فاتن الڤمري
“أتسمحين بهذه الرقصة، سيدتي؟”
فتحتُ عينيّ بصعوبة، والتفتُّ إلى جهة الصوت الرخيم. وجدته يرنو إليّ بعينين صافيتين، ويمدّ يده بأناقة الأمير، يدعوني إلى رقصة لم تكن في خاطري.
نظرتُ حولي، فلم أرَ سوى البحر.
كنّا على قارب صغير بشراع أبيض يتماوج مع الريح الخفيفة، والشمس لا تزال في ردائها الأرجواني، المنبئ بالرحيل القريب. ها هو البحر يرتدي لون أشعتها، ليأخذني معه في جوّ ساحر لم أقاوم سطوته.
من أين تأتي هذه الموسيقى؟ أسمعها على غير عادتي، كأن إيقاعها ينبعث من أعماقي؟
التفتُّ مرة أخرى أبحث عن صاحب العينين الصافيتين. كان لا يزال في وقفته تلك، يرنو إليّ بإيماءة صغيرة يدعوني إلى الرقص، ولكنه لم يكن معي على القارب هذه المرة؛ كان يركب البحر كأنّه على بساط، والقارب يتبع حركته في تناغم وانسياب
وأنا، رغم دهشتي، لم أستغرب المشهد.
مددتُ إليه يدي، وأنا على ثقة أنّني سأرقص على أطراف الموج، يرافقني أميري في خفّة الفراشات.
ما إن لامست أصابعي يده حتى ارتجف البحر تحت قدميّ. انحنى الموج قليلًا، ثم ارتفع بنا، وصار القارب خلفنا نقطة بيضاء تتأرجح في زرقة لا نهاية لها.
كانت الموسيقى تقترب.
أصغيتُ إليها. كانت تأتي من بعيد، من جهة الجزيرة، محمولة على نسمة بحرية رقيقة، تتخللها نقرات الدفوف ونغمات أعرفها جيدًا.
سألتُه بعينيّ قبل أن أسأله بصوتي.
ابتسم، وأخذ يدور بي في دوار لذيذ.
دارت السماء، ودار البحر، ودارت السنوات ولم أعد أرى الغروب.
رأيتُ «سيدي سعيد*» من بعيد، كأنّ مقامه بقبته المميزة قد أضاء وحده في قلب العتمة، وحوله حلقة من الناس يعزفون. كان اللحن يأتيني أوضح هذه المرة، وكأن البحر قرر أن يكون رسولًا بين زمنين.
اقتربنا.. كانوا كثيرين… وجوهٌ تتمايل على إيقاع الموسيقى، وأيدٍ تدقّ الطبل، وأكتاف تهتزّ في فرح غامض… حدّقتُ في الوجوه… ثم توقفت أنفاسي.
ذلك الوجه…لا، مستحيل.
اقتربتُ أكثر.
كان يضحك كما كان يضحك منذ سنوات بعيدة، الضحكة نفسها التي كنت أظن أن الزمن محاها من ذاكرتي.
ثم رأيتُ وجهًا آخر، وثالثًا، ورابعًا…
يا إلهي!
لم يكونوا موسيقيين… كانوا هم، أصدقائي، وأحبّتي، أولئك الذين تقاسمت معهم أجمل السنوات، أولئك الذين أخذتهم الأيام، كلٌّ إلى جهة، وبخلت علينا بلحظة واحدة تجمعنا كما كنّا… كانوا هناك جميعًا، كما كانوا لا أثر للزمن على وجوههم ولا الغياب، فقط تلك السنوات الجميلة، معلّقة في عيونهم، تنتظر من يُعيد إليها الحياة.
نظر إليّ أميري وقال:
-أتسمحين برقصة أخرى؟
فتحتُ عينيّ.
التفتُّ إلى جهة الصوت الرخيم، فلم أرَ سوى مخدّتي، والدوار اللذيذ يقلب جدران غرفتي.
أدركتُ بعد حين أنّني لم أكن أرقص في حضرة البحر…
كنت أرقص في الحلم، على إيقاع الذكريات.
…………………
*قاصة وشاعرة تونسية، صدر لها ديوان شعري «أكتبُ لِتَراني» سنة 2025.
*سيدي سعيد: مقام ولي صالح معروف بجزيرة قرقنة/ تونس










