الطفولة تعود بي

صالح مهدي محمد

لا أعود إليها،
هي التي تنصب لي فخاخها
في منتصف الوقار؛
تخرج لي من ثنية
ثوب مكوي بعناية،
أو تباغتُني في لمعة
رصيف بلله المطر،
فتسحبُني من ياقة نضجي
إلى حيث كان العالم
يتسع في “تيلة” زجاجية.
الطفولة تعود بي..
تفكك أزرار قميصي الضيق،
وتعيد ليدي مهارة التشبث
بطيارة من ورق؛
تجعل المدن العملاقة
مجرد مكعبات ملونة،
والخيبات الكبيرة..
مجرد خدش صغير على الركبة
يمحوه تقبيل الأم.
أصير صغيراً بما يكفي
لأدخل من ثقب إبرة الوقت،
وأصير خفيفاً..
كأنني لم أحمل يوماً وطأة اسم،
أو ثقل وظيفة،
أو مرارة خيار خاطئ.
أركض خلف ظلّي
دون أن أسأله إلى أين،
وأصادق القطط المشردة
كأنها حكماء الأرض
الذين يعرفون السرّ.
هذه العودة..
ليست ارتداداً، بل هي “ترميم”؛
تعيد لعينيّ القدرة
على رؤية المعجزات
في جناح فراشة،
وتعلمني كيف أبني بيتاً من الرمل
وأبتسم حين يهدمُه الموج،
دون أن أشعر أن العالم قد انتهى.
الآن،
أنا لا أمشي في الشارع،
أنا أقفز فوق المربعات
المرسومة على الرصيف،
تاركاً خلفي حقيبة “الرجل الرزين”؛
فالطفولة حين تعود بنا،
لا تريد منا أن نتذكر،
بل تريد منا..
أن نبدأ باللعب من جديد.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع