بولص آدم
طيورٌ جائعةٌ
تدوسُ زهرَ الكرزِ الجبلي
فتبعثرُه
يوسا بوسون (1716–1783)، أحد كبار شعراء الهايكو الياباني، وكان أيضًا رسامًا بارعًا؛ ولهذا نجد في أعماله هذا التآلف الواضح بين الرسم والهايكو.
في البدء، لم يكن شاعرنا يريد من الهايكو أكثر من قصيدة صغيرة تتسع لمعنى كبير. كان قد قرأ أن الهايكو ومضة، وأن أجمل ما فيه أن يقول القليل ويترك للقارئ بقية الضوء. الهائيكو أو الهايكو الذي يُكتب بالعربية أو بغيرها يُسمّى هايكو لأنه امتداد لنوع شعري ياباني، لا لأنه يكرر نظامه الصوتي حرفيًا. وعندما ينتقل الهايكو إلى لغة أخرى، ينتقل معه مبدأ التكثيف والمشهد اللحظي والقطع والإيحاء، بينما قد يتغير النظام الإيقاعي تبعًا لطبيعة اللغة. لذلك فليس كل نص من ثلاثة أسطر هايكو، وليس الالتزام بـ 5–7–5 وحده كافيًا لجعله هايكو؛ إنما المسألة في مدى انتقال البنية الجمالية والفنية للنوع إلى اللغة الجديدة.
فأخذ شاعرُنا المُستجدُّ ينظم قصائدَ الهايكو. وكتب:
على غصن وحيد
يسند العصفور صمته
قبل الغروب
قرأه على صديق له، فقال الصديق: «هذا جميل». ابتسم الشاعر بتواضع وقال: «الهايكو لا يحتمل أكثر من ذلك». وكان يومها يعرف ما يقول. وفي اليوم التالي كتب:
قطرة ندى
تحمل وجه القمر
ولا تسأله: من أنت؟
أعجب صديقه بالمقطع أكثر، وقال له: «لقد فهمت الهايكو». ومنذ تلك اللحظة بدأت الحكاية تأخذ منحى آخر؛ فقد خطر للشاعر أن من فهم الهايكو لا بد أن يشرحه، ومن شرحه لا بد أن ينظّر له، ومن نظّر له لا بد أن يعلن أن له فيه فتوحات. بعد أسابيع قليلة صار يقول في الأمسيات: «الهايكو ليس مجرد شكل شعري عندي، إنه مشروع لتغيير الذائقة». وحين سأله أحدهم عن الجديد الذي كتبه، أخرج دفتره بثقة وقرأ:
مطر خفيف
على نافذة قديمة
وشيء من الحنين
ساد الصمت لحظة، ثم قال الشاعر: «هذا النص يفتح أفقًا جديدًا في تجربتي». أما صديقه القديم فلم يجد ما يقوله سوى: «كان العصفور أجمل».
لم يسمع الشاعر النصيحة؛ فقد كان قد بدأ يصاب بحمى الهايكو. صار يتحدث عنه أكثر مما يكتبه، ويكتب عنه أكثر مما يكتب فيه. ثم أعلن أمام جمع من أصدقائه أنه لا يستطيع أن يواصل مشروعه من دون زيارة اليابان. قال: «لا بد أن أذهب إلى المنبع، أن ألمس الأرض التي مشت عليها خطوات الهايكو الأولى».
سافر إلى اليابان، وعاد منها بعشرات الصور، وكتابين عن الشعر الياباني، وقبعة لم يعرف أحد إن كانت تقليدية أم سياحية، وبقناعة راسخة أنه لم يعد شاعرًا يكتب الهايكو، بل صار جزءًا من تاريخه. ومنذ عودته تغيرت قامته قبل أن تتغير قصائده. كان يدخل الأمسية ببطء، وينظر إلى الجمهور نظرة محارب عائد من معركة. قال مرة: «لقد عشت الهايكو في موطنه، لكنني اكتشفت أن روحه أقرب إلى روح الساموراي». ولم تنقطع عودات الحنين إلى بلاد يوسا بوسون ومن قبله وبعده.. ففي إحدى جولاته في طوكيو، دخل مطعمًا يابانيًا وجلس منتصبًا كأنه في معبد شعري. اقترب منه النادل وسأله عما يريد. نظر شاعرنا إلى قائمة الطعام طويلًا، ثم رفع عينيه وقال بوقار: «نفر هايكو… عفوًا، نفر سوشي». تردد النادل لحظة، ثم انصرف لتنفيذ الطلب، بينما أخرج الشاعر دفتره ودوّن العبارة؛ فقد وجد فيها، كما قال لاحقًا، «تجليًا حيًا للتفاعل بين الشعر والوجدان والمائدة». ولم يكن يدري أن الهايكو قد بدأ يتسلل إلى حياته اليومية إلى الحد الذي جعله يوشك أن يأكل قصيدته بدل أن يكتبها. وفي يومه التالي هناك، وبينما كان يتأمل شوارع طوكيو بعين الشاعر المحارب، شعر باهتزاز خفيف تحت قدميه. لم ينتظر ليتأكد إن كان زلزالًا أم مجرد ارتباك في روحه السامورائية؛ قطع تذكرة عودة اضطرارية، وغادر اليابان قبل أن تمنحه الأرض فرصة أخرى للتأمل. وعندما عاد، قال لأصدقائه: «لقد أدركت أن الهايكو الحقيقي لا يحتاج إلى زلزال». ولم يسأله أحد كيف أدرك ذلك.
سأله أحد الحاضرين ذات مساء: «وما علاقة الساموراي بالقصيدة؟»
أجاب: «الانضباط، الصمت، الحدة، الشرف». ثم أضاف: «الشاعر الحقيقي يحتاج إلى سيف».
فهل كان يقصد سيف اللغة أم السيف نفسه؟
بعد أشهر ظهر في صورة فيسبوكية وإنستغرامية وهو يرتدي زيًا مستوحى من الساموراي، ممسكًا بسيف خشبي، وكتب تحت الصورة: «حين يصبح الشعر طريقًا، يصبح الشاعر محاربًا». ثم نشر هايكو جديدًا:
شاعر وحيد
يشهر سيفه
في وجه البلاغة
صفق له مريدوه، أما صديقه القديم فسأله: «أين ذهبت تلك القصيدة التي كان فيها العصفور يسند صمته؟»
أجابه الشاعر: «تجاوزتها». وكان قد تجاوزها فعلًا، لكن بدأت القصائد بعدها تفقد شيئًا فشيئًا ذلك الضوء الأول. كتب:
شاي ساخن
في فنجان صغير
وأنا شاعر
ثم كتب:
قمر في السماء
وأنا أنظر إليه
بعمق
وكتب:
زهرة حمراء
جميلة جدًا
في الصباح
وكان كلما خفت الشعر في قصيدته ارتفع صوته في الحديث عنها. صار يسمي كل مقطع «فتحًا هايكويًا»، وكل صورة «منجزًا»، وكل ثلاثة أسطر «تحولًا في مسار الشعر». ويقول بفخر: «لقد بلغت مرحلة الاختزال». فيرد صديقه في سره: «نعم، اختزلت الشعر وأبقيت الشرح».
وفي أمسية وقف ليعلن عن «المرحلة السامورائية» من تجربته. قال إن الهايكو عنده لم يعد وصفًا للطبيعة، بل مواجهة معها، وإن الشاعر ينبغي أن يكون يقظًا كالمحارب. ثم قرأ:
غيمة تمر
فوق الجبل
غيمة
انتظر التصفيق، ثم قال: «أشعر أنكم لم تلتقطوا العمق».
همس صديقه لمن بجانبه: «نحن نبحث عن العمق، لكنه لم يضعه في القصيدة». ثم التفت إلى آخر صفوف الجالسين، حيث يجلس صاحبُ موقع «كلاسيكو» الإلكتروني، وهو ناقدٌ يتصدّر واجهةَ موقعه، بخطٍّ عريض، عنوانٌ لافت: «هدمٌ وبناءٌ في الشعر أم هراء؟». كان الناقد قد التقط المشهد؛ فرفع قبعته ثم أنزلها، وعلى وجهه ابتسامةٌ ساخرة توحي بتحدّيه: أن تكون هذه الأسطر شعرًا أصلًا.
ومع ذلك لم يتراجع شاعرنا. كان كلما فرغت المقاطع من الشعرية ازداد تمسكه بها، وكلما صغرت القصيدة تضخم الكلام حولها. حتى صار الهايكو عنده ثلاثة أسطر، بينما صارت مقدمته عنه ثلاثين صفحة. ثم أعلن في إحدى الندوات أن «الفتوحات الهايكوية المدوية» التي حققها لم تعد تخصه وحده، بل أصبحت جزءًا من حركة شعرية جديدة. وكان كلما نطق بعبارة «فتوحاتي» تخيل صديقه جيوشًا من ثلاثة أسطر تزحف على خرائط الشعر.
وفي ليلة هايكوية جلس الشاعر أمام ورقة بيضاء، وأراد أن يكتب ما سماه «الهايكو الذي سيختصر تجربتي كلها». ظل طويلًا يفكر في الجبل والقمر والريح واليابان والساموراي والفتوحات. ثم كتب أخيرًا:
ليل طويل
شاعر متعب
قهوة
قرأه ثلاث مرات، ثم ابتسم ابتسامة المنتصر، وكتب تحته: «يمثل هذا النص ذروة تجربتي الهايكوية».
وهكذا انتهت حكاية شاعر لم يكتف بزيارة مملكة الهايكو، بل أراد أن يتوّج نفسه سامورايها الأخير؛ غير أن السيف الذي حمله لم يزد قصيدته قوة، وأن الشعر الذي ظن أنه أخضعه لم يكن بحاجة إلى سيف أصلًا. لقد هزمه السيف، وانتصر عليه الشعر. أما الهايكو، فظل كما بدأ… ثلاثة أسطر هادئة، تنتظر شاعرًا يعرف متى يصمت.










