حاوره: أحمد اللاوندي
محمد حيَّاوي، أحد أهم الأصوات الروائية العالمية، ولد في العراق وبالتحديد في مدينة الناصرية جنوبًا، وأكمل دراسته الأوليّة فيها. تخرج في معهد الإدارة عام (1984م)، وعمل محررًا في القسم الثقافي لجريدة الجمهورية العراقية، ورئيسًا لقسم التحقيقات ثم سكرتيرًا للتحرير. غادر العراق في عام (1992م) وأقام في الأردن حتّى (1995م)، حيث عمل سكرتيرًا للتحرير في جريدة (البلاد) اليوميّة. غادر الأردن إلى هولندا كلاجئ سياسي في (1995م) فدرس اللغة الهولندية، كما درس التصميم الطباعي والجرافيك، وتخصص فيه بعد نيله شهادة الماجستير في البنية المعمارية للحرف اللاتيني. في عام (2001م)، عمل مصممًا ومحررًا في جريدة التلغراف الهولندية من 2000 حتى 2010 بعد أن قرر التفرغ للكتابة.
تم اختياره عضوًا في لجان التحكيم بمهرجان الفيلم الإيراني في أمستردام، ومهرجان الفيلم العربي في روتردام، ورأس تحرير مجلة (سينما عالمية) الصادرة باللغتين الهولندية والعربية من 2010 حتى 2014. يعمل أستاذًا لمادة الجرافيك في معهد جرافيك ليزيوم أمستردام منذ عام (2010م)، ومدربًا للتصميم والصحافة الجديدة (الكروس ميديا) في الأكاديمية الألمانية للتطوير الإعلامي، ورئيسًا لتحرير مجلة “رواية” المتخصصة في الرواية العربية الصادرة في كل من بيروت وبغداد، وهو عضو في اتحاد الكتاب الهولنديين منذ عام (1998م).
في مجال الرواية صدر له: (ثغور الماء 1983م)، (طواف متّصل 1989م)، (خان الشابندر 2015م)، (بيت السودان 2017م)، (سيرة الفراشة 2018م). أما في القصة القصيرة فأصدر: (غرفة مضاءة لفاطمة 1986م)، (نصوص المرقاة 1995م)، (صولو خريف العازف 2015م)، (طائرٌ يشبه السّمكة 2018م). فازت روايته “فاطمة الخضراء” كأفضل رواية عراقية في عام (1988م) ومُنعت من النشر لإدانتها الحرب، كما فازت روايته “طواف متّصل” بجائزة الرواية العراقية في عام (1988م)، وتُرجمت أعماله إلى لغات العالم المختلفة، منها؛ الإنجليزية والفرنسية والهولندية والفارسية.
كتبتَ القصة القصيرة والرواية. فأيّهما الأقرب إليك ولماذا؟
رغم انشغالي المكثف بالرواية في العقد الأخير، إلّا أنّني أحنُّ كثيرًا إلى القصة القصيرة التي بدأتُ فيها مسيرتي الإبداعية، إذ حققت أولى مجاميعي القصصية “غُرفة مُضاءة لفاطمة” في وقتها انتشارًا جيّدًا وتركت صدى معقولًا، وعلى الرغم من تفرغي للأعمال مؤخرًا؛ إلّا أنّني ما زلت أسعى، بتحريض من بعض الأصدقاء، لجمع أعمالي القصصية كلّها في كتاب واحد تحت يافطة (الأعمال القصصية)، وهي كثيرة وصدرت في ثلاث مجموعات حتى الآن، لم تُقرأ أو توزع جيدًا في العراق للأسف بسبب اغترابي وانقطاعي عن الحياة الثقافية هناك. واستنادًا إلى هذا التحريض، قررت في السابق ركن مخطوطة روايتي “مقهى حوري” التي كنت أعمل عليها جانبًا، والتفرغ لكتابة مجموعة من القصص القصيرة جدًّا، تعتمد مفهوم الومضة القصصية الخاطفة، متأثرًا أوّل الأمر بالفجيعة الكبرى التي تعرضت لها مدينة الموصل وجانبها الأيمن الذي دُفن فيه المئات من الأبرياء تحت أنقاض منازلهم.
باختصار؛ أنا أجد حريّتي المخيلاتية إن جاز التعبير، أوسع في الرواية، رغم أنّها عمل مضنٍ ومُعذِب وتتطلب جهدًا أسطوريًّا، وحسب ما أرى فإنّ الأمر في حالة القصة القصيرة؛ يشبه فتح نافذة صغيرة تطلّ على الحلم، ليلقي القارئ من خلالها نظرة خاطفة، بينما الرواية تتيح لنا اصطحابه في جولة سحرية داخل ذلك الحلم.
سافرتَ إلى هولندا، وانشغلت بالفن التشكيلي حتى أصبحت أحد أهم الفنانين التشكيليين هناك. كم أسهم الفن التشكيلي في تنمية مهاراتك الأدبية، وارتقاء تجربتك؟
حال انتمائي اليساري في الماضي؛ دون دخولي معهد الفنون الجميلة ودراسة التشكيل والسينما، ولو قدر لي هذا الدخول وقتها، لتخصصت أكثر في الفن التشكيلي، لما أجده في داخلي من حبّ للفنون وقدرة على تخيّل المشاهد وبنائها، ومع ذلك؛ ظل الفن يراودني باستمرار، لا سيّما حين تركت الكتابة باللغة العربية، وتفرغت لدراسة الغرافيك في هولندا وتعمقت فيه، وشعرت بأنّه حالة من الخروج بالفن التشكيلي من صالات العرض إلى الشوارع، واندهشتُ من سعة انتشاره في حياتنا.
قادتني دراستي لهذا الفن إلى اكتشاف مناطق وعوالم لم أكن أعرفها من قبل، ونمّت قدراتي التخيّلية، كما أضافت لي لمسة معينة لا يدركها إلّا المتخصص في التشكيل، أقصد تلك القدرة التي تتيح لنا تأمّل مناطق الضوء والظل في الأعمال الكلاسيكية، وتفحص حدود العناصر المتلاشية وفق تقنية خاصّة جدّا.
خدمتني دراسة الغرافيك على سبيل المثال في فهم الأمكنة، وكيفية بنائها وتخيّلها في أعمالي الروائية، بالإضافة إلى فهم العناصر وطريقة قراءتها وتأثيرها على السطوح، مثل العلامات العشوائية الغامضة التي يتركها المسّاحون على الجدران القديمة، أو انتفاخ قشرة هذي الجدران بسبب الرطوبة، وانعكاس ظلال الأشياء في الأزقّة، وعلاقة كتلة الإنسان بكتل المباني المحيطة.
إنّ فن الغرافيك هو مزيج من الرسم والمعمار والهندسة والخطّ، وهذه المفردات جميعها تُستخدم في الكتابة الروائية على سبيل المثال.
غيّر الفن نظرتي للحياة وفهمي للأدب في الواقع، ومن يقرأ أعمالي الروائية الأخيرة؛ سيدرك هذا التأثير على صعيد الحضور اللافت للمكان في هذه الأعمال كمحور أساس، لأنه الحاضنة الواقعية للخيال الأثيري، ولأنّ الأمكنة هي الأكثر صمودًا في الذاكرة.
بمن تأثرت من الأدباء؟
انغمرتُ في عالم القراءة في سن مبكرة، فعندما كنتُ في العاشرة من العمر، كنت ألتهم مجلدات القصص المصوّرة التي كانت تصدر آنذاك، مثل بساط الريح وطرزان وسوبرمان وميكي وغيرها، وفي مرحلة لاحقة؛ اكتشفت مكتبة خالي اليساري، فقرأت خلسة أغلب أعمال الكتّاب الروس العظام، فتأثرت بمكسيم غوركي وفلاديمير نابوكوف، قبل أن أنتقل إلى الأدب الأمريكي وأقع تحت تأثير أرنست همنغواي وجون شتاينبك، لكنّني تأثرت لاحقًا أكثر بأدباء أمريكا اللاتينية العظام. بورخيس ولوسا وماركيز، ولحسن الحظ كان في مكتبة خالي ركن واسع للأدب العربي، وإن كان يركز في الأساس على كتب التراث والاستشراق، لكنني عثرت على أعمال الكاتب العظيم نجيب محفوظ كلها تقريبًا فالتهمتها بمتعة آسرة، وظلت عوالمها معششة في رأسي لسنوات طويلة، ولم أستطع التخلص من وطأتها حتى يومنا هذا، أيضًا تأثرت بيوسف إدريس وأعماله العظيمة، ولاحقًا بأدب إبراهيم أصلان.
الذي يميزك عن أبناء جيلك، ومن منهم تهتم بمتابعته وتحرص أن تقرأ له؟
ما يميزني، بغض النظر عن تقنياتي الخاصّة ورؤيتي، هو التجارب التي خضتها، سواء عندما كنت في الداخل حين مقارعتي النظام السابق، أو في الخارج حين هروبي من بلدي وتعرضي للضياع والتشرد لحين استقراري في هولندا، واطلاعي على الأدب العالمي بلغات أخرى، لا سيّما الهولندية، وفي العموم؛ فإن جيلنا كلّه جيل محنة وتشرد وتهديد مصير، ولعله الجيل الأدبي الوحيد في العالم العربي الذي تعرض لمثل تلك المحن، فمنذ امتلاكنا لوعينا الإبداعي مطلع الثمانينات؛ نشبت الحرب العراقية الإيرانية الطاحنة، التي استمرت لأكثر من ثماني سنوات، وطبعت ذاكرتنا بمشاهد الدم، ومن ثم تعرض العراق لحصار اقتصادي ظالم وشرس، أدى في المحصلة لانهيار البنية الأخلاقية للمجتمع ككل، ثم اندلعت حرب الكويت، وما تلاها من هزات ارتدادية عميقة، مهدت في آخر المطاف للاحتلال الأمريكي للعراق، وانهيار النظام السابق.
إن المحن والمتغيرات العميقة، التي امتدت على مدى ثلاثة عقود، هي عمر جيلنا الافتراضي وفترة امتلاكه لوعيه النقدي والإبداعي؛ طبعت كتاباتنا بطابع المأساة وما زالت، ولا أعتقد أننا سنتخلص من ذلك التأثير الساحق قريبًا، ورغم تشتت هذا الجيل بين الخارج والداخل، إلّا أنّه لا يزال يمتلك بعض الملامح المتقاربة، سواء على صعيد الرؤية أو التقنيات.
ثمة تجارب مهمة لروائيي جيلنا في الداخل، لا تقل أهمية عن تجاربنا نحن الذين نعيش في الخارج، وفي المجمل لا يمكنني الإحاطة بالمشهد الروائي الواسع لجيلنا كلّه، نظرًا لتشتته ما بين داخل وخارج كما ذكرت.
روايتك (خان الشابندر) ترجمت إلى لغات عديدة، وقيل عنها إنها إحدى أهم الروايات العراقية، كما أن الباحث (عباس داخل حسن) جمع ما كتب عنها في كتاب نقدي أسماه “سقوط السماء في خان الشابندر”، ودخلت ضمن قائمة الأكثر مبيعًا في معارض دولية مختلفة. لِمَ هذه الرواية من بين رواياتك التي نالت كل هذا الاحتفاء؟
ربّما يعود الأمر إلى كونها الرواية الأولى؛ التي أكتبها بعد فترة الانقطاع التي دامت عشرين سنة، وربما نتيجة للتقنية التي اتبعتها في كتابتها، وهي تقنية سردية تلقائية مناسبة اعتمادًا على تلقائية السرد نفسه، فقد اعتمدت التيمة الأساسية للرواية حكاية الصحفي العائد إلى بلاده ـ بغداد تحديدًا ـ بعد سنوات من الغياب، بحثًا عن الأماكن التي يحبّها وتلك التي كانت له حكايات وشغف معها، ولعل الحكاية الرئيسة التي انبثقت في مخيّلتي هي ذكرى عابرة لتجربة ذاتية خضتها مع امرأة في أحد بيوت الحيدر خانة عندما كنتُ مراهقًا، واستنادًا إلى هذه الحكاية ـ التجربة، انبثقت الحكايات الرديفة الأخرى، مثل حكاية ضويَّة وحكاية هند وحكاية زينب وغيرها من الحكايات، التي شكلت في مجملها البنية السرديّة للرواية.
وفي المحصلة؛ فقد اشتغلت على قضايا متعددة داخل جسد السرد في “خان الشّابندر”، منها موضوعة الغياب والعودة والخراب الذي حدث لبغداد، ومنها قضية مفهوم الفضيلة والنظرة الإنسانية للعاهرات اللواتي هن ضحايا المجتمع وظروف الحرب والعنف والانهيارات الفادحة في البنية الأخلاقية، ومنها تيتم الأطفال وتشردهم وانتهاك الطفولة البريئة تحت وطأة العنف والطائفية، ومنها قسوة النظام السابق وقمعه للطبقة الوسطى في العراق، ومنها الذكريات المريرة التي طبعت ذاكرة جيلنا بأكمله، فنتج عن هذا الخليط كله رواية مختلفة أثارت مشاعر الحنين والدهشة لدى القرّاء، نتيجة اعتمادها لما أسماه النقاد لاحقًا بـ “الواقعية الخياليَّة”، لأنّ الواقع يتمثل في “خان الشّابندر” بالجانب الماضوي أو الذكرياتي فقط ـ حكاية تجربتي الشخصية في بيت بائعات الهوى في السبعينات ـ عدا ذلك هو اشتغال مخيلاتي صرف، بني بطريقة تشبه اليوتوبيا المشيّدة على بقايا أو نتف تلك الذكرى، لذا؛ أجد أن مصطلح “الخيال الواقعي” ينطبق تمامًا على الرواية لجهة أنه؛ أيّ الخيال ـ لم يكن منفلتًاـ بل هو يستند بقوّة إلى الاشتراطات الواقعية، فخرج العمل كما لو كان واقعًا مزريًا أو حقيقة واقعية مزرية.
السر وراء توقفك عن الكتابة، لأكثر من عشرين عامًا؟
بسبب هروبي من العراق في (1992م)، وتجوالي في المنافي، ومن ثم استقراري في هولندا. لقد فقدت في مرحلة من المراحل الثقة بالأدب، كأداة للتغير أو كممارسة إنسانية، نتيجة لما رأيته من أهوال ومخاطر كان مصيري فيها معلقًا بخيوط واهية، رغم ما حققته من إنجاز أدبي جيّد بشهادة الكثيرين آنذاك.
يا سيدي؛ كان الثمن غاليًا جدًّا في الواقع، ولم يقتصر على ضياع عشرين سنة من عمري وحسب، بل تعداه إلى هزة كبيرة في دخلي ودخل عائلتي الصغيرة، لكنني تجاوزت ذلك فيما بعد، ولعل الأمر الذي أعاني منه حاليًا؛ هو اختلاف وعيي وعمق قراءاتي وفهمي للحياة وتنوع تجاربي، الأمر الذي جعلني أخضع أعمالي السابقة التي كتبتها في مرحلة التسعينيات، إلى مراجعة ظالمة خارج نطاق زمنها ومناخها الذي كُتبت فيه، ولا أدري إن كان هذا الأمر إيجابيًّا أم سلبيًّا.
قلتَ من قبل: معجزة الروائي؛ تتجلى في قدرته على الانفصال عن المجتمع؟
نعم. قصدت بذلك القدرة على تأمّل المجتمع، وما يعتريه من مشكلات وانهيارات وصراعات من الخارج، كي تكون الصورة لدى الكاتب مكتملة وواضحة، لأن الأمر يعمل بالطريقة نفسها، التي تعمل بها اللوحة التشكيلية الكبيرة، التي لا يمكن الإلمام بمكوناتها كلّها، إذا كنا ننظر إليها من زاوية مقربة، ويتطلب الأمر منا الابتعاد مسافة معينة كي نلّم بتفصيلاتها كلّها، وطالما وصفتُ الرواية بالمرآة العاكسة لتناقضات المجتمعات من زاوية محدّدة يختارها الكاتب بدقّة؛ فإنّ توجيه هذي المرآة؛ يكون أكثر تأثيرًا في حال وُجهت من الخارج الافتراضي، وليس من الداخل، أو في خضم الأحداث والمعاناة.
علاقتك بالكاتب الراحل جبرا إبراهيم جبرا؟
تعود علاقتي به إلى بواكير اشتغالي بالكتابة، عندما كان يعمل في العراق، ويشرف على الكثير من اللجان في الدوائر الثقافية هناك، وقد أسعفني الحظ بلقائه أكثر من مرّة، كان آخرها بطلب منه، حين قرأ مخطوطة روايتي “فاطمة الخضراء”، وكانت مُقدمة إلى الجائزة الأدبية الكبرى في العراق آنذاك، وأثارت الكثير من الجدل واللغط داخل لجنة التحكيم، بعد أن رفضها جميع أعضاء اللجنة كونهم وجدوها وثيقة إدانة للحرب، لكنّه أصر على منحها الجائزة كونه كان رئيسًا للجنة، وبعد أخذ وردّ، تقرر منحها الجائزة، لكن مع توصية بعدم نشرها في العراق.
وكان لقائي المذكور معه ليبرر لي شخصيًّا هذه الملابسات، بعد أن دوّن بخطّ يده إشادة مهمة بقصصي التي كنت أنشرها في الصحف والمجلات العراقية آنذاك، وما زلت محتفظًا بملاحظاته المهمة حتّى يومنا هذا.
لقد كانت آراؤه هذه والانطباع الذي خرجت به بعد مقابلته؛ من أهم العوامل المحفزة على المواصلة، وتطوير قدراتي الفنية في الكتابة.
ثمة فرق؛ بين إبداع الكاتب الذي هجر العراق، وبين إبداع من ظل باقيًا فيه؟
الفرق الوحيد يتجسد بفسحة الحريَّة والاستقرار النسبي، لأن آلية اشتغال المخيّلة واحدة في الحالتين، ربّما الكاتب في الداخل على تماس مباشر ودائم، مع المتناقضات المجتمعية ومراقبة تأثيرها على الناس، لكن الإبداع بصفة عامّة، والرواية على وجه الخصوص، تعتمد على صور الماضي والذكريات والتجارب التي خاضها الكاتب، وما يلزم الكاتب في الخارج؛ هو الومضة التي يستمدها في الغالب من زياراته المتكررة لوطنه بين الحين والآخر، وكلما طالت غربته وانقطاعه كلّما ضعفت الآصرة المخيلاتية التي يستمد منها أفكاره.
ربّما يعتقد الكثيرون بأن الحياة في الغرب من شأنها توفير بيئة مناسبة ومستقرة للكتابة، لكنّني وفي ضوء تجربتي، أختلف مع هذا الرأي، فأنا رغم تحقيقي لبعض النجاحات، على صعيد تعلّم اللغات والدراسة المتخصّصة بالغرافيك ونيلي شهادة عليا فيه، إلّا أنّني فقدت حاضنتي ومفردات مخيّلتي في الغربة، ولم أشأ أن أكتب عن العلاقات بين المغتربين العرب، والمجتمعات الغريبة التي تحتضنهم كمجتمعات بديلة، الأمر بدا لي سطحيًّا ويفتقر إلى العمق والحرارة والوجع.
إنني حققت في المنفى أو الاغتراب بعض النجاح الشخصي، لكنّني على صعيد الكتابة الإبداعية أُعطبت تمامًا، حتّى عودتي إلى وطني الأم بعد غربة طويلة، لتلتهب مخيلتي من جديد وتمتلئ بالحكايات والسحر، وتبقى المجتمعات الغربية مجتمعات لا روائية من فرط استقرارها، لهذا لم تخرج منها روايات عظيمة بمستوى روايات أميركا اللاتينية المليئة بالتناقضات المجتمعية، في الغرب؛ يمكنك أن تحصل على السعادة الشخصية والأمان والكرامة، لكنّك لن تحصل أبدًا على صعقة الإبداع اللازمة لكتابة رواية، هذه هي المعضلة في الواقع.
وأين أعمالك من السينما؟
بالنظر لما تتميز به أعمالي الروائية، حسب رأي الكثير من النقاد، فإنّها أقرب إلى السينما، لجهة توفرها على مشهدية جاهزة، ربّما لا ينقصها سوى تقطيع المشاهد وتجهيزها للتصوير. وتعود علاقتي بالسينما وكتابة السيناريو إلى الثمانينات عندما جرى تحويل قصّتي “عصافير النّار” إلى فيلم سينمائي، كأطروحة تخرج من أكاديمية الفنون الجميلة، للمخرج المعروف هادي ماهود، كما كُلفتُ بكتابة سيناريو عن حياة المطرب “ناظم الغزالي”، وكان تجربة رائعة مع المخرج الكبير فيصل الياسري آنذاك، رغم أنّها لم تكتمل بسبب نقص التمويل وقتها، كما فاز سيناريو كتبته قبل سنتين بعنوان “هروب”، بجائزة مؤسسة السينما والمسرح في العراق، كأفضل سيناريو ونُفذ بطريقة جميلة، وقد أنجز المخرج العراقي ذو الفقّار المطيري فيلم “سيلفي مع أنجلينا جولي”، كتبت له السيناريو بالاستناد إلى نص قصير لي يحمل العنوان نفسه.
ومن جهتي أجد تقاربًا كبيرًا بين السرد والسينما، لأن كلاهما؛ يعتمد الخيال كمنصة لبناء الأفكار وتجسيد الرؤى الفنيّة، ولولا انشغالي الدائم بالكتابة الإبداعية والصحفية؛ لأنجزت سيناريو فيلم سينمائي عن روايتي “خان الشّابندر” بطلب من مؤسسة نتاج سينمائي كبيرة في فرنسا، فالكثير من الأصدقاء المخرجين؛ يرون أن النصّ كما لو كان مجسدًا سينمائيًّا، ولا ينقصه سوى تقطيع المشاهد، لكن ليس لدي الوقت، والذي ما زال يشكل لي معضلة حقيقية.
كيف ترى المشهد الروائي في العراق الآن؟
هو واقع مضطرب نسبيًّا، ورغم كثرة الإصدار الروائي الذي شهدناه بعد (2003م) وتنوعه؛ إلّا أنّني أعتقد بضرورة عدم التعجل في الحكم عليه، ويلزمنا فترة من التأمّل، حتّى تُفرز الأعمال الناضجة والجادّة منه لنحتفي بها عربيًّا وعالميًّا ونضعها في الواجهة، لأن الكثرة لا تعني الجودة بالضرورة، لكن هذا لا يعني أن المنجز الروائي العراقي الحالي مُلتبس أو ضعيف.
حققت الرواية العراقية في السنوات الأخيرة حضورًا لافتًا سواء على الصعيد العربي أو العالمي، وصارت تُترجم إلى الكثير من اللغات، ولولا العزلة وصعوبة السفر التي كان يعاني منها روائيو الداخل؛ لأصبح لهم شأن كبير في هذا المضمار، أسوة بزملائهم روائيي الخارج، الذين تُرجمت أعمالهم وحققوا انتشارًا ملحوظًا، لكن في المقابل؛ ثمّة استسهال وتسرع لدى الكثير من الكتّاب وإفراط في الإصدار الروائي الذي لم يكتمل، أو لم يمتلك اشتراطاته الفنيّة بعد، تتحمل مسؤوليته بعض دور النشر، الساعية لتحقيق الأرباح المالية، على حساب المنجز الروائي الفني.
وفي الغالب؛ كانت التجارب الروائية السابقة مهادنة وحذرة، لا تكاد تبتعد كثيرًا عن الواقعية التي طبعت أعمال فترة الستينات والسبعينات، لهذا؛ فهي من وجهة نظري، ركزت بالدرجة الأساس على الإمتاع أكثر من الإدهاش. أما الرواية العراقية الجديدة ما بعد (2003م)، فهي أكثر جرأة في تناول الموضوعات، وأكثر تطرفًا في التجريب على صعيد المضامين، وبالتالي أكثر إدهاشًا.









