الشعر كفعل وجودي في مقاومة التخدير الجمالي

محمد القذافي مسعود

صلاح الدين راشد*

في مجموعته الشعرية (لمختلفين في نعناع النظرة)، ينسج الشاعر محمد القذافي مسعود تجربةً لا تتكئ على البوح العاطفي فحسب، بل تستحضر الحنين كجوهر حاد ومركّب، وتُذيب اللغة في بوتقة وعي متقد، لا يهادن السكون، ولا ينحني لعابر التأمل. هو نص لا يُقال، بل يُستشعر في عمقه، حيث تتجاور البساطة اللغوية مع ثقل المعنى، وتنفتح الكلمات على مجازات تتغلغل في الذات والمكان والزمن، لتعيد تشكيل الإدراك لا بوصفه تذكّرًا، بل انكشافًا وإن اختلاف رائحة النعناع لديه كاختلاف المصير.

العنوان ذاته، (لمختلفين في نعناع النظرة)، لا يأتي محايدًا، بل يلوّح منذ الوهلة الأولى بسؤال جمالي وجودي.. كيف يمكن أن نختلف في تذوق الروائح، وهي الحاسة الأكثر التصاقًا بالذاكرة؟ هل النعناع، بما يحمله من برودة وانتعاش، يتحوّل في الذاكرة إلى نكهة متشظية بين اللذة والفقد؟!. هنا يفتح العنوان باب التأويل على مصراعيه، حيث يصبح اختلاف “النعناع” اختلافًا في زوايا التلقي، في ملامح الطفولة، في رطوبة الألم، في ما حُفر تحت الجلد من صور وظلال. الشاعر لا يصف، بل يضع القارئ أمام مرآة حسّية يتعدد فيها الانعكاس بين الجماعي والذاتي.. مستلهما من متون الذاكرة مناهل أحاديثها وهي مركز وحالة التوتر الشعري عندهُ.

في هذا النص، لا تمثل الذاكرة لحظة استدعاء ساذج، بل هي الهيكل البنيوي الذي تتفرع منه الصور، المجازات، والانكسارات. والذاكرة هنا تنمو ككائن حي، تتنفس في القصائد، وتتسلل بين الأصوات والصمت.

ذات آهةٍ أبعد من نجمٍ

في أقصاي

اشتهيتُ طعم التراب

قصيدة قصيرة من حيث عدد الكلمات، مختزلة بعناية لكنها مشبعة بتوتر هائل بين الامتداد الكوني والانغلاق الداخلي. (ذات آهة) ليست مجرد بداية شعور، بل لحظة انفجار داخلي، أما (أبعد من نجم) فهي مسافة يستحيل قياسها إلا بالألم، وبما لا يُقال. ثم تأتي القفلة المدهشة: (اشتهيتُ طعم التراب) وهي قفلة تنقلنا من الفضاء الأعلى إلى الأرض الأولى، من التوق إلى الهروب، من الجرح إلى الجذر. هنا تتجلى القدرة الفريدة للشاعر في تحويل اللغة إلى أداة وجودية، تمنح من الحواس أبجديتها، وتستدعي الهشاشة كقيمة شعرية عليا.

على صعيد آخر، تتخذ بعض النصوص منحًى جدليًا صدامياً، تُستعاد فيه الذات بوصفها ساحة صراع بين الفكرة وقيدها، بين الإمكان والحرمان، بين الرغبة في الولادة والتهديد بالموت الرمزي، حيث يدرك الشاعر بأن في القصيدة لا توجد أفكار جاهزة، بل رؤى تجبل من القلق وتصاغ من الارتباك وتتشكل من مقاومة السائد، والشعراء يقاتلون أحيانا من أجل فكرة حتى وإن بدت غامضة أو مجنونة أو مستحيلة. كما أن هذا الصراع ليس منهجا فلسفيا فقط بل جوهر الفعل الشعري ومرآة معاناته، في محاولته لإدخال المعنى داخل النص دون أن يفقد طبيعته الإيحائية والرمزية..  

يا الأقوى

حرّر رحم الفكرة منك

في صدرك تكبّلها

دعها تحبل بنقيضك

يا الأقوى

ترجّل عن صهوة ما حرّمت.

هنا يتجسد الصراع بين الذات وصورتها في مرآة القمع. (رحم الفكرة) مجاز فائق الحساسية، يجمع بين الخصوبة والإرغام، بين الامتلاء والمنع. أما (دعها تحبل بنقيضك)، فهي دعوة فلسفية لتمكين التناقض بوصفه ضرورة خلق، ولعل الشاعر هنا ينهل من الفكر الجدلي في أعمق تمثلاته، حيث لا تكتمل الفكرة إلا حين تصطدم بضدها، ويولد الإبداع من رحم الصراع لا من سكينة المعنى. وكما يقولون المعنى في بطن الشاعر. فأن الدعوة إلى (الترجل) ليست انكساراً، بل تفكيكاً لرمز القوة الزائفة، وتمرداً على الامتيازات الفارغة التي تحرم الذات من اكتشاف حريتها الداخلية.

أسلوب الشاعر محمد القذافي مسعود يقوم على تكثيف يقترب من التقطير. لا يركن إلى الجمل المسترسلة أو الصور الفضفاضة، بل يعتمد على مفردات متقشفة، لكنها مشبعة بالوميض والدلالات. فقصيدته لا تُبنى على اتساع القول، بل على اتساع الصمت الذي بين الكلمات. يكتب كما لو أنه يرسم بحدود الضوء، مستعيضاً عن الصخب بالهمس، وعن الزخرف بالبُعد الرابع للمعنى.حيث تتفتح اللغة على الغيب والصورة على الرؤيا، والقصيدة على ما لا يقال وهو بُعد للقصيدة الصامتة داخل حالة الكبت عند الشاعر، وفي هذا السياق تتحول القصائد إلى مساحات شاسعة من التأمل والتوتر ولا أريد المغامرة في تقديم دراسة حول الشاعر قد لا تنتهي فالاقتراب من هذه الأبعاد تتطلب الوقوف عن البعد الزمني والنفسي، والعبور من المادي إلى المجرد أي تجاوز الشاعر حالة المحسوس والاتجاه نحو الرموز والأحلام والهواجس وانصهار الواقع نحو المجاز، وكذلك البُعد الفلسفي الوجودي للعالم الخفي الذي يسرح فيه الشاعر وأسئلة الكينونة، والموت، والهوية والغياب. ناهيكم عن البُعد التركيبي والفني وهو الطبقة الجمالية العميقة الناتجة عن تراكم الأصوات، والإيقاع الخفي المتناغم واللاشعوري بين المفردات، وما وراء الكلام

تمثّل معظم النصوص للشاعر نموذجًا مكثفاً للاختزال الشعري، والذي يُمارَسه بدقة عالية، حيث تتجلى القدرة على تكثيف الرؤية الفلسفية والوجدانية في ومضاته  القصيرة، والتي نراها تتسع لدلالات وجودية وجمالية عميقة.الاختزال في هذا النص لا يُفهم بوصفه نقصانًا بل فائضًا دلاليًا. هو تقشير لغوي يُبقي على جوهر الصورة الشعرية ويُقصي الزوائد التعبيرية. فاللغة في هذا النص تُمارس نوعاً من (الصمت المعبّر) حيث تتخلّى عن السرد والتفصيل لتتوسل التلميح والإيحاء.

من يداوي جرح البياض

بعتمةٍ من نور.

يبدأ النص بسؤال، لكنه سؤال مفخخ بالتناقض. فالبياض في الثقافة البصرية والشعرية غالباً ما يُرتبط بالصفاء والنقاء والبداية، فكيف يُصاب بالجرح؟!

هذا الاختلال في التوقعات يفتح أفق التأويل، ويحوّل البياض إلى كناية عن معنى مكسور: قد يكون الحلم / الطهر/ الطفولة / الكتابة / الذاكرة. هذه الومضة ليست مجرّد جملة شعرية ؛ إنها حالة وجدانية تُوقظ المتلقي على حافة سؤال مفتوح، دون أن تمنحه إجابة. وهذا ما يمنحها قوتها ؛ فهي تخلق فراغًا دلاليًا يدعو القارئ إلى ملئه بتجربته، بمخيالهِ، وبتأملاته الخاصة.

رغم تعدد وتنوع حالات التأثر في قصائد الشاعر. محمد القذافي مسعود نجده لا يقع في فخ المحاكاة، بل يوظف هذه التأثيرات لخلق لغةٍ خاصة به، مقتصدة، مشحونة، وذات دلالات مزدوجة تميّزه !.. وهي لا تأتي فقط من منبته الشعري، بل من حساسيته الفائقة في التقاط التفاصيل، وصهرها في مشاهد شعرية نابضة، تُحدث الأثر دون ضجيج .

وفي المجمل (لمختلفين في نعناع النظرة) ليست مجرد مجموعة شعرية أخرى تضاف إلى مكتبة الشعر العربي، بل هي بيان شعري لذات ترى العالم عبر نبضها لا عبر عدسات جاهزة. وشاعرنا محمد القذافي مسعود لا يكتب الشعر من سطح الحدث، بل من عمق الحيرة، ومن خنادق السؤال، من نُدب الذاكرة. وقصائده شهادات مشعة على مآسي الواقع، لكنها في ذات الوقت تراهن على الإحساس لا على العروض، وعلى الحياة لا على الزينة. وتُعَدّ مجمل قصائده بهذه المجموعة الشعرية (لمختلفين في نعناع النظرة… من أبرز التعبيرات الشعرية في العقود الأخيرة، ولكونه استطاع أن يثبت أن الشعر ما زال قادراً على أن يكون فعلًا وجودياً، لا زخرفاً لغوياً، وعلى أن يوقظ فينا. ما خدرته بعض المدارس الشعرية التي نسيت أن الشعر في جوهره، نبض لا يهادن.

…………………….

* كاتب من ليبيا

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع