د. أشرف الصباغ
بعد مشاهدة فيلم “السادة الأفاضل” ظهر انطباع مُلح لطرح قراءة بوصفها تشريحًا لمجتمع فقد ليس فقط حساسيته الأخلاقية، بل وغالبية حواسه الأساسية أيضًا، ففقد بالتبعية، القدرة على التمييز، حتى غدا أقرب إلى جثة تتحرك داخل طقوسها وعاداتها اليومية ويقينها العقائدي.
لا يوجد لدى المصريين أقدس من الموت منذ عصور ما قبل التاريخ، فهو بوابة الحياة، وبداية النعيم. والموت عند المصريين يكاد يكون عقيدة تتمحور حولها حياتهم المهينة والرخيصة في الدنيا. وبالتالي، نجده محاطًا بمجموعة هائلة من الطقوس والمجاملات والتجليات، التي تُظهِر العديد من السمات البشرية والصفات الإنسانية من جهة، وتكشف عن مفارقات وتناقضات مادية ومعنوية من جهة أخرى، وتفضح المسكوت عنه، وتخرجه إلى العلن من خلال مواقف حياتية بسيطة لا تعادلها في بساطتها إلا حياة المصريين أنفسهم، وغياب عقولهم، وتحويلهم إلى كائنات ضارة بنفسها وبالآخرين.
في فيلم “السادة الأفاضل”، اختار المخرج بوابة الموت ليكشف لنا، عبر مفارقات مذهلة ومواقف كوميدية “سوداء” صارخة، جملة من المقاطع والمشاهد والحدود في حياة المصريين. واختار أيضا الدخول من بوابة “المتقاعدين” أو “المُحالين على المعاش”- أي كبار السن- ليكونوا هدفًا للسطو. والمعروف أن كبار السن في مصر يتمتعون باحترام وتقدير كبيرين، على الأقل على مستوى الأقوال والإعلانات والتصريحات، وبصرف النظر عن حقيقة ذلك في الواقع.
من هنا تحديدًا، يبدو فيلم “السادة الأفاضل”، إخراج كريم الشناوي، وتأليف مصطفى صقر ومحمد عز الدين وعبد الرحمن جاويش، كمحاولة من العيار الثقيل لإعادة السينما المصرية إلى عقلها ورونقها. وإذا كان فيلم “الكيت كات” للمخرج داود عبد السيد قد استعرض لنا قطاعًا من المجتمع المصري ليطرح ما تبقى فيه من إنسانية وآدمية وسط مظاهر وتجليات الفقر والعوز والإحباط والتحلل الاجتماعي والإنساني، عبر كوميديا حزينة ومرهقة وموجعة وكئيبة، فكوميديا كريم الشناوي جاءت هنا بسيطة ومتحررة من كل القيود، وغير مشغولة لا بالفلسفة ولا بالفضيلة ولا بالعادات والتقاليد، جاءت لا لتعالج أي بقايا إنسانية أو روحية أو قضايا كبرى، بل جاءت سهلة وناعمة مثل مشرط الجراح أثناء العملية الجراحية. وعندما يفيق المريض من “التخدير” يبدأ الشعور بشدة الألم وإدراك قسوة العملية. إن الألم والقسوة يتجليان في هذا الفيلم عبر مفارقات كوميدية ومشاهد يومية معتادة، ومن خلال منظومة علاقات بدائية ورؤى متحجرة، وعادات وتقاليد تخفي وراءها كمًّا هائلًا من التناقضات المخزية، وشكلًا من أشكال غياب العقل والمنطق والأخلاق بكل معانيها ودرجاتها.
هذه الكوميديا “العبثية السوداء” القاسية والمؤلمة جاءت لتعلن التحلل الكامل لهذا المجتمع البشع الذي تحول أفراده إلى وحوش بدرجات مختلفة. وهي في الوقت نفسه، كوميديا راقية ومسؤولة وواعية تماما، لا تطرح أي شعارات كبرى، ولا تتبنى مواقف محددة، ولا تعلن عن أي مواعظ أو توجيهات لإصلاح المجتمع وصلاح الإنسان. فقبل سنوات طويلة، حاول داود عبد السيد التنبيه ودق جرس الإنذار ليس فقط في “الكيت كات”. واليوم يأتي كريم الشناوي ليضع النقاط على الحروف، مُعلنًا موت هذا المجتمع، فاقد العقل والمروءة والإنسانية، والغارق في وحشية لا يمكن أن يتحملها أي عقل بشري، أو تحتملها روح أي إنسان طبيعي. إنه فيلم يكشف لنا وجوهنا الحقيقية، ويعري أوسخ وأحط الطبقات الدنيئة في أرواحنا.. فعل ذلك بخفة وعمق وذكاء.
الفيلم لا يستهدف قطاعات اجتماعية أو عُمْرية معينة، بل الإنسان بشكل، وبالذات عندما يكون هذا الإنسان قد قطع مرحلة السقوط والانهيار بـ “سلام وأمان ونجاح”، واستقر في قاع المرحاض باعتبار أن هذا المرحاض هو الهدف الأسمى الذي كان يسعى إليه ويطمح للعيش فيه، حيث الروائح الجميلة والتصرفات النبيلة والمعايير المثالية للجمال والأخلاق والفضيلة والإنسانية. إن حواس الإنسان الأساسية معطلة تماما في هذا “المرحاض” أو “البكابورت”، فهو لا يشم ولا يرى ولا يفكر إلا في حدود الحياة البدائية، أو بالأحرى في حدود “الزريبة” التي يعيش فيها باعتبارها سدرة المنتهى والكمال النهائي.
عبر بوابات المقدس يبدأ الفيلم أحداثه بمجموعة من المفارقات التي تتكشف تدريجيا. ومن الطبيعي أن يحيط بهذا المقدس عدد من العادات والتقاليد والطقوس التي جاءت في الفيلم سهلة وسلسة وبسيطة، بفضل الأداء الذكي للممثلين، وتجاوزهم أنفسهم وأدائهم في العديد من أعمالهم السابقة. إننا هنا نرى ممثلين يدركون حجم وعمق وصعوبة أدوارهم والشخصيات التي يؤدونها. ونجحوا نجاحا باهرًا في ذلك.
عائلة “أبو الفضل”- عائلة مصرية عادية، تمثل “أخلاق القرية” وعاداتها وتقاليدها. وتحت هذه التقاليد ركام من الزيف والعفن والعدمية، والكذب والخداع. عائلة “كريمة” في العلن، تخفي وراء هذا الكرم كل التراكمات المعيبة التي ترسخت في أرواحهم، يمارسونها باعتبارها الدرع الواقي في مواجهة الحياة التي يعيشونها في قرية ليست معزولة، وليست نائية، وإنما مفتوحة على العالم القاهري من جهة، وعلى العالم الأوروبي من جهة أخرى. فأحد أبنائها خرج ليعمل ويتزوج في القاهرة، بينما أحد أبناء القرية الآخرين توجه إلى إيطاليا لتحسين إمكانياته وتعزيز قدراته. بينما الجيل الصاعد يجتهد ويخطط ويظهر كل قدراته الخارقة في سرقة أموال “المعاشات”.
الفيلم لا يقدم حلولًا أخلاقية لأي شيء، ولا يدعو إلى الفضيلة والرجوع إلى الصراط المستقيم. ولا يطرح إجابات على أسئلة، بل ولا يطرح أسئلة أصلا. إنه ببساطة يتسلل إلى أعمق المناطق النتنة في أرواحنا، يكشفنا ويفضحنا حتى النخاع: من نهب الموتى الجدد الذين يموتون في حوادث عرضية أو مُختلَقَة، ونحن نبسمل ونحوقل ونترحم عليهم، ونهب الموتى القدامى الذين تركوا لنا ثروة كبيرة، فرحنا نبددها “برجاحة عقل”، ونتاجر بهم بالمرة، نبيعهم بعقول غائبة، وقلوب باردة، وإرادة مستلَبَة، وكأن هذه هي طبائع الأمور.
لا توجد شخصيات سوية في هذا الفيلم. لكن هناك شخصيات يمكن احتمالها وتفهمها، مثل لميس خطيبة حجازي (هنادي مهنا)، ومحمود خيري أبو الفضل (ميشيل ميلاد بشاي)، ودنيا (دينا يحيى).. لا شك أن كل شخصية لديها منطقها الخاص في تصرفاتها وسلوكياتها ودوافعها. وهذا هو المهم. غير أن حجم الشر والشراهة والسفه يتزايد بشكل خطير عندما نرى كيف يمكن للإنسان أن يتحول عمليا إلى كائن وضيع يمارس الدناءات وكأنها من طبائع الأمور، ويبرر انهياره الروحي والأخلاقي باحتياجاته من جهة، وبصراعاته مع الآخرين الجشعين من جهة أخرى، وهو في الوقت نفسه يتلاعب بكل شيء: بالدين والمقدسات والطقوس والعقائد والناس والمشاعر والأحاسيس. لا فرق هنا بين الجيل القديم والجيل الجديد. إن رياح الشر والسفاهة والانحطاط تجتاح أرواح الجميع وتطبعهم بطابع وحشي فظيع ومخيف.
هذا الفيلم يضعنا ليس فقط أمام مفارقات مذهلة، بل وأيضًا في مواجهة أنفسنا، لندرك إلى أين وصلنا، وماذا حدث للكبار والصغار، وإلى أين نتجه!! وقد يكون هذا هو أحد أوجه الخطاب العام لهذا الفيلم المذهل والمهم.
يطرح الفيلم أمامنا ممثلين “جددًا تمامًا”، مثل بيومي فؤاد جلال أبو الفضل)، وأشرف عبد الباقي (خيري أبو الفضل)، وانتصار (سميرة، زوجة جلال أبو الفضل)، وإسماعيل فرغلي (ممدوح أبو الفضل). ممثلون يدركون حدود الشر ومكامنه ودوافعه، فأدوا أدوارًا ملهمة بخفة وسلاسة. أما محمد ممدوح، فلم يخيب ظني كمشاهد، ورهاناتي عليه، منذ خطواته الأولى. فهو الممثل الذي سار، وما زال يسير على خطى الكبار الذين لم يعتمدوا إلا على قدراتهم الخارقة، وإمكانياتهم الذهنية والأدائية ليؤسسوا لأنفسهم مسارات خاصة بهم تشبههم هم أنفسهم ولا تشبه أحدًا آخر.
يضم الفيلم شخصيات مذهلة ذات قدرات فنية عالية، على رأسها محمد شاهين (حجازي جلال أبو الفضل)، وميشيل ميلاد بشاي (محمود خيري أبو الفضل)، ودينا يحيى (دنيا). وطه دسوقي (جوهري الدمشيطي)، وعلي صبحي (فاروق اللحام)، وناهد السباعي (نورا ممدوح أبو الفضل). كل شخصية من هذه الشخصيات بحاجة إلى مقاطع منفردة للوقوف على قدراتها الفنية، وفهمها الرفيع لحدود أدوارها ودوافع الشخصيات التي تؤديها.
يمكن اعتبار فيلم “السادة الأفاضل” دُش ماء بارد على رؤوس خالية من العقل، تحركها جملة من الغرائز البدائية والأفعال وردود الأفعال الخالية من المنطق الإنساني الطبيعي، أو في أحسن الأحوال “لكمة” فنية تخلخل رؤانا الساكنة واليقينية لأنفسنا وعن أنفسنا، تزلزل كياننا، هذا إذا كان قد تبقى لدينا عقل أو إحساس لإدراك ولو حتى عمق المستنقع الذي نعيش فيه ولا نشم رائحته أو رائحتنا.















