الشعر كمرآةٍ لوهم اليوتوبيا

د. رضا عطية

استطاع الشاعر المصرى محمد سليمان (1946- 2026) عبر تجربة شعرية بالغة التميُّز والأهمية أن يجعل لنفسه شخصية شعرية تمتلك خصوصية فنية وبصمة إبداعية لافتة، من خلال خمسة عشر ديوانًا شعريًّا بالإضافة إلى مسرحيتين شعريتين، جمع بينها خطاب شعرى له هويته وهمومه ووسائله التعبيرية الخاصة بصاحبه.

وفى نموذج لاستلهام شخصية تاريخية نبوية بأبعاد أسطورية استلهامًا مطوِّرًا، يستخدِمُ الشاعر محمد سليمان قناع “سليمان الملك” الذى جاء عنوانًا لديوانه الثالث، ومحورًا له، ويستدعى قناع سليمان الملك قسمات فارقة فى شخصية سليمان حيث امتلاك الحكمة والبلاغة والمُلك وأيضًا حيازة القوى الخارقة بتسخير القوى الطبيعية وفوق الطبيعية له كالجن، وقد كان توظيف محمد سليمان لقناع سليمان الملك على امتداد ديوانه الذى يحمل نفس الاسم الذى جاء فى أربعة قصائد كبرى وقد جاءت بعناوين: “الوجوه”، “الجامعة”، “ممالك”، و”كتاب الرؤى والرسائل”، تنقسم كلٌّ منها إلى مقاطع.

ثمة مستويات متعدِّدة فى حضور قناع سليمان الملك عند محمد سليمان، كما فى قصيدة بعنوان “الوجوه”:

أعطهم خُبزَهم

كى ترفرف فى القلب أجنحة للسلامة

يا نارُ كونى سلامًا

وكونى إذا انطبق الصدرُ مُفَتَّحاً للرحابة

يبدو استهلال القصيدة القائمة على توظيف تقنية القناع مغايرًا حيث لا يخاطب الصوت القناعى الآخر، أيًّا كان وإنَّما تدخل الذات فى مناجاة طويلة مع نفسها، فيبدأ الخطاب فى القصيدة بصوت واعظ آمر مشبع بإسداء النصيحة: (أعطهم خُبزَهم) ممثلاً صوت الحكمة والوعى الباطن الداخلى، ويربط الطلب بالنتيجة المتوخاة منه: (كى ترفرف فى القلب أجنحة للسلامة) ثم يخاطب الصوت النار: (يا نارُ كونى سلامًا) ما يبين عن نشدان الذات السلامة النفسية والآمان الوجودى، وهو ما يغاير بشكل لافت صورة سليمان الملك القوى الذى حظى بتسخير الطبيعة له، فالذات هنا كما فى مخاطبتها لنفسها تسعى لمهادنة الطبيعة ومسالمتها، فيتحول سليمان من ملك يحكم العالم إلى إنسان “وحيد” يواجه “ظلمة البحر”.

وبعد هذا التمهيد بإسماع صوت الداخل تنتقل الصياغة الشعرية إلى الخارج بتقديم ملامح القناع المستعار لسليمان الملك:

لسليمان وجهُه النبوىُّ

له شارة العشقِ

صلّى..

فحطت على كِتفه الريحُ

جاءته مملكةٌ

المحارُ

وأرغفةُ البحرِ

لكن بلقيس ظلّت على شفة الغيم

لؤلؤة يشرئبّ لها القلبُ

هذا سليمانُ فى وطن الخوف يرهب مرآتَه

كان مُنشغلاً فى زمان الليونة بالماء

يصعد كثبانهُ

يتشمّم زهر الرحيل

ويكتب فى صفحة البحرِ

كان يصاحب أوجاعه

يتوسّل فى الليل ثم يهدّ النهارَ،

ويهتف أسلمتنى للمفازةِ

أسلمتنى للنمال وللرمل

تجرى الرياح بلا شغفٍ

والعفاريت تأتى ببلقيس فارغةً من أريج الطفولة

هذا هو البحرُ.. بينى وبين الحميمينَ

سخّرت لى الريحَ

سخّرت لى الجنَّ

سخّرتنى للرياح وللجنِّ

لم يأتنى شجرٌ بالمودّةِ

لم يأتنى شجرٌ..

والذى يرهب النار ليس خليلاً.

فى التقديم الشعرى بالوصف السردى لملامح القناع، يبرز الوجه النبوى لسليمان الملك وهو ما يستمد منه الصوت الشعرى وضعية الشاعر النبى العارف بما لا يعرفه غيره من جماعته والمستشرف آفاق المجهول والمستقبل، يضيف إليه بعدًا شعوريًّا يتبدى فى العاشق، لكنَّ العلاقة التى كانت بين سليمان وبلقيس فى القصة الأصلية لا يعمل التشكيل القناعى على استنساخها كما هى وإنَّما يعيد تشكيلها مضيفًا إليها كثيرًا من الأبعاد، فإذا كان سليمان الملك فى النص التاريخى قد أقنع بلقيس بما أتيح له من تسخير الطبيعة وما وُهِب من تعضيد فوقى فأمست بلقيس فى كنفه بكل بساطة ويسر، فإنَّ ما يقدِّمه الطرح الشعرى لعلاقة سليمان ببلقيس يبدو مغايرًا لما كان فى النص التاريخى الأصلى، حيث يتمثَّل تطلُّع سليمان للقاء بلقيس كرمز لتطلع الشاعر للقاء الآخر/ الأنثى، رمز الجمال ومصدر الشحذ العاطفى كما فى استعارة: (لكن بلقيس ظلّت على شفة الغيم/ لؤلؤة يشرئبّ لها القلبُ) بمنح العلاقة بينهما قدرًا من الحرارة العاطفية. كما تبين الكناية (والعفاريت تأتى ببلقيس فارغةً من أريج الطفولة) عن خيبة أمل الشاعر فى استعادة الجمال أو الحب فى واقع “وطن الخوف”، فإذا كانت علاقة الذات/ سليمان الملك بالآخر/ المرأة/ بلقيس فى السردية الأصلية المستعار منها هذه العلاقة تتسم بالتوازن والإشباع بتحقُّق ما كان يريده سليمان من بلقيس بإقناعها بما كان يريد إقراره فإنَّ الذات القناعية هنا تعانى إخفاقًا فى هذا التكوين القناعى فى علاقتها الموازية مع أنثاها؛ إذ تريد أن تستعيد أريج الطفولة للأنثى، رمز الجمال والحب، والطفولة رمز البراءة الأولى والنضارة، لكنَّها تكتشف فراغها مما تتمناه.

وعلى خلاف سليمان الملك فى وضعيته التاريخية بما كان يتسم به من قوة وسلطان ونفوذ فإنَّ سليمان بحسب التشكيل القناعي- هنا- يبدو (فى وطن الخوف يرهب مرآتَه) فى صورة تكاد تكون مضادة لصورة الأصل المستعار منه القناع، فتكشف استعارة (يرهب مرآتَه) عن خشية نفسية للذات فى مواجهة نفسها، بما يعكس قلقًا داخليًّا تعيشه الذات، أما العلاقة مع الماء فتختلف عن السردية الأصلية التى كان فيها الماء والبحر مسخَّرين لسليمان الملك، حيث تستحيل العلاقة هنا فى السردية القناعية إلى مراودة الذات للماء، كما تعمل استعارة (يصعد كثبانهُ) على تراسل العناصر الطبيعية بمنح الماء هوية الرمل (التراب) فى تمثيل للموج واعتلائه، كما يستحيل البحر فى استعارة (يكتب فى صفحة البحرِ) إلى دفتر كدفاتر الشعر، يسجِّل عليها الشاعر نصه ويدون فيها خطابه، لا مجرَّد عنصر من عناصر الطبيعة قد أُخضِع لإرادة سليمان الملك كما كان فى السردية المستعارة. كما تضفى استعارة: (كان يصاحب أوجاعه) بعدًا إنسانيًّا حميمًا لعلاقة الذات (سليمان الملك) بالبحر، كما تستحيل الذات عبر هذا التشكيل القناعى مفعولاً به لعناصر الطبيعة وكائناتها لا فاعلة مهيمنة كما كانت فى السردية الأصلية كما فى (ويهتف أسلمتنى للمفازةِ/ أسلمتنى للنمال وللرمل) حيث الشعور بأنَّ الذات بات مصيرها رهنًا لفعل “المفازة”/ الصحراء بها، والنمال التى كانت فى السردية الأصلية تحت رعاية سليمان الملك ويفهم لغتها أمست فى مرمى ما قد يفعله النمال والرمل بها، ويأتى تكرار الجملة الفعلية (أسلمتنى) للتأكيد الإيقاعى على شعور الذات بالعجز والاغتراب. وفى الاستعارة (تجرى الرياح بلا شغفٍ) تبدو فاترة العزم فى حركتها، على خلاف ما كانت عليه فى السردية الأصلية خاضعة لسليمان الملك، فتبرز الاستعارة شعور الذات القناعية بالفتور الوجودى المتبدى فى عناصر الطبيعة ومكوِّنات الوجود.

ويأتى تكرار الفعل فى جملتين متماثلتين بنائيًّا: (سخَّرت لى الريحَ/ سخَّرت لى الجنَّ) ليؤكِّد على الإيقاع المنتظم لتسخير عناصر الطبيعة لسليمان الملك بما يوافق السردية الأصلية، ثم تأتى جملة: (سخّرتنى للرياح وللجنّ) لتضاد ما جاء فى السردية الأولى لسليمان الملك الذى بدا فى صورتها القناعية تجسيدًا للهشاشة الإنسانية فى مواجهة وحشة الوجود، ثم يجىء تكرار جملة فعلية فى سطرين متتالين مع اختلاف طفيف: (لم يأتنى شجرٌ بالمودّةِ/ لم يأتنى شجرٌ…) فيؤكِّد إيقاعيًّا شعور الذات بفقدان المؤازرة من عناصر الطبيعية ولو صعيد نفسى، على خلاف السردية الأولى لسليمان الملك بتنعُّمه بتعضيد الطبيعة له وإن كان على صعيد فيزيقى.

لقد عملت الصياغة الشعرية فى التشكيل القناعى على تفكيك الأسطورة الأصلية لسليمان الملك فى صورته الأولى المفعمة بالقوة والجبروت، نجد أنَّ “القناع” هنا هو محاولة لترميم الذات المتشظية. الشاعر يوظف “سليمان” ليدفع بأنَّ المعجزات لم تعد تجدى نفعًا فى عالم “لا يأتيه فيه الشجر بالمودة”.

ينوِّع التشكيل الشعرى فى تقديم وجوه مُتعدِّدة لسليمان الملك، عبر هذه القصيدة بدءًا بالوجه النبوى ومرورًا بالوجه الغجرى، ثم الوجه البدوى وصولاً إلى الوجه الحجرى، ليمضى فى تكوينه القناعى فى خلق التوتر الدرامى من علاقة الذات بقناعها، وعلاقة قناعها بالوجود والعالم:

لسليمان وجهه الحجرىُّ

وللوقت سُلطانُهُ

كيف تقلع يا صاحب النور؟

كيف تغادر

أنت وحيدٌ

ولليل أسنانُهُ

ما الذى تتقيه مباغتة العصفِ؟

الصمتَ

طعم الرمادِ؟

سليمان يبكى

ويلتفّ بالغيمِ

عبر الصقيع يرى مُلكَهُ سابحًا فى الضبابِ

وعبر الصقيع تمدّ المرايا إلى رِجْله درَجًا

فيشِفّ

تسيل ابتسامتهُ

يتفتت فيها الكلام وتشربها الريحُ

فى المقطع الأخير من القصيدة أو المرحلة الأخيرة من الحضور القناعى لسليمان الملك يبرز الوجه الحجرى، أى الوجه الجامد الذى يبدو أنَّه قد تكلَّس أمام وطأة الزمن، وسلطان الوقت. ويحمل التساؤل المبثوث عبر صوت الوعى الداخلى المخاطبِ القناعَ: (كيف تقلع يا صاحب النور؟/ كيف تغادر) إحساس الذات برهاب مواجهة العالم وهو ما سيجليه ويفسِّره بيان موقف الذات الاغترابى: (أنت وحيدٌ/ ولليل أسنانُهُ) فتكشف استعارة: (لليل أسنانُهُ) عن إحساس الذات بتوحُّش الوجود فيبدو أنَّ الرؤية الشعرية لدى محمد سليمان تضع فى تكوينها القناعى سليمانَ الملك فى مواجهة افتراسية الوجود، وليس فى تيسُّر القوة المسخَّرة له كما كان فى السردية المستعار منها. ويستعيد التكوين المركَّب من جملتين متصلتين: (أنت وحيدٌ/ ولليل أسنانُهُ) تكوينًا مماثلاً فى مقطع القصيدة الأول: (أنت وحيدٌ../ وللبحر أغوارُه) ما يجعل الليل والبحر حائلين أمام الذات يعيقان حركتها عن الإقلاع، وهو ما يعزِّز صورة الهشاشة الإنسانية التى خلعها الشاعر على قناعه الدرامى لسليمان الملك، بعكس صورة القوة والسلطان والنفوذ التى كانت لشخصية سليمان الملك فى صورته الأصلية فى السردية المستعار منها.

يتموضع قناع سليمان الملك- هنا- فى موقف تعرية للذات فى قلقها النفسى واضطرابها الوجودى، فالذات حائرة فى أى شىء تتقيه من الطبيعة التى تكتنفها: مباغتة العصفِ، الصمت، طعم الرماد، وهو ما يبدو على العكس من إخضاع الطبيعة لسليمان الملك فى السردية الأولى المستعار منها هذا القناع الدرامى، ما يعنى عدم تهيُّب سليمان الملك من الطبيعة أو اتقاء مباغتة عصفها، فالتشكيل القناعى- هنا- قد قلَب ما كان يهيِّمِن عليه سليمان الملك ويأمن جانبه فى السردية الأصلية إلى مصادر قلق وبواعث خوف لقناعه. فبعدما كانت الريح طوعًا لإرادة سليمان الملك فى السردية الأصلية أمست مصدرًا لتهديده ومبعثًا لذعره، وبعدما كان سليمان فاعلاً فيها صار مفعولاً لها كما فى استعارة: (تسيل ابتسامتهُ/ يتفتت فيها الكلام وتشربها الريحُ) التى تُجسَّد سيولة مشاعره وتفتت كلامه فى إشارة لارتباكه النفسى واهتزازه الوجدانى، والريح تشرب ابتسامته أى أضحت تلتهم مشاعره وانفعالاته بعدما كانت تحت إمرته وملكًا لسطوته، فثمة تلويح أو بالأحرى اعترافٌ ضمنى من الشاعر بعجز اللغة وفشل المنطق القديم فى تفسير العالم.

وعلى عكس جبروت سليمان الملك فى السردية الأصلية فسليمان القناع-هنا- يبدو هشًا؛ فيبكى ويلتف بالغيم، فإذا كان سليمان الأصلى يتحكِّم فى عناصر الطبيعة المسخَّرة له- فإنَّ سليمان القناع- هنا- يلتف بها، ويحتمى فيها، وربَّما يتوارى من مباغتة الأقدار له بما لا ينوء بحملها أو تحمُّله، أو قد تتحوٌّل الطبيعة، بالنسبة إلى سليمان القناع، إلى وسيط شفاف أو مرآة ترى فيها الذات ضعفها وهشاشتها الوجودية بعدما كانت فى السردية الأولى مادة طيِّعة لإرادة سليمان الملك، وبعدما كان رمزًا للثبات واليقين فإنَّه فى حضوره القناعى “عبر الصقيع يرى مُلكَهُ سابحًا فى الضبابِ” ليتحوَّل من اليقين المادى بهيمنته على الطبيعة فى السردية الأصلية إلى شتاته فى ضبابية الوجود فى سردية القناع الدرامى. وإذا كانت المرايا فى القصة الأصلية وسيلة لاختبار بلقيس وإظهار الإعجاز، فإنَّها هنا وسيلة لإعانة سليمان إذ “عبر الصقيع تمدّ المرايا إلى رِجْله درَجًا”، مما يوحى بالانزلاق أو بالأحرى كونه على شفا الانزلاق والهشاشة لا بالتمكين أو الرسوخ.

فى سليمان الملك بدا الشعر كمرآة لوهم اليوتوبيا، فالشاعر الذى استعار قناع سليمان الملك هو رمز للإنسان المعاصر والفنان معًا، فى اغترابه الوجودى وعزلته، وإحساسه بالعجز عن الفعل الذى يمكن أن يغيِّر العالم أو حتى يؤثِّر فيه، فكأنَّ الشاعر الذى كان يظن فى تصوُّره اليوتوبى عن الشاعر النبى المُؤيَّد بسحر الكلمة فى إخضاع العالم سيكتشف زيف توهُّمه وإحباط حلمه اليوتوبى أمام سطوة الواقع وجمود العالم.

***

يداخل الشاعر شعور طاغ بالاغتراب فى هذا العالم، وبأنَّ ثمة حجابًا يفصل بينه وبين العالم، كما فى شعوره بالاغتراب المدينى الذى ظل مهيمنًا عليه، كما فى ديوان أكتب لأحييك (2010):

المدينة عمياءُ كالبحرِ

سوف تتيح لك الغوصَ

والرقص فى قفصٍ

والتلصص

لكنَّها حين تحصى تعد البيوتَ فقط

فلا ترمِ ظلك فى حجرها

ولا تزهُ مثل الغزاة

ولا تقرع الصدر منتشيًا مثل قردٍ

فى المدينة لا أصدقاء

فى المدينة أنت صديق لذاتك

كونك فى داخلك

وبلادك فى الجيب أو

لا وجود لها

لا تقل أصدقائى يحطون مثل المراهم

قدام مقهى.

ثمة شعور بعماء المدينة وبإمكانية ابتلاعها الإنسان كالبحر، وكشف لما تتيحه لإنسانها من حرية زائفة بينما هى لا تعتد به، فتعمل متوالية النواهى على كفكة التصور الواهم للذات بعزو المدينة، وبالمثل عدم الرهان على الأصدقاء الآخر، كما فى التشبيه: (لا تقل أصدقائى يحطون مثل المراهم) الذى يبدو مضادًا للوعى الشعبى بتمثُّل المقربين والأصدقاء كـ”مراهم” “يحطون” على الجرح لتطيبه، كما يميط التشبيهان المتتاليان: (لا تزهُ مثل الغزاة ولا تقرع الصدر منتشيًا مثل قردٍ) اللثام عن مفارقة تبرز فداحة تباين تصوُّر الذات لإمكانية تحقُّقها عما ستصطدم به فى الواقع.

وإذا تطلع الشاعر لفعل الكلمات وتصوره لمشروعه الشعرى فيمثل مجمل رؤية الشاعر لرسالته الجمالية، كما فى ديوان إضاءات (2011) فيقول:

وقلتُ سأسجنُ بحرًا فى الكلماتِ

لكى يقصدنى الحوتُ

وأضرب بعض الماء ببعض الماءِ

لأشعل نارًا

وأواصل حرث امرأة نامتْ

فى صرح من ورقٍ

لأذكرها بمراياها

وأقولَ صباحك صدّاح فى الورقِ

ونخلك تغفو الكروانات عليهِ

وتصحو

لتصفق قرب الفجرِ

وتقذف غواصين بباقات الموسيقى.

يمثل الفعل (قلت) حالة التمنى والحلم ومستوى الرغبة والتطلع، أما الذى يحلم الشاعر به (سأسجن بحرًا فى الكلمات)، فتبدو الكلمات إزاء البحر، ولئن كان المَعْنِى (بحرًا)، فالبحر يحيل على العالم، الوجود الخارجى، وهو نكرة، خالٍ من التعريف والتعيين، فهو ليس بحرًا بعينه، إنه رمز متعالٍ على التحديد الفردى، فقد يرمز البحر إلى العالم باتساعه، أو الامتداد الأقرب إلى اللاتناهى، أو الأفكار والخواطر اللامحدودة، وإذا كان البحر أقرب إلى التمظهر المادى، فإن الكلمات أقرب إلى التمظهر الروحانى، فهى تحيل إلى الداخل أكثر وحتى ولو عبَّرت عن الخارج والعالم، لذا فهى تحيل على الذات، وإذا كانت الذات الشاعرة تريد أن تسجن (بحرًا) فى (الكلمات) فهذا قد يعنى رغبة فى سيطرة الشاعر على العالم بكلماته وتحديد اللامحدود بواسطة فعل الإبداع الذى أداته الكلمة، إنه التحدى الأكبر للشاعر إزاء عالمه، هو امتلاك العالم بكلماته واستيعاب لامحدوديته واحتواء اتساعه المترامى، إنه بالأحرى تحدٍ للكلمات، فهل ستوافى الشاعر بمراده ومراميه؟

ولكن ما الغرض من رغبة الشاعر السيطرة بكلماته على البحر/ العالم؟ (لكى يقصدنى الحوت). الشاعر إذن يريد أن يصير مقصدًا لكائنات الوجود، والحوت رمز فى الميثولوجيا إلى الرحم البديل للرحم الوجودى الأوسع والأكبر، فلماذا ينتظر الشاعر الحوت ويطلبه؟ هل يريد الشاعر السيطرة على الحوت بعدما يسجن (بحرًا) فى كلماته؟ هل يبغى ترويض وحش البحار؟ الحوت رمز لمحاولة الهروب من وجه الله كما فى قصة يونان أو يونس وكذلك المواجهة معه، رمز جامع للأضداد، لخطر الموت والفناء ولرحم اللجوء المؤقت والنجاة.

أما الغرض التالى لسجن الشاعر (بحرًا) فى الكلمات فهو: (وأضرب بعض الماء ببعض الماءِ/ لأشعل نارًا)، فيجمع بين ثنائية الماء والنار. الماء رمز للحياة، وأيضًا الاغتسال والتطهر، ولكن الماء أيضًا رمز للشهوة وعرق اللذة، وقد يكون الماء رمزًا لمشاعر وتمثلات يريد الشاعر تصفيتها، مشاعر فى حالة صراع أو تضارب. أما النار فقد تكون نار الشهوة وقد تكون نارًا مستخدمة فى صهر المواد لتنقيتها من العناصر والشوائب العالقة ولكن حينما يرتبط الماء والنار بمواصلة (حرث امرأة نامت فى صرح من ورق) فيبدو أن بضرب ماء اللذة تُشعل نيران الشهوة التى يرجو الشاعر مواصلتها بـ(حرث أمرأة نامت فى صرح من ورق)، وهل هذا الـ(صرح من ورق) إلا صرح الإبداع الشعرى؟ فالورق هو بيت الكلمات، والكلمات هى التى تحرث الورق وتواقعه كما فى المواقعة الجنسية لتلقحه بالأفكار والمعانى وتلوِّنه بصور الإبداع، كما أن الشاعر يريد أن يذكِّر تلك المرأة بمراياها أى صورها الذاتية المختلفة وتنوعاتها، أما الزمن الذى يعاينه الشاعر لتلك المرأة فهو زمن الصباح الذى يصدح بالغناء، الصباح رمز الميلاد الجديد، ورمز الحياة الطالعة بعد موت ليلى مؤقت، أما الغناء فهو علامة على الانتشاء الروحى، فتلك المرأة التى هى رمز الإلهام الشعرى تحمل طاقة دافعة لجذب الكروانات على نخلتها ودفعهم لقذف غواصين بباقات الموسيقى، فالغواصون رمز للمشاعر العميقة وحالة البحث فى الأعماق الدفينة. أما قذفهم بباقات الموسيقى من على النخل الذى يرمز للخارج، فهو دال على مداعبة تلك المشاعر المطمورة وإغرائها بأن تسبح على السطح.

وإذا كان المقطع السابق قد حمل أحلام الشاعر الأولى وأمنياته من الشعر، فماذا عن تصوراته لواقع الشعر الحالى ومستقبله؟

لن أزعم أنى بالكلمات سأبنى صرحًا

وأكهرب ريحًا

لأضىء هنا

وهنا.. وهنا

وأجسد فى الأسماء تفاصيل الأشياء

وأزهو بالشعراء اصطادوا

بالكلمات الريح

وبالكلمات جنون الموج

وبالكلمات عفاريت الحارات

وبالكلمات بلادًا

ثم تواروا كطرابيشَ ولاذوا

بدواليب الماضى.

مع بروز صيغة (لن أزعم) التى تتكرر غير مرة فى هذا الديوان، إذ تؤكد تخلى الشاعر عن مزاعمه السابقة، يبدو حرص الشاعر على عدم الإفراط فى تفاؤله أو المبالغة فى أحلامه بالنسبة لفعله الشعرى، وهو ما يكشف أيضًا شعورًا متواريًا بالعجز أو بعدم اتساع مدى الفعل، بعد الاصطدام بواقع يحد أحلام الشاعر ويعرقل جموحه ويقلِّص طموحاته، فالشاعر ينفى الزعم بقدرة الكلمات على كهربة الريح التى قد تعنى هنا الأقدار لكى يضىء فى أماكن متعددة، وكهربة الريح تعنى احتواءها والسيطرة عليها وإعادة استخدامها، فيبدو أن الشاعر شديد الواقعية مع نفسه قبل الآخرين بإقرار عدم القدرة على التوسع بإضاءاته من أجل تغطية أماكن متعددة، فكلمات الشاعر لا تستطيع النفاذ إلى جبهات متنوعة، كما لا تستطيع تجسيد تفاصيل الأشياء، فرغم عناية الشاعر بألا ينفصل شعره عن الأشياء وألا تبتعد كلماته وتنأى أسماؤه عن تناول الأشياء المرتبطة بها، غير أنه- فى الوقت ذاته- لا يزعم أن للشعر وظيفة معرفية تنازع العلم الذى يتناول الجزئيات وتفاصيل الأشياء الدقيقة، فالشعر مختلف عن العلم، الشعر بقدر ارتباط كلماته بالأشياء، بقدر توظيفه لهذه الأشياء فى توليد دلالات رمزية واستخراج أمثولات عامة وإنتاج رؤى كلية.

يعلن الشاعر اختلافه عن غيره من الشعراء وتخليه عن عقيدة الزهو بالكلمات، ويبدو من التكرار الملحاح لـ (الكلمات) فى “تدويم” لافت فى أربعة أسطر متتالية تعدد زهو الشعراء بإنجازات مُبَالَغ فيها احتفاءً بفاعلية الكلمات فى أن تصطاد (الريح- جنون الموج- عفاريت الحارات- بلادًا) فى إشارة إلى التصور بتمكن الشعر من استيعاب الوجود المادى فى عنفوانه وجموحه (الريح- جنون الموج)، والوجود الميتافيزيقى فى تعاليه المفارق وخرافيته (عفاريت الحارات)، والوجود فى تمظهراته السياسية والهوياتية (بلادًا)، ثم كانت النتيجة التوارى واللواذ المنسحب بدواليب الماضى، فالدواليب تعيين مكانى يدل على الانحسار والمحدودية والاحتباس المقيد، والماضى تعيين زمنى يدل على الجمود والتوقف وفقدان القدرة على مسايرة الزمن ومجاراة إيقاعات حداثته، ومع رفض الشاعر مسايرة الشعراء فى زهوهم المفرط بالكلمات التى تتكرر فى مفتتح أربعة أسطر شعرية فى بذخ إيقاعى على غير المعتاد فى خطاب سليمان الشعرى وكأنَّ الشاعر بمثل رفضه لزهو الشعراء المبالغ بإنجازات وهمية فهو يرفض بشكل ضمنى وفى إطار موازٍ إفراط الشعراء فى تأسيس بنيات إيقاعية باذخة فى موسيقاها، فقد اقترن الزهو المبالغ المفرغ من إنجازات واقعية بالبذخ الإيقاعى والصخب الموسيقى فى الشعر.

 

عودة إلى الملف

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع