“السيرة قبل الأخيرة للبيوت” لمريم حسين.. أنسنة البيوت                     

سيرة موازية لجغرافيا الفقد وتيه الحكايات  

السيرة قبل الأخيرة للبيوت

أماني خليل

أنسنة البيت وتدوين سيرة موازية:

عن أسرة محامٍ قاصٍ ومثقف، وأبٍ لثلاث بنات، وزوجٍ تنقل بين عدة بيوت؛ اختارت رواية “السيرة قبل الأخيرة للبيوت” لمريم حسين والصادرة عن دار المرايا، صوت الابنة الكبرى للمحامي ليتولى زمام السرد. وكانت البيوت التي سكنتها الأسرة موضوعًا جوهريًا للقص؛ إذ أنسنت الراوية تلك الجدران، وخلقت لها سيرة حية تشبه وتوازي سيرة سكانها. فكرة السيرة هنا تنطلق كآلية لحفظ وتوثيق حياة الفرد والجماعة، تتوارثها الأجيال كسير الأبطال الشعبية؛ حماية للحكاية من المحو والضياع، واستعادة لنبض الماضي البعيد.

خلقت “مريم حسين” سيرة نابضة للبيوت التي قطنتها أسرتها، فجعلتها تتنفس، وتحزن، وتضم بين حناياها لحظات الفرح والتعاسة، والخوف والشقاء. أربعة بيوت رئيسة تدور فيها أحداث الرواية؛ الفيوم، وبشتيل، والشوربجي، والهرم. ومن هذه المحطات الكبرى، تتفرع عشرات البيوت التي وثقت الراوية جغرافيًا حكايتها معها؛ كبيوت الجدات والجارات في ربوع محافظتي الجيزة والشرقية. حتى المقابر ــ بيت الأب الأخير امتلكت سيرتها الخاصة، وصوتها، ووجودها السردي كمأوى أخير لصاحب الحكاية الغائب بعد رحيله، في “الكعابي”؛ ذلك القبر الذي ضم الراحلين من أفراد الأسرة، مكتظًا بالرفات، عاليًا بعيدًا.
الأنسنة في النص؛ آلية دفاعية نفسية تلجأ إليها الراوية لمواجهة صدمة الفقد والترحال المستمر. لم تعد البيوت هنا مجرد جغرافيا صامتة أو جدران خرساء، بل تحولت إلى شريك وجداني يحمل عبء الذاكرة. هذا الارتباط النفسي المعني بتحويل المكان إلى كائن يعيش ويموت، يعكس رغبة عميقة في منح الجدران شرعية الخلود؛ كأن الراوية تعقد صلحًا مع الأماكن لكيلا تنسى رائحة الراحلين، فيصبح “البيت” هو الرحم النفسي الذي يلم شتات العائلة ويحميها من الفناء الاعتباري.
لم تمتلك الأسرة بيتًا واحدًا، بل تنقلت بين عدة بيوت مؤجرة يعيش فيها المحامي المثقف والقاص الذي يعاني قسوة العيش؛ لكنه يتمسك بتعاطفه الإنساني مع موكليه الفقراء، فيتولى قضاياهم ويترافع عنهم، بل ويدفع من ماله الخاص للدفاع عن حقوقهم. هذا الإيثار حرم أسرته من رفاهية العيش، مما وضعه في صراع مكتوم مع زوجته “سوسن”، معلمة اللغة العربية الجميلة والمثقفة بحكم بيئة زوجها. كانت الزوجة تحاول النجاة بالأسرة، فاختارت الانسحاب من عالمه إلى عالم بناتها؛ كرد فعل صامت ومأزوم على هذا الواقع المرير.

شكّل تاريخ البيوت ضلعًا رئيسًا للسرد الذي امتد من ميلاد الراوية حتى الحاضر المعاش. انشغلت الراوية بالحكاية وغزلت خيوطها بين الأماكن وساكنيها، موثقةً التحولات منذ ثمانينات القرن الماضي حتى الآن، وكيف تطور السرد في خطين متوازيين: سيرة البيوت وسيرة الأسرة. فنرى البيوت تُهْجَر لصالح الانتقال إلى فضاءات أخرى، ونرى البنات يكبرن ويمتلكن زمام حكاياتهن الخاصة بعد وفاة الأب إثر صراع مرير مع الفشل الكلوي الذي أصابه في أواخر أيامه.

وقد أفرد السرد مساحة خاصة لمكتب المحامي في حي “بولاق الدكرور” بوصفه بيتًا آخر؛ ذلك المكان المكتظ بالأوراق، والقضايا، ونوتات الأعوام التي يكسوها التراب وتستوطنها الزواحف، والتي كان المحامي يؤنسنها ويطلق عليها أسماءً دافئة. ومع موت الأب، تسلّم الراوية (الابنة الكبرى) المكتب لمالك العقار؛ لتطلق سراح المكان وساكنيه من الزواحف، وتحزم أوراق الأب الراحل ثم ترحل.

 البيوت في الرواية لا تشبه الأسرة التي تنتمي نظريًا للطبقة الوسطى؛ فالأب متعلم ومثقف، وأصدقاؤه من الأدباء والفنانين التشكيليين، ومكتبه يحتوي على مقاعد مهداة من المفكر “لويس عوض”. ورغم ذلك، كانت البيوت أقرب إلى بيئات الطبقة الشعبية ودون المتوسطة؛ شقق ضيقة تفتقر للمياه النظيفة، ويصارع ملاكها لإخراج الأسرة منها. وسط هذا التناقض، تحاول الأم الحفاظ على بناتها من المحيط الاجتماعي المختلف، مما ضاعف غربتها وغربتهن؛ فـ “سوسن” الجميلة تحذر بناتها من الاختلاط بالجيران، ويحذرهن الأب من اللعب في الحقول المجاورة، فترتفع أسوار اجتماعية ونفسية سميكة بينهن وبين محيطهن المكاني، وتتعمق الغربة النفسية. لا تشعر الراوية بأن هذه البيوت تخصها طالما أنها لا تمتلكها، فهي مهددة طوال الوقت ومحاصرة برحيل مؤجل، تلخصه قائلة:
“أتعلم يا صالح متى أقدر على القول بأن البيت الذي أتواجد به هو بيتي؟ فقط عندما أقرر هدم حائط فيه ولا يعترض أحد أو حتى يتساءل، بل ربما يعرض المساعدة”.
يبرز هنا تقاطع حاد بين الهوية الثقافية للعائلة وعشوائية المكان؛ فالأسرة تعيش اغترابًا مزدوجًا، غربة مادية فرضها إيجار البيوت الضيقة والمهددة بالإخلاء، وغربة طبقية وثقافية فرضتها أسوار الحماية النفسية التي شيدها الأبوين (المنع من الاختلاط بالجيران أو اللعب في الغيطان). يتحول “البيت المؤجر” هنا من رمز للأمان إلى رمز للعدم المؤقت، وتصبح أمنية “هدم الحائط” هي التعبير الأسمى عن الرغبة في التحرر والانعتاق، وامتلاك سلطة القرار على الفضاء الشخصي الذي ظل مستباحًا وطاردًا طوال العمر

 الفقر كلون وطعم ورائحة لا كـ “مانيفستو” سياسي:

تعبر الراوية عن قسوة الحياة التي عانتها الأسرة برهافة مطلقة؛ وفي هذا السرد البديع، لا تدين الأب ولا تحاكم النظام، ولا توجّه غضبها نحو جهة بعينها. لكنها، وهي تشرع نوافذ القراءة على حياة العائلة في بيت “بشتيل” الضيق، تنقل إلينا تفاصيل ممعنة في القسوة: بيت بلا قاعدة مرحاض ولا شبكة صرف صحي حكومية، حيث تأتي عربة الكسح أسبوعيًا لإزالة فضلات البيت، تمامًا كما كان الوضع قديمًا في بيوت القرى والهامش المنسي. يمتد التوتر إلى الخوف الدائم من أنابيب الغاز التي يعبئها “أبو أشرف”، الساكن في الشقة السفلية بالدور الأرضي، وتتفجر الصراعات في الشارع لتنتهي بدماء وجروح قطعية، في غياب تام للأمن الذي تتشابك مصالحه مع الجميع وضد الجميع.

تتجرع العائلة الخوف وتعيشه بأدق تفاصيله؛ فتختبئ الصغيرات خلف مزاليج الأبواب والشبابيك وتحت أغطية الفراش لحماية أنفسهن، في حين يخبئ تجار المخدرات سمومهم في مداخل البيوت. هنا، يفوح الفقر من بين السطور كلون وطعم ورائحة؛ يمكنك أن تشم رائحة الصرف الكريهة، وتتحسس ضيق البيت الخانق، وتتخيل مذاق طعام “أم أشرف”. يمكن لقلبك أن يدق رعبًا من لمعان الأسلحة البيضاء في الشارع، تمامًا كما يمكنه أن يرقص فرحًا مع خطواتهن العابرة في الغيطان!
يتخلى النص عن الخطابية والشعارات السياسية المباشرة، لصالح “الواقعية الحسية” فالكاتبة لا تبكي الفقر بل تجعله ملموسًا ومرئيًا. يتحول الفقر هنا من مفهوم اقتصادي جاف إلى تجربة وجودية تعاش بالأنف والعين والجلد. هذا الحياد السردي الذي يترفع عن توجيه أصابع الاتهام يمنح النص مصداقية هائلة؛ إذ تترك الراوية للتفاصيل الهامشية الصغيرة (كعربة الصرف، وجروح الشارع، ومزاليج الأبواب) مهمة تعرية الواقع وإدانته تلقائيًا دون صراخ، واضعةً القارئ في قلب التجربة الشعورية والحزن الإنساني.
لا تصطدم الراوية بالمحيط الاجتماعي ولا بالنظام، بل تتكيف لإدارة حياتها وحياة أسرتها؛ مستعينة بالحيلة تارة وبالسخرية تارة أخرى. تحكي -على سبيل المثال- عن توقيفها من قبل الضابط “معتصم” لتفتيش حقيبتها في أثناء استقلالها لـ “التوك توك” للذهاب إلى عملها بحثًا عن أي ممنوعات. يشك الضابط في السائق وفي الراوية على حد سواء، ويبدأ بتفتيش حقيبتها، لتقدم لنا الكاتبة مشهدًا ساخرًا لأحد أبناء الطبقة الوسطى عندما يوضع وجهًا لوجه مع ممثلي السلطة والنظام؛ فيدير الموقف بحنكة وهدوء ساخر. ينتهي التفتيش دون العثور على شيء، وعندما يصرفها الضابط، تباغته البطلة بدعوته لتناول الطعام في بيت أسرتها، وتردف ساخرة في سرها: “أنا وأمي ما بنعرفش نطبخ!”.

وعندما تنتقل الأسرة لاحقًا إلى بيت “الهرم” المتسع الذي يطل على شارعين، ونلمح انفراجة في حياة العائلة، تنشغل الراوية كذلك بمقارنة الرفاهية التي تذوقتها لاحقًا بعد عملها معلمة موسيقى في حي “الشيخ زايد” الثري، الذي تصفه بـ “قطعة دانتيل”. لكن هذا الصعود الطبقي يكبلها بغصة عميقة تجاه من هم أسفل السلم يعانون شظف العيش. وفي مشهد كاشف تحكي فيه عن وعيها بقسوة تلك الفروق الطبقية التي تلازم انتقالها من بيت إلى بيت، تقول:

“أعود إلى بيت الشوربجي لأجد أم سحر تتشاجر مع متعهد البضاعة لأخذ كرتونة شيبسي زيادة فأتعجب ساخرة. أهكذا بسهولة أقدر على شراء ملابس غالية ودخول مطاعم وسينما وامتلاك كتب وشراء سجائر وقهوة غالية طوال الوقت بينما هدى تنحر قلبها في الحضانة طوال اليوم لتحصل على ربع راتبي! كيف أعود في شهر يناير بحقيبتين فاخرتين في كل واحدة منهما حذاء أنيق برقبة طويلة تمنيت امتلاكه دائماً لأعبر أمام متسولة تفترش بطانية بجوار كشري رسلان في أول شارع العشرين بفيصل ينام بجوارها طفلان تغطيهما بكراتين وتوقد لهما الحطب ليتدفأا؟ احترت هل أترك لها الحذاءين لتبيعهما؟ هل أجلس لأتسول نيابة عنها وأدعها تذهب بالأولاد إلى بيتها!”.
تنتقل”حسين” هنا إلى مربع نقد اجتماعي باليدين؛ الأولى تدير الأزمات مع السلطة “بالتهكم” كأداة بقاء يومية للطبقة الوسطى المأزومة، حيث تتحول دعوة الضابط الكاذبة إلى طعام لا تجيد طهوه إلى انتصار مبطن وساخر للضعف الإنساني في مواجهة القوة. واليد الثانية هي “عقدة الذنب الطبقية”؛ فحين تنتقل البطلة من ضيق “بشتيل” إلى اتساع “الهرم”، ومنها إلى “دانتيل” الشيخ زايد، لا تشعر بانتصار الصعود، بل يداهمها وعي حاد ومرير بالفجوة الإنسانية. إن الحذاء الفاخر برقبة طويلة الذي يمر بجوار أطفال يتدفؤون بالحطب في فيصل، يتحول من قطعة ملابس إلى عبء أخلاقي ثقيل، يجسد الصراع الأبدي لضمير المثقف الذي يعجز عن ترميم تصدعات العالم، فيحتار بين التبرع بحذائه أو التسول نيابة عن الجوعى.
ترث الراوية -صوت السرد- هذا الوعي الحاد بالمحيط الاجتماعي وبقسوة الفروق الطبقية عن أبيها؛ ذلك الأب الذي سافر للعمل في “عَمَّان” سعيًا لتحسين أحوال الأسرة المادية، لكنه سرعان ما عاد أدراجه ليرعى بناته الصغيرات ويقف بجوار عائلته إثر الفاجعة الصادمة لانتحار أخيه.

متاهة من الحكايات المتراصة:

في بطن الحكاية الكبرى -حكاية البيوت وأسرة المحامي وبناته- تغزل “مريم حسين” عشرات الحكايات والموازية للمتن الأصلي. تواري الراوية قصتها الذاتية كمعلمة موسيقى، وأخت، وابنة؛ وتكتفي بأن تترك لنا نُدَفًا وشظايا من قصة حب مبتورة مع “صالح”، مفضلةً تقديم نفسها من خلال وجدانها الاجتماعي وأدوارها المختلفة تارة، أو الانزواء الكلي وترك مسرح السرد للآخرين تارة أخرى.

تأخذنا الرواية إلى حكاية حب الدكتور “مجدي” و”جينا”، اللذين يتزوج كل منهما من شخص آخر، لتتشابك تعقيدات تلك العلاقة وتنتهي بالفراق المرير. وتنقلنا إلى حكاية “طنط أم سوزان” (جمال)، التي تعيش في فيلا راقية بالفيوم، واصفةً بيتها الساحر المليء بالتحف، والسقوف العالية، وتماثيل القديسين. ثم تعود بنا إلى حكاية “طنط ماجدة”، الجارة اللصيقة في بيت “بشتيل”، وهي الوحيدة التي كان الأب يأمن صحبتها لزوجته وبناته؛ ماجدة ابنة المنصورة، قليلة الحظ في التعليم، وفيرة الحظ في الجمال، والتي رغم أنها لا تشبه “سوسن” (أم الراوية)، فقد جمعهما الفقر والجيرة والعيش في بشتيل، مثلما جمعتهما الرغبة المستميتة في إسعاد نفسيهما وأسرتيهما رغم قسوة الظروف. وصولاً إلى حكاية “جيهان”؛ صاحبة مفرق الشعر الذي يتخذ شكل قلب ناعم ومسترسل، والعيون الواسعة التي مزقها الخذلان، والفكين النموذجيين؛ بجمال أخاذ يشبه الممثلة العالمية “إنجريد بيرجمان”، لتقول الراوية في دهشة متأملة: “كيف تجرؤ الحياة على العبث بقسوة مع وجه شبيه بإنجريد بيرجمان!”.

صنع هذا الفسيفساء الحكائي لوحة بانورامية هائلة لسيرة البيوت وساكنيها، ولكل من مر عابرًا أو مقيمًا في حياة الراوية بمحافظة الجيزة؛ لتتشكل جدارية الصداقة والحب من خلال أدوات الملاحظة الدقيقة، والدهشة الطازجة، والرصد الإنساني الشفيف.
لا يعود النص سيرة ذاتية مغلقة للراوية، بل يتحول إلى سيرة جمعية للمهمشين والعابرين. إن انزواء القصة الشخصية للبطلة وحكايتها المبتورة مع “صالح” لصالح إبراز تفاصيل وجوه مثل “ماجدة” و”جيهان” و”أم سوزان”، يعكس نضجًا سرديًا يرى الذات مرآة للآخرين لا مركزًا للعالم. تصبح البيوت في النهاية مجرد أوعية جغرافية، بينما الأرواح التي سكنتها -بحكايات خذلانها، وجمالها المهدر كوجه إنجريد بيرجمان، ومقاومتها اليومية للفقر- هي الحامي للحكاية الإنسانية من المحو والنسيان والضياع.
عشرات الحكايات تتناسل في بيت الجدة؛ حكايات الأعمام، ومذاق طعام الجدة في مطبخها، وصولاً إلى الفاجعة المأساوية لانتحار العم. تشبه الحكايات هنا “عش نحل”؛ كل حكاية مرصوصة بعناية بجوار الأخرى، تقطر دهشة وعذوبة، فلا تكاد تعرف متى بدأت الأولى حتى يباغتك سرد الثانية. تتشابه طريقة السرد في الرواية مع أسلوب الجدات القديم؛ بذلك النفس العذب الشيق الذي يغزل “ألف حكاية وحكاية” ليصنع صرح الرواية الشامخ. ومثلما تفترض الجدة معرفتك المسبقة بالشخوص، تفترض “مريم حسين” معرفتك بأبطالها الثانويين؛ وإن لم تعرفهم، تمنحك من حكايتهم ما يلزمك لتعيش معهم. وما إن تبدأ بالتساؤل عن مصائر هؤلاء ومآلاتهم، حتى تضربك بقصة جديدة كضربات فرشاة رسام عبقري؛ لا تعرف كيف اكتملت لوحته، ولا متى بدأت، ولا متى انتهت.

الشيخ زايد.. لا محطة أخيرة للبيوت:

تنتقل البطلة لاحقًا للعمل في حي “الشيخ زايد”؛ ذلك الفضاء الثري والجديد على سكان القاهرة الكبرى، والذي تصفه بـ “قطعة دانتيل”، حيث تعمل معلمة في إحدى المدارس الدولية (الإنترناشيونال). ورغم أن “زايد” تتبع الجيزة إداريًا، إلا أن الطريق منها إلى “ميدان الجيزة” طبقياً واجتماعياً يتسع لهوة سحيقة. وبرغم تحسن أحوال الأسرة المادية كلما انتقلت إلى بيت جديد، فإن هذه الراحة كانت رفيقة اغتراب من نوع آخر؛ إذ تصف الراوية “زايد” بأنها مدينة صماء صباحاً، موحشة ليلاً، وكأن شريط الصوت قد نُزع منها عنوة. في هذا الحي الأنيق، تغيب “ألفة الخوف” التي عاشتها العائلة في بيت بشتيل، وتتلاشى “ألفة الصخب” التي ميزت بيت الهرم الجديد. هناك فقط تلك المدرسة الصارمة التي تفرض سلوكًا يواكب طبقة التلاميذ؛ حتى الأطفال هناك، حين تسقط أسنانهم من أفواههم، تتجنب البطلة الموروث الشعبي العفوي وكلمة “الجاموسة”، مستبدلة إياها في أغنية الأمهات الشهيرة إلى: “يا شمس يا شموسة، خدي السنة الضعيفة!”.

تصف الراوية لصديقها وحشتها العميقة فيما تطلق عليه تهكمًا “مدينة السعادة” (الشيخ زايد)، معلنةً عن حنينها الجارف لصخب “الجيزة” وعفويتها؛ حيث باعة اللعب البلاستيكية، وموزعو الجرائد، والأغذية المقلدة، والمجلات، واستاندات الملابس الشعبية المعروضة على الأرصفة. يرمقها الصديق بنظرة محملة بالاستنكار والاشمئزاز، معقبًا بأنه ينبغي لها أن تتقاضى مالاً تعويضًا عن العيش وسط ذلك الصخب والتلوث!

بين الفيوم وبشتيل تتغير جغرافيا البيوت، وبين عمل الأب القديم في مكتبه ببولاق الدكرور وعمل الابنة اللاحق في الشيخ زايد تتوزع حيوات الأبطال وموقعهم الطبقي المتأرجح؛ غير أن الحنين لبيت حقيقي ومستقر يستمر في الاشتعال دون أن يلوح في الأفق قريبًا. في أحد الفصول، تختزل البطلة هذا التيه قائلة لـ “صالح” -بطل قصة حبها المبتورة التي لا نعرف كيف بدأت، ولا لماذا تعقدت، ولا كيف انتهت-: “بيتي هو كل مكان بللتني فيه بريقك”. ورغم سذاجة الفكرة -كما تعترف الراوية نفسها- يظل تيه البطلة قائمًا وممتدًا في البيوت وعلى درجات السلم الاجتماعي؛ تيه يؤججه حنين أبدي لبيت، ووجود، وسيرة تعصى على النسيان.
 

أماني خليل

23 مقال
روائية وشاعرة مصرية صدر لها: الوهج ـ رواية تسقط من شرفة دهشتها ـ شعر

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع