عبد الرحمن أقريش
جلس متهالكا على حافة السرير.
بدا متعبا، يائسا ومهزوما.
أخرج علبة السجائر من جيب سترته، أشعل واحدة، وراح يدخن…
جال ببصره في أرجاء المكان، رفع نظره إلى الأعلى، توقف عند الصورة المعلقة في قلب الغرفة، صورة تذكارية لزواجهما، صورة بالأبيض والأسود، تأملها، ارتسمت على وجهه الخطوط الأولى لتعبير حزين، شيء يشبه الابتسامة.
مثل نجمي سينما، بدا هو وسيما بملامحه الصحراوية ووجهه الجنوبي الأسمر، وبدت هي بفستانها الأبيض الأنيق مثل أميرة حقيقية.
…
انخرط في لحظة بياض قوية، بدا غائبا ومستسلما تماما.
عاد الماضي فجأة، قويا وعنيفا مثل نهر جارف، انهالت عليه الذكريات، استعاد بداخله شريط حياته في صور سريعة ومتلاحقة.
كانت هي جميلة، ساحرة، شهوانية ومفعمة بالحياة، وكان هو شابا عاطفيا، رومانسيا، حالما، مزاجيا حاد الطباع.
كان جمالها مصدرا لسعادته وتعاسته في نفس الوقت، تركيبة معقدة لمشاعر متناقضة، من جهة هو سعيد وممتن لأنه فاز بقلب امرأة جميلة وساحرة، ومن جهة هو تعيس ومغبون بفعل مشاعر الغيرة ونزعة التملك والخوف من الفقدان.
مرت الأيام.
تزوجا بعد قصة حب عاصفة، اقتسما تفاصيل حياة عاطفية قوية وشديدة الغرابة، تذكر كم كانت تحبه، تذكر بالخصوص كم كان يحبها، حب جنوني يلامس حدود الوثنية.
تلاشت ابتسامته الحزينة، انمحت، ثم ارتسمت مرة أخرى على شفتيه، نفس الابتسامة الغريبة التي تشبه الألم أو الامتعاض.
امتص نفسا عميقا من سيجارته، حبسه للحظات، ثم أرسل الدخان بعيدا.
رفع سبابته في اتجاه الصورة، وهمهم كلاما غامضا.
اتسع إطار الصورة، انفتح مثل بوابة مشرعة.
رآها تنتظره أمام مقر عمله كل مساء، تعبث الريح بخصلات شعرها الأسود الفاحم وتنورتها الملونة، تمسك الخصلات، تدعها، تمسك التنورة، تضحك، تمسكه من ذراعه، وكأنها تقول للآخرين، والأخريات طبعا، وخصوصا الأخريات.
– إنه لي!!
تذكر كيف تزوجته ضدا على إرادة العائلة، وكيف سافرا يجوبان الجهات الأربع للبلد، فنادق، مطاعم، مقاهي، متاحف، حدائق ودور سينما، يقضمان كعكة الحياة بلذة الأطفال.
ثم ذات يوم، يحدث أمر غريب وغامض.
لسبب ما يجهله، تغير كل شيء.
انكسر شيء ما بداخلها، فقدت بهاءها، انطفئت شموع روحها فجأة، فقد اكتشفت أنها أصيبت بمرض عضال وألا أمل لها في الشفاء، كان المرض سببا في انطوائها وانغلاقها على عالمها الداخلي، انسحبت من الحياة بصمت، انسحبت من حياته بألم، وبألم أكبر انسحبت أيضا من فراشه.
لم تكن شجاعة بما يكفي، لم تخبره أبدا بحقيقة مرضها، واحتفظت به مثل سر ثمين وخطير.
ومع مرور الزمن تقطعت الخيوط الأخيرة التي تربطهما معا، كانت هي حزينة ومحطمة، أما هو فعاش جحيما حقيقيا بفعل الشكوك التي تقتات من دمه مثل جرثومة خبيثة…
في البداية حاول هو أن يهزم شكوكه، حاول أن ينتصر على هواجسه، ولكنه لم ينجح، وتدريجيا تحولت تلك الشكوك والهواجس إلى وساوس سوداوية تنخره من الداخل، تعقدت حياتهما، تعقدت بالخصوص عندما لاحظ أنها تغتسل بانتظام في الصباحات الباكرة، وشيئا فشيئا تحولت مشاعر الحب والغيرة إلى جنون أسود وأعمى!!
…
التفت إليها، ألقى عليها نظرة أخيرة، نظرة حزينة ويائسة، كانت ممددة بجانبه هناك على السرير، وكان جسدها مسجى بإزار أبيض.
امتص نفسا أخيرا من سيجارته، سحقها بحذائه، أشعل أخرى.
غادر المنزل، ذهب توا لمركز الشرطة.
استقبله الشرطي العجوز.
– أشنو عندك؟ (ما الأمر؟)
– بغيت نعلم بجريمة قتل…
– ؟؟
– لقد قتلت زوجتي !!
…
مرت سنوات طويلة، طويلة جدا.
غادر السجن.
أيام قليلة قبل موته، اكتشف السر الذي احتفظت به وحملته معها إلى قبرها.
كانت مصابة بسرطان عنق الرحم!!















