حاورها: صبري الموجي
هي صحفيةٌ وروائية عراقية، ولدت في بغداد الحضارة والمجد الأثيل. درست الصحافة بجامعاتها، وعملت إثر تخرجها في الصحافة والإذاعة العراقية. سافرت إلى باريس لاستكمال أطروحتها للدكتوراه بجامعة السوربون. تعمل حاليا مراسلة في باريس لجريدة الشرق الأوسط السعودية، ولمجلة «كلِّ الأسرة» الصادرة في الشارقة بالإمارات العربية المتحدة. بدأت رحلتها مع الإبداع بكتابٍ في السيرة بعنوان «لورنا»، يتناول حياة الرسّامة البريطانية الشهيرة «لورنا هيلز». عقب ذلك انفرط عِقدُ إبداعها، فصدرت لها روايات: «سواقي القلوب»، «تيارات القلوب»، «الحفيدة الأمريكية»، «طشّارى»، و«النبيذة»، والروايات الثلاث الأخيرة، اختيرت ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية (البوكر)، كما صدرت لها عن الدار المصرية ـ اللبنانية المجموعة القصصية «بلاد الطاخ طاخ»، ورواية «صيف سويسري». أعدت العديد من الأفلام الوثائقية، منها: «المنشور العلني»، «لينا»، «عراقية في لوس أنجلوس»، «نزيهة الدليمي» . حصلت على جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في حقل القصة والرّواية والمسرحية عام 2025م.تقتاتُ من الصحافة، وتعشقُ القصة، ولاذت بالرواية؛ لتعبِّر عن الزلزال، الذي خلّفه الاحتلالُ الأمريكي للعراق. تؤكد أنَّ ما تكتبه من قصة ومقال ورواية هو ترجمةٌ لذاتها. تنقاد للدهشة، وترفض العادي والرتيب. متيَّمةٌ بالسّفر والتّجوال، وتذوب عشقا في شعر المتنبي والسياب. لم يزد حضورُها في معرض الكتاب بمصر على يومٍ أو بعض يوم، ثم عادت أدراجها إلى باريس . مع الروائية والكاتبة العراقية إنعام كجه جي، يدور الحوار التالي .
بدأتْ رحلتُك مع الكتابة كصحفية، ثم يممت وجهك إلي عالمي الرواية والقصة .. سرّ هذا التحول – ولو بعض حين – .. وأيهما أكثرُ قدرة في التعبير عن ذاتك الإبداعية؟
بداياتي كانت مع القصة القصيرة. عدد منها نُشر في صحف مصرية مثل “إبداع” و«القاهرة» و«أدب ونقد» و«الهلال». لكنني هويت الصحافة منذ يفاعتي، أي منذ تعرفي على مجلة «سمير». بعدها أدمنت «صباح الخير» ووجدتُ نفسي طالبة في قسم الصحافة بكلية آداب بغداد. الصحافة مهنة تستحوذ على صاحبها ولا تقبل شراكة، أمَّا الرواية فقد جاءت متأخرة، أي بعد التقاط الأنفاس، وكنت فيها محتاجة للتعبير عن الزلزال الذي خلّفه الاحتلال الأمريكي للعراق. وبكل صدق، أقول إنَّ كلَّ ما أكتبه، سواء أكان قصة أو مقالة، يُترجم ذاتي .
كاتبة بوزن إنعام كجه جي متنوعة الإبداع بارعة التصوير .. لابدّ أن وراءها عومل دهشة وملهمين ونماذج لمبدعين تقتفي أثرهم؟
أمَّا الوزن فأنت محقّ فيه لأنني أشهق حين أقف على الميزان عند الطبيب، فإذا خرجنا من عيادته، ونظرنا فيما فات، فإنَّ من الصعب تسمية من سحرتني كتاباتهم. أنا إنسانة منقادة للدهشة، لا أحب العادي والرتيب، وأجد ضالتي في قصائد المتنبي والسَّياب وفي الغناء الريفي والمقامات العراقية، وفي أفلام السينما. يشحنني السفر والتجوال في المدن القديمة وتلهمني ملامح البشر سواء كانت أليفة أو قاسية.
تنوعت صنوفُ إبداعك بين مقال صحفي، وقصة ورواية، ومسرحية .. فإلى أي تلك الألوان يميل فؤادك ؟ والسبب في هذا الميل؟
يا فؤادي لا تسلْ أين الهوى… إنه يعشق كلَّ جميل. ومع التجارب لا تعود هناك فروقات ولا حواجز بين أشكال التعبير. هل تصدّق أنني أتعامل مع مقالي الأسبوعي بروح من تكتب رواية؟!
نتاج إنعام كجه جي يتحكم فيه منهج وطقوس للكتابة.. أم أنَّه يأتي استجابة لربة الإبداع؟
هذا هو السؤال الذي يطرحونه عليّ ولا أفهمه. الكتابة مهنة أعيش منها وليست ترفا أو هواية. هل يحتاج النجار أو الممرض أو المحاسب إلى طقوس ليشتغل وينجز عملا متقنًا؟ أنا صحفية مثلك. لي واجباتٌ عليّ تقديمها في مواعيدها. لا أملك رفاهية الطقوس والورق الزهري والحبر الأخضر وفنجان القهوة الذي يحضر جاهزا من حيث لا أدري. أما ربّة الإبداع فأتوسّل إليك أن تعرفني عليها.
فزت بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية فرع القصة والرواية والمسرحية .. مسوغات اختيارك؛ لتكون منارة للمبدعين الحالمين بالجوائز ؟
لا يتم التقدم لهذه الجائزة مع كل كتاب. فقد رشحتني لها دار النشر عن رواية لي صدرت قبل سنوات، ويبدو أنَّ نظام الجائزة يحفظ الترشيحات لحين اختيار الفائزين في كلِّ حقل. لذلك فوجئت باتصال يبلغني فوزي بجائزة العويس لأنني كنت قد نسيت الموضوع. وأسعدني الفوز لأنَّها جائزة تحمل اسم شاعر، ونحن العراقيين نبجّل الشعراء. أمَّا المسوغات فهي موجودة في بيان لجنة التحكيم. لا أظن أنَّ هناك وصفة لاصطياد جائزة، يعني المقادير كذا وكذا وتخلط جيداً وتُزجّ في فرن بدرجة حرارة كذا لمدة كذا. نصيحتي: «اطبخ جيداً لعل هناك من يتذوق ويقدّر».
«كجه جي» اسمٌ له مدلول .. نود معرفته.. وهل كان لكِ منه نصيب في إبداعك؟
“جي” تعني الانتساب لمهنة، مثل القهوجي والجورنالجي. أمَّا الكجه فهو نوع من الخيوط الخشنة، وقد عمل أجدادي في حياكة البسط من تلك الخيوط. أليست الرواية نسيجاً من كلمات؟
رغم ما حقَّقته المرأة من مكتسبات صارت بها صنو الرجل إلا أن قضاياها مبثوثة في صفحات أعمالك .. فماذا تطمحين للمرأة أكثر مما تحقق؟
أطمح للرجل العربي قبل المرأة، أن يحصل على حقوقه في مجتمعات تكفل كرامته، فإذا ارتاحت الأوطان وتعافى الرجل لن تعود للمرأة ما تشكو منه.
أنت شغوفة دائما بالأفلام الوثائقية برغم أنها تتسم بـ«المباشرة» العدو اللدود للخيال أهمّ سمات الإبداع الجيد .. سر هذا الشغف .. وكيف تغلبت على هذا العيب فيما تكتبين؟
في حياتنا الواقعية قصصٌ تفوق الخيال. وما حدث ويحدث في العراق يزدري بمخيلة أشطر منتج في هوليوود. تناولت في أفلامي الوثائقية، وهي قليلة تُعدُّ على أصابع اليد، شخصيات عربية مدهشة تبدو وكأنها آتية من دنيا الخيال.
صوتك السردي يندد بأوجاع الغربة والمنفى والحنين للوطن .. فهل الكتابة تزيل أوجاعك أم أنَّها نبش في النار تحت الرماد؟
ليس في حياتي كلَّ هذه الدراما. لا حرائق ولا نار ولا رماد. هاجرت بحثاً عن أفق أوسع ولم أكن منفية. أشتاقُ لبغداد وتزورني في المنام، ويمكنني الطيران إليها وقتما شئت. لكنني بعد آخر زيارة لها قبل عقدين لم أتعرف عليها. أكتبها لأستعيد وجهها الذي أعرف وأشم رائحة نهرها وأتلمَّس دلالها وقسوتها. هل بوسع الكتابة أن تجمّد الأصالة لزمن قادم، مثلما يجمدّون البويضات والحيامن؟
في رواية «النبيذة» .. تحدثت عن المرأة التي أمسكت بجذوة النار دون أن تحترق .. فبرأيك من هي المرأة الناجحة .. وألا يحول نجاحها بينها وبيت دورها كأنثى وأم وزوجة؟
وهل تقوم القيامة إذا حال نجاحها بين تأدية دورها كزوجة؟ بصراحة جمعت بين عملي وبيتي وأمومتي، لكنني لا أفهم «ميوعة» دور الأنثى.
تدفع دور النشر بالعديد من الأعمال المفتقرة لسمات الإبداع الجيد .. فما هي هذه السمات من وجهة نظرك بحكم الخبرة والتمرس؟
لا جواب.. «اسأل ناقداً».
بحسب «أرثر ميلر» أعمالك كلُّها أبناؤك ولكن لابد أن هناك عملا أثيرا يحمل جيناتك الإبداعية .. حدثينا عن هذا العمل .. وسر شغفك به ؟
أحبّ كتابي الأول وهو سيرة روائية للرسّامة البريطانية «لورنا هيلز»، التي اشتهرت باسم لورنا سليم بعد زواجها من الرسام والنحات العراقي الرائد جواد سليم وإقامتها في بغداد. سيرتها كشفت جانباً سرياً من حياة زوجها، ومن حياة فنية ازدهرت في بغداد منتصف القرن الماضي. وحين سئلت بعد فوزي بجائزة العويس عن الكتاب الذي أود أن يعيدوا طباعته، وفقاً لتقاليد الجائزة، اخترت كتاب «لورنا».
في زيارتك لعرس مصر الثقافي الأبهى معرض الكتاب في دورته الأخيرة .. نود منك الإشارة لعوامل القوة والضعف؛ لننمي الأولى ونتفادى الثانية؟
أنا نملةٌ ومعرض القاهرة للكتاب فيل. يستحيل أن أرفع نظري وأشير إليه لأنه (سيدعسني) بجرّة قدم.














