الصيت بالصوت

من ماجدة عمو عزيز وممدوح إلى إيناس جوهر غمض عنيك وامشي بخفة ودلع

علاء أبو زيد

ليس كل مذيعة إيناس جوهر.

هل ينكر أحد أن إيناس جوهر هي صاحبة أشهر صوت إذاعي على مدي تاريخ الإذاعة المصرية؟

هذا لا يعني أن الأخريات لا يمتلكن أصواتاً جميلة لأنه فى الحقيقة الصوت الجميل للمذيعة يتقدم الصفات الأساسية التى يجب أن تعلن عن نفسها لكي تنجح فى اختبار المذيعين، وقد سبق إيناس جوهر أجيال من المذيعات حققن نجاحا ملحوظا لكن لم يحققن الشهرة نفسها ثم جاءت أجيال بعدها تأثرت بأدائها وأجادت في تقليد صوتها لكنها لم تحقق النجاح ولا الشهرة التى حققتها إيناس جوهر.

سر إيناس جوهر ليس فى جديتها وهي تقرأ نشرة الاخبار أو رصانتها وهي تنقل إذاعة خارجية او حدثا سياسيا.

السر يعرفه مذيعات ومذيعو الإذاعة وإن تجاهلوه أو أخفوه.

إيناس جوهر فاجأت الزملاء ومستمعي الراديو المحترفين والعابرين بأسلوب إذاعة جديد ومبتكر، شقاوة فى الأداء ودلع فى الصوت..”غمض عنيك ومشي بخفة ودلع الدنيا هي الشابة وانت الجدع تشوف رشاقة خطوتك تعبدك لكن انت لو بصيت لرجليك تقع وعجبي”.

هل استمع أحد إلى هذه الشقاوة فى الأداء وإلى هذا الدلع فى الصوت ولم ينتقل له إحساس بالبهجة والانبساط؟

لا شيء يأتي من فراغ.

ولا شيء يخلق من العدم.

إذن صوت وأداء إيناس جوهر والنقلة التى أحدثتها فى فن الأداء الإذاعي لم تأت من فراغ ولم تستحدث من عدم.

لقد جاءت من بعيد من خلال وسيط مختلف وسيط الصورة والصوت ممثلا فى سينما الأبيض والأسود عبر صوت وأداء الفنانة ماجدة الصباحي حيث نجحت ماجدة فى الخروج عن نمطية أداء جيلها والأجيال التي سبقتها بهذا التون المختلف وبهذه النبرة فى الصوت.

تميزت ماجدة بصوت رقيق عزب يحمل نبرة هادئة وبحة خفيفة تعبر عن الرقة والنعومة فهي لم تكن تتحدث بأسلوب مصطنع بل كانت تلك طبيعة أحبالها الصوتية ونبرتها الهادئة التى لا تميل للصراخ أو الصوت العالى وهذا أدى إلى أن تجسد أدوار الفتاة الخجولة الحالمة بنجاح مبهر فى الخمسينات والسيتينات، وقد اهتم النقاد بأسلوب ماجدة فى التمثيل ووصفوا هذا الأسلوب والأداء بالهمسي أو المتنهد حيث كانت تدمج أنفاسها بالكلمات وهو ما منحها أسلوبا تمثيليا تميزت به عن بنات جيلها. كل هذا أنتج مجموعة من اللزمات المرتبطة بالأسماء وهي نداؤها الشهير “ممدوح” من خلال الجملة الأيقونة: “أنا جيالك يا ممدوح” أو مناداته باسمه بطريقتها الممدودة والمليئة بالدلال، جملتها الشهيرة “عمو عزيز” تنطقها بنبرة طفولية برئية تحولت لاحقا إلى مأساة.

من هنا نلاحظ أن الفنانة ماجدة أسست طريقا جديدا للنجومية بتوظيف الصوت بشكل مغاير عن بنات جيلها حتى أصبح أسلوبها أيقونة فى عالم السينما تحمل بصمة ماجدة.

لكن هناك ممثلة جاءت فى زمن آخر وسياق فني آخر وظرف اجتماعي وسياسي مختلف لتصنع لنفسها اسما كبيرا فى عالم النجوم باستخدام الصوت واللزمات لمغازلة الجماهير، هي الفنانة نادية الجندي.

تأمل معي أشهر عبارات وأفيهات الفنانة نادية الجندي (نجمة الجماهير) التي علقت في أذهان الجمهور وكيف كانت تقولها بنبرة وصوت يميزها عن غيرها من ممثلات جيلها:

“خالتي بتسلم عليكِ”: من فيلم مهمة في تل أبيب واستخدمت ككلمة سر.

“أنا براوية ومحدش قدر عليا”: من فيلم المذبح، وتُعبر عن قوة وقسوة الشخصية.

“أنا نعمة الله والأجر على الله”: من فيلم وكالة البلح.

“سلملي على البتنجان”: من فيلم الباطنية.

“تعالى ما أقولكش” و”كله ماشي”: من فيلم 5 باب.

ثم جاءت إيناس جوهر لتحقق النجومية ليس من بوابة السينما ولكن من بوابة ماسبيرو وعبر ميكرفون راديو الشرق الأوسط لتبهر جمهورها من المستمعين بإداء وأسلوب وصوت يبدو كأنه يبدأ من الصفر لكن فى الحقيقة هو صوت قادم من السينما وامتداد لنجمات راهنت على الاختلاف الصوتي فى النبرة والأداء والأسلوب ونجحن بشكل لافت.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع