاء.

أكره نظرة القبار المتداعية إلى جثتي.

أكره النوم الطويل في قبر مهجور.

أنا أحب الحانات وجر النساء من مؤخرتهن.

أحب اغتيال القلق المعرفي

في حفل موسيقي باهر

واعتقال عصابة أحزاني

فوق سرير المومس.

أحب صداقة النور النابع من نهديها.

أحب فصاحة أصابعها آناء السكر.

زعيقها المكرور في ذروات الشهوة.

شكرا أيتها الطريق

ثرثارة أنت وقلقة طوال النهار

يعبرك روائي نائم

ماسكا حبلا طويلا

لشنق شخوص روايته العدمية.

يعبرك حصان العائلة

يجر قطيعا من المتناقضات.

يعبرك نهر من الأقدام المتدفقة.

ومع ذلك لا تشتمين أحدا.

وفي العتمة تعيدين قراءة أسرار المارة.

رغم شقوقك العميقة.

لا تبكين أبدا.

لا تنتظرين منظرين لمقاربة جرحك اليومي.

**

  الغريب

بقرن معقوف في وجهي ..

أسدد ضحكة مجلجلة

لأزعج سمكا أزرق

يصعد من أخمص قدمي

الى أكواريوم رأسي ..

مدججا بصفير عظامي..

يلاحقني أطفال لم يولدو بعد..

سماكون بشباك أنيقة..

منجمون ببنادق صيد..

على كتفي قوارب مهجورة..

فقمة نافقة..

بقرن في وجهي..

أحفر أنفاقا عميقة..

لتعبرنى بواخر ملآى بالأسرى

والمنكسرين..

لتعبرني كلمات حزينة

على أطراف أصابعها..

لتعبرني عربات رهائن

بسرعة نيزك..

بقرن في وجهي

أجر عربة غريبة إلى الهاوية..

أصغي إلى قرقعة الأضداد..

وحمحمة اللامعنى .

 **

العتمة امرأة ضريرة  

أشكر أسد اللاوعي على زئيره المنزلي ..

أشكر أزيز فراشة النوستالجيا في نصوصك المذعورة..

سردك الفلسفي الذي يشبه عيون أفعى المامبا..

أشكر المصابيح التي تذرف الدموع والبركات..

أشكر نهديك الساهرين تحت أغصان يدي..

أشكر قطار العاشرة مساء إذ يتسلق شجرة عمودي الفقري مثل قرد الكسلان..

يلاحقه قناصة مظلمون ..

غراب الحظ العاثر..

برابرة بتنظيرات هشة..

إله نائم بسيقان برونزية..

أشكر نثرك المليء بالحمد والغفران..

المزهرية التي تقاتل الأشباح

بلفيف من الأزهار المضطهدة..

أشكر كرسيك الهادىء

الذي يمضغ الفراغ بفم خشبي.

وعلى كتفيه كيس مزحوم بأسرار الغابة..

كرسيك الحزين

المأخوذ بصفير عظامه..

العتمة تدق الأجراس.

الثعلب تحت جلدك السميك..

المراكب إنتحرت فوق ركبتك المكسوة بالثلوج..

وفي صوتك البني سمك نافق..

سأطرد هواجسك بريشة طاووس..

وأقرص فهد نثرك الليلي..

أحرر رهائن الأيام القادمة..

البيت مشمس في الليل..

نومك بستان طويل الأظافر..

سريرك يثغو مثل شاة ضريرة..

خاتمك المسحور يتلألأ مثل شمعة .

وحيدة تحت سقف من التنك ..

جيرانك مسمرون في البلكونة

يحصون فهارس الأموات.

حركات الكواكب البعيدة..

لن أمدح الضباب الوافد من أطراف أظافرك..

لأنه إلتهم ساعتي اليدوية..

هشم رأسي ببلطة الميتافيزيقا..

خطف أصدقائي القدامى

واختلس مفاتيح العالم السفلي.

******

أيتها الروح أنت كذبة كبرى

لتهدئة الروح

التي لا تنام أبدا ..

مثل رضيع ضربته الحمى..

صنعنا خدعا كثيرة

صنعنا الله لقصف العدم ..

إرتكبنا قيامة اللاشيء ..

آه أيتها الروح أنت كذبة كبرى.

***

حواسي كلاب سلوقية..

عالقة في أفخاخ العادة..

سأنكل بغراب البدهيات..

وأكون حفارا خطيرا في الربوة..

لن أصلي لضباب عابر ..

سأعتقل نوح البهلوان..

وأصنع من ألواح مركبه

خشبا لمدفأة الضرير .

***

اللاشيء ينبح طويلا

في حديقة رأسي

سأفتح النار على نثره المتقطع..

سأجلب المفاتيح من شجرة اللوز

وأملأ قيعان الجسد

بضيوف كثر .

***

أنا الله الذي يبحث عن الله

بشياطين وملائكة سيئين..

كان مشعوذون كثر في القبو.

سنطاردهم ونقيم سرادقات العزاء

أه ما أكثر الحفر في العتمة الأبدية

سحقا للعميان .

***

كم أحب الذئب الذي يغني

تحت جلدي المغضن..

***

كن شجاعا

وارحل ..

البيت معتم جدا..

الحروب قائمة على قدم وساق..

لا تنتظر رسولا كي تعبر الضفة..

لا تنتظرا أحدا.

ثمة أعماق مليئة بالزبرجد

في انتظارك .

 

فتحي مهذب

67 مقال
شاعر من تونس

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع